قال ويل بعد أن أفرغ حصيلة صيد بن أمام ويدرو، فلم يره إلا وقد عاد لتوهّج العلاج وذراعه مسجّاة بالدماء: "أهكذا سيكون الحال في كل مرة أغيب فيها قليلاً؟"
ردّ الآخر: "إياك أن ترتبط يا ويل. تبدو الأمور رائعة في البداية، وما إن تنتبه حتى تجدهم يطلبون منك النزف كي يختبروا مهاراتهم عليك. الأمر برمّته خدعة."
"أظنها خدعتك وحدك يا صاح."
تدخلت ثيرا مدافعة عن نفسها قبل أن تلتفت إلى ستيف وتومئ لها بامتنان خفيف: "اتفقنا على الانتهاء فور عودته على أي حال. أعتقد أنني تمكنت من استخلاص قدر لا بأس به من ذلك، شكراً لك."
"لا مشكلة، سأركّز على استعادة طاقتي أكثر، لكن أخبريني إن احتجتِ لأي شيء آخر."
عندها انصرفت ثيرا وستيف لتجلسا بمفردهما؛ ستيف للاسترخاء، وثيرا للتدرب والتأمل فيما شعرت به للتو عبر الرابط. كان بن ينوي العودة إلى نحته، غير أن ويل ظل واقفاً فوقه ويبدو وكأنّه يريد سؤالَه عن شيء.
"ما الأمر يا فتى؟"
"كنت فضولياً بشأن مهارة العقل تلك الخاصة بك، وأردت معرفة إن كنت ستستخدمها معي."
"ربّما تتصل بي؟"
سأل، فجاءه الإيماء موافقاً.
"بالتأكيد، لكن هل من سبب معين؟"
"مجرد فضول."
لم يدرِ لمَ، لكن شيئاً في موقف ويل جعله يعجز عن تصديق ذلك تماماً، مع عدم وجود ضرر يذكر. فأي فرصة لممارسة إحدى مهاراته الرئيسية تعدّ ثمينة على أي حال ولم يكن ينوي تفويتها. مدّ يده، وما إن أمسكها ويل حتى تم الاتصال. بشكل مثير للدهشة، بدا عقل ويل منضبطاً بشكل غير عادٍ، وأكثر حتى من عقل ثيرا التي امتلكت في هذه المرحلة خبرة واسعة في محاولة السيطرة على أفكارها. تسرّبت بضع أفكار ومشاعر من صديقه، لكنه لم يكن يطلق العنان لكل شيئ مثل ستيف.
ورغم ذلك، كان يترك بن دون قصد على دراية تامة بالأمر الأساسي الذي يريد التحدث عنه. أهلاً يا بن، كنت أتمنى لو أتيحت لي فرصة الحديث معك عن هذا مبكراً، لكن بما أنك بالفعل… انتظر. أوقف قطار أفكاره دقيقة والتفت محيطاً ليؤكد شيئاً. آسف، قبل ذلك، أَتُنتبه لوقوف ثيرا في كل الأوقات؟ أه، أيمكنك استشعار ذلك حقاً؟ إنه أثر مهارة، أدرك الأمر في خلفية عقلي لكنني لا ألاحظه فعلاً إلا إن فكرت فيه، أشبه بالتنفس تماماً.
يبدو مفيداً، ألا تظنّك قادرًا على تعليمي كيف أحصل عليه؟ حين سأل ويل ذلك شعر بجزء من عقله يفرغ تماماً، كأثر للعهد الذي قطعه عند دخوله الاختبار. فحتى على مستوى اتصال العقول لن يُسمح له بالكشف عن معلومات تخص الاختبار الذي خاضه، ولا حتى مكافآته. في الوقت ذاته، لم يرغب في مجرد الصمت دون إجابة. فهذا صديقه وكان جلياً كيف سيستخدمه إن تمكن من نيلها؛ إذ كانت أفكار الكامنة في المهارة لحماية ستيف تتسرب من عقله.
إن استطاع حماية من يعنيهم أمرهم بصورة أفضل عبر كشف القليل، بما يكفي ليكون تلميحاً على الأقل، فسيُقدم على ذلك. مع امتداد اللحظات في صمت بينما كانت كل محاولات بن للكشف عن الأمر تُقمع، بادر ويل بالحديث. إن كان الأمر خاصاً فانسَ ما سألتُ عنه. كلا، ليس هذا، امنحني دقيقة أو دقيقتين فقط. سيكون حسناً لو تمكنت من إخبارك بأي شيء على أي حال. استطاع ويل سماع الإصرار في أفكار بن لكنه عجز عن إدراك الصراع الذي بدا صديقه غارقاً فيه، فعزم على انتظار إجابته بصبر.
في هذه اللحظة، كان بن قد فعّل العقل الخفيّ حول أحد عقوله، ليتسنى لذلك العقل التفكير بوضوح في كيفية إعطاء ويل تلميحاً بينما كان العقل الآخر يُعطل في كل مرة. حقيقة فشله أزعجته بعمق. لقد فهم أنه سيُمنع من الحديث عن أمور كهذه حين يغادر الاختبار، لكن أن يُمنع حتى من التفكير بدا انتهاكاً أكبر بكثير للحريات الشخصية، لا سيما وأنه لم يكن يحاول نقل أي شيء يخص الاختبار نفسه، بل المكافأة التي منحته إياها فحسب.
كل ما أحاول إخباره به يُحجب، ماذا يفترض بي أن أفعل إذن؟ حدّث نفسه في زاوية معزولة من عقله. أرفض تقبّل أن يُملي عليّ حاكمٌ ما ما يمكنني تفكيره وما لا أستطيع في رأسي الخاص، عليّ أن أكون غير مباشر ربما؟ أو غامضاً أو عامّاً؟ لابدّ أن هناك خياراً ما. مرّت دقائق إضافية وهما جالسَان في صمت إلى أن عثر بن أخيراً على فكرة واحدة استطاعت العبور. أعد تتبع خطواتي.
<ارتفع مستوى التدنيس>
…عذراً. لا يضرّ ميرِياد ما لا يعلمه. دفع إشعار الارتقاء بمستوىً جانباً حين سمع أفكار وِل بشأن ما تمكّن من إخباره به. لم يكن ذلك كثيراً، لكنّه كافٍ ليثير فضول صديقه إذ اضطرّ للعمل بجهد طوال ذلك الوقت كي يمنحه هذا القدر الضئيل من المعلومات. ترك وِل يتأمّل قليلاً فيما أُخبر به قبل أن يعيده إلى الموضوع الذي أراد مناقشته أصلاً. على أي حال، أكنت تريد إخباري أنك بدأت تواعد ستيف؟
تجمد عقل صديقه برهة بينما عبَرَت رأسه مجموعة من الأفكار، لكنّه استطاع تهدئتها سريعاً. أكنت أعلم حقاً بمجرد أن شرعت في قراءة عقلي؟ لم تكن بسوء ستيف التي أفصحت عن ذلك وأكثر فور أن اتصلت بها. إذن ما القصة، لماذاتكتمان الأمر أنتما الاثنان؟ لم نكن نخفيه تماماً. فكّر وِل وهو يتحرك باستراب. أردت فقط أن أكون أنا من يخبرك ونتحدث في الأمر فحسب. لم يقل بن شيئاً، لكنّه ترك سؤالاً صامتاً يحوم بينهما عبر المشاعر التي كان ينقلها.
انظر، يبدو الحديث في الأمر حرجاً بعض الشيء، لكن لا يوجد سوى نحو عشرين بشرياً في هذا العالم. كنت قلقاً فحسب بشأن شعورك نحو تناقص عدد المتاحين، أتدري؟ حدّق بن في صديقه دقيقة قبل أن يتنهد ويتحدث بصوت مسموع.
"أنت أحمق."
هاه؟ عذراً، زلت بها. لكن اسمع، لا يمكنني حتى أن أبسط لك كم أن هذا لا يهم إطلاقاً. لكننا لسنا الوحيدين الذين ارتبطا أتدري، ألا تقلق ولو قليلاً من أن ينتهي بك المطاف وحيداً؟ استشعر أن قلق وِل نابع من اهتمام حقيقي، لذا بذل قصارى جهده لئلا يتسرب شيء من ضيقه من هذه المحادثة. اسمع، أدرك ما تقصده لكنني لست قلقاً بتاتاً. لست مهتماً بجعل الرومانسية أولوية بينما قد نموت جميعاً خلال عامين، وحتى لو ارتبط كل بشري على الكوكب سواي، فليس لدي شخصياً أي مشكلة في مواعدة من هنّ من غير جنسي.
انتظر، أيعني هذا أنك وتيرا حقاً- ليس بعد. فكّر قاطعاً على صديقه. يعني فقط أن ما يكفي من الأجناس في هذا العالم أشبه بالبشر على أي حال، لذا إن راودتني يومإذ رغبة في المواعدة فلن أترك مع أبقار البحر أو ما شابه. على كل حال، ألهذا السبب لم تخبرني فوراً؟ لا. حسناً، ربما قليلاً. يا وِل، كلاكما صديقاي، أنا سعيد لأجلكما بالطبع. حسناً، سعيد لستيف أكثر. ماذا؟ قرص بن أعلى أنفه. لم تكن هذه المحادثة برمتها شيئاً يتوقع خوضه، وحقيقة أن صديقه ما زال غافلاً عن هذا مع أنهما يواعدان الآن كانت مؤلمة.
يا رجل، كانت معجبة بك منذ أن بدأنا المرحلة الثانوية. أنت غبي فحسب. …ماذا؟ هاه، اسألها عن الأمر لاحقاً. بما أنك معي الآن فيمكنك مساعدتي في التدرب على الاتصال ريثما نغادر.