الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 1099 — منظورات أخرى

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 1099 — منظورات أخرى باللغة العربية على مانجا تايم.

انتفض الشيطانيّ صارخاً من مكانه، وشعر بضربات قلبه العنيفة وجسده المرتجف ريثما سيطر على خوفه، بينما التفت إليه بعض أفراد سرب الخاضعين لأمره، ظانين أنهم عثروا على وهن يرفض أن يتيح لأحد استغلاله. وما إن حامت أعينهم نحوه حتى أباد العشرات، ومزقهم عبر الفضاء نفسه غير آبه بتلك الخسارة مع بقاء المئات بين يديه. فهو لم يستطع إخفاء الأمر على أي حال؛ لقد كان خائفاً، أو راودته على الأقل ذكريات بائسة لتلك الخشية.

وحتى في تلك اللحظة، بدا الأمر حيّاً، إذ مضى سربة لتوفير المزيد من المؤونة له ولما قد يحظون به من فتات بينهم، منطلقين لتنفيذ إرادة ملكهم في القتال والازدياد قوةً بذلك العالم الجديد، لكنهم اصطدموا بمستوى غير متوقع من المقاومة وتهاوت الأعداد التي كابَد طويلاً لجمعها بحدّة، إلى أن أُجبر على معالجة الأمر بنفسه. وانتصر أيضاً، إلى أن جاء شيء آخر وبثَّ ذلك الرعب المروّع في أوصاله حتى إنه عجز عن التحرر منه تماماً بعد زوال سحره، وظلّ قادراً على تذكر ذلك الشعور كأنه نُقش في روحه ليتركه في حالته المخزية تلك.

وقد قتل كل من جمعهم أولاً من بني جنسه ممن شهدوا فراره، ووجد المزيد منذ ذلك الحين، مستخدماً حواسه لتقصّي الجماعات الأصغر وقمعها وإخضاعها لإرادته، مستولياً باستمرار على المزيد وفي الوقت ذاته متجنباً أي شيء يتمتع بقوة تكفي لمقاتلته على الزعامة، غير أن ذلك لم يهدئ من روعه. لم يُساهم إلا في الاستحواذ على عوالم قليلة من قبل، لكنه وجد في ذلك العالم وحوشاً. وحتى لو لم يرَ سوى القليل منها، فإن واحداً استطاع قتل الآلاف من تحته، وآخر تمكّن من ترك ذلك الرعب الغائر فيه، وثالثاً سبقهما تمكّن من طرده والمساعدة في قتل شبيه له كان يضاهيه تقريباً، كانت كلها أموراً تفوق كل ما استعد له، لا سيما على عالم أُرسل إليه مبكراً.

فعلى أي من عوالم قومه الأخرى، كان بوسعه ارتياد أي كوكب بلا خوف، متمتعاً بقوة تجعله لا يُقارن ببقية الحشود، غير أنه اصطدم مراراً وتكراراً بمن كانوا إما أنداداً له أو فاقوه قوة. وحتى مع مدى الدفع الذي دفعته إياه تلك التحديات للنمو بعد وصوله إلى ذلك العالم، فقد شعر بصغر حجمه ذاته الذي عهده قبل بلوغه الذكاء الحقيقي، وأدرك أنه لا يستطيع السماح باستمرار الأمور هكذا.

قال الشيطاني لنفسه: يجب أن أجد ذلك المخلوق مجدداً. ذاك الذي زرع فيَّ هذا الرعب. ولن أنعتق حتى يصرعوا أمامي وأتغذى على دمائهم. لم يكن يعلم مدى قوتهم الحقيقية، بل كل ما دراه أنهم يستخدمون سحرهم المظلم ببراعة خبير، لكن ذلك لم يكن مهمّاً. لم يكن مثل هذا التعقب ذكياً، ولكنه كان ضروريّاً بالنسبة إليه. السبیل الوحيد ليتمكن من المضي قدماً والبقاء على قيد الحياة، ومع ذلك أيقظ الشياطين التي جمعها تحته ليبدأ حملة صيد جديدة.

ربما لم يعلم أين يجد من ترك ذلك الأثر البالغ فيه، لكنه يستطيع البدء على الأقل من حيث التقى به للمرة الأولى، ومن هناك يوسع نطاق بحثه مجدداً. لا بد أنهم موجودون هناك؛ وعليه فقط أن يجدهم.

انحنى قزم رفيع في أعماق الأراضي البرية، وطفقت عيناه تفحصان الآثار على التراب، ليتأكد من أنه لم يضل طريقه قبل أن يتابع مسيره بحثاً عن فريسته. مثل الكثيرين غيره في هذا العالم، كان يصطاد الشياطين، تماماً كما كانت الشياطين تصطادهم بالمقابل، لكنه كان وحيداً بخلاف الجيوش الكثيرة وفرق المغامرين المتناثرة في غابات ذلك العالم الواسعة وغير المأهولة، غير مبال بأي خطر بينما كانت هموم أكبر بكثير تملأ رأسه.

تمتم بغضب: «هموم لا أملك لها حلاً حتى الآن، مهما جمعت منها. أهذا كل ما في الأمر إذن؟ أأنا عالق حقاً، أكتفي بالانتظار ريثما تنتهي الأمور؟ انتظارـ»

انقطع حبل تفكيره على وقع صوت غصن ينكسر، ليُنبئه بأنه قد عُثر عليه في اللحظة ذاتها التي اكتشف فيها أهدافه، وتتلاشى معها كل مظاهر التخفي. في لمح البصر، شعر بخطوات تهرول بقوة على التراب حيث يقف، وإذا كانت ستأتي إليه، فلا طائل إذن من إهدار المزيد من الطاقة. لم يتناول جسده طعاماً في ذلك اليوم، ورغم أن الجوع لم يكن يؤرقه، إلا أنه أدرك أيضاً أن ادخار الطاقة حيثما أمكن كان أفضل، فانتظر بينما تدفق جمع من تلك الوحوش التي تروع العالم عبر الأشجار أمامه، ليطالع تلك المخلوقات بعينين فضوليتين.

لم تكن هناك وحدتان متطابقتان تماماً، فقد تمتع جسدها بدرجة من المرونة لم تثر فضوله سوى في المرة الأولى التي رأى فيها ذلك رأي العين؛ فقد تالفت تلك المجموعة التي مثلت أمامه من أشكال شتى للغاية، فلم يمتلك أي منها نفس العدد أو الترتيب من الأطراف، كما تفاوتت أحجامها، وهو ما أوضح على الأقل أنه لم تكن هناك صلة دم وثيقة بينها على الأرجح. ورغم أن تلك الوحوش قادرة على التغير جذرياً في غضون جيل واحد، لو وُلدت في بيئات متشابهة وبمواد أولية متطابقة، لتوقع المرء وجود بعض أوجه الشبه السطحية على الأقل.

سأل نفسه بينما تلاشت نزعته الفضولية العابرة: «حسناً، وما أداني أنا؟ تحف فنية للمَلِك الذي خلقها، ربما تفرخ جموعاً لا يشبه بعضها بعضاً قط.»

لم يهم الأمر في النهاية. بدت الوحوش، التي انتظرت فقط لترى إن كان سيصيبه الذعر أو سيحاول الفرار، محبطة تقريباً من غياب رد الفعل لديه، فمنحته المجال ليتكلم.

سأل، متمنياً أي نوع من الرد: «لا أظن أن أياً منكم ينتمي إلى الفئة الناطقة، أليس كذلك؟ فالأذكياء منهم أفضل بكثير بالنسبة لي.»

لم يتلق أي إجابة، لكن ذلك لم يعنِ عجزهم جميعاً. لقد تعلم من سائر عمليات صيده أن معظمها قد يكون منكباً على رغباته في الطعام أو الفوضى أكثر من أي ميل للتحدث أو السخرية، وبدا أن ذلك ينطبق عليها جميعاً، إذ حرص كل شيطان بشغف على أن يكون هو من يمزقه إرباً دون البقية، مما دفعهم جميعاً للوثوب، متقاتلين فيما بينهم بنفس القدر الذي قصدوا به مهاجمته وهم يقفزون في الهواء، ليجعلوه يبذل ومضة من الإرادة قبل أن يتنحي جانباً بكل سلاسة، تاركاً أجسامهم الهامدة ترتطم بالأرض.

تنهد محبطاً من صيده: «البلهاء فقط إذن.»

كان بمقدور أي كائن أذكى أن يقاوم حتى ولو قليلاً، ومع ذلك فقد نجح في استخلاص شيء منها حين طالع ما ظل معلقاً في الهواء فوق الجثث، إذ استقرت عيون كل شيطان عليه، مسحورة بألوهيته، قبل أن تندفع إلى الأمام لتختبئ داخل الجسد المؤقت لسيّد الموت يوتو. منذ أن هرب من الجحيم ووجد نفسه حبيساً مجدداً في جسد من فتح بواباتها، بينما قمعت روح القزم الرفيع نالوث تماماً من قبل الكيان المرتبك بلحمه، اضطر للاختباء، نامياً بقوته ببطء وبأفضل ما يمكن مع كل حياة يسلبها.

مثلت كل ميتة جديدة روحاً يتعين تحويلها إلى طيف يبقى في العالم، وصار كل طيف جديد مؤمناً، تماماً كالملايين الذين هربوا من الجحيم معه مع انضمام المزيد كل يوم، أولئك المتناثرون ممن شعروا بجذب نداء سيّد الموت الخفي. ومع ذلك كله، كانت قوته تتنامى. لقد طالع يوتو ذكريات نالوث وأدرك حالة العالم وملوكه، فالبشر هالكون والملوك عاجزة فعلياً. حتى حين هرب من القاع الذي حُبس فيه، ربما امتلك من الإيمان ما يفوق بقية ملوك تلك الأرض، ومستغلاً طبيعته، لم تنفك قوته تنمو.

لم يكن في أوج مجده، حين استحوذ على عالمه القديم لنفسه، لكنه بات أقرب إلى ذلك من أي شيء آخر صادفه، بغض النظر عن جميع المشكلات التي ظلت قائمة. لقد كان حبيساً داخل اللحم الذي يرتديه، وهي لعنة من عالمه الأصلي بقيت بشكل غير متوقع وقيدته بأول جسد أرغم نفسه على دخوله، وإن عجز عن الفرار من ذلك، فسيموت كسائر أهل ذلك العالم. كانت النتائج واضحة، بالنظر إلى أنه على عكس آلاف الملوك التي تشترك في إيمان كوكب واحد، كان الملك الذي تعبده الشياطين على العكس تماماً.

عوالم لا تعد ولا تحصى من المؤمنين يركزون جميعاً على كيان واحد؛ وحقيقة أن ملوك عالمه الحالي المجتمعة قد توحدت جميعها للقتال بدلاً من الفرار لأبعد وأسرع مكان ممكن كانت دليلاً دامغاً على حماقتهم.

أقسم يوتو قائلاً: «وإن لم أستطع الإفلات من هذا الشكل اللعين عاجلاً لا آجلاً، فستكون الموجة الثالثة فرصتي الأخيرة حقاً. حينها قد أستطيع على الأقل محاولة جمع الأرواح التي تُذبح من كل جانب كما فعلت خلال الثانية، لكن هذا دفع للأمور إلى أقصاها. كلا، ما أحتاجه هو شيء آخر. إيمان يكفي لمغادرة هذا العالم أولاً، دون إنفاق الكثير مما أملكه في هذه العملية.»

لقد سار على حبل مشدود ودود منذ أن تحرر، لكنه إن لم يتحرك قريباً، فسيفقد فرصته ويترك ميتاً كبقية من في ذلك العالم. لم يستطيع إرجاء الأمور إلا قليلاً فحسب، ولكن بينما كان يفكر في ذلك، طغت احتياجات جسده، فجلس، غير راغب في إهدار اللحم الذي ظفر به. مستحضراً لهيباً صغيراً بروح نالوث، إذ جعلت الطقوس التي أراها القزم الرفيع منه وعاء قوياً بما يكفي ليستخدمه يوتو، أخذ يمزق أجساد الشياطين بيديه العاريتين قبل طهيها بما يكفي لتجنب المرض، ثم شرع في الأكل، مشبعاً نهمه قبل أن ينبهه حفيف آخر إلى أنه لم يعد وحيداً.

نادى رجل بصوت يعج بالبهجة ولا يبدو عليه التأثر قط بوجبة يوتو بينما تبعه عشرون آخرون: «أهلاً بكم هنا.»

لم يكونوا سوى مجموعة من المغامرين المبعوثين في مهمة ما بدلاً من جيش أي دولة، ولم يترددوا في شق طريقهم بمجرد أن أدركوا أنه إنسان وليس شيطاناً أو أي مسخ آخر من الغابات، ليطلق من بدا وكأنه القائد ضحكة مرحة.

«يبدو أن صيدك قد سار على ما يرام أيها الصديق، ولكن أين احتمال أن تكون قد رأيت مؤشرات على سرب أكبر؟ لقد أُرسِلنا في هذا الاتجاه متوقعين ما يقرب من مائة، لكننا لم نلتقِ بأي حظ حتى الآن.»

مقيماً إياهم للحظة، لم يستغرق يوتو وقتاً طويلاً ليرتسم بابتسامة ودودة خاصة به قبل أن يجيب.

«لم أرى شيئاً، لكني فخور جداً بمهاراتي في اقتفاء الأثر. وبما أنني أنهيت ما جئت من أجله وكنت على وشك بدء رحلة عودتي، فلن مانع في المساعدة بإرشادكم إلى الاتجاه الصحيح أولاً، طالما أن مقتفي الأثر لديكم لا يأخذون العرض بحساسية.»

«في تلك الحالة أرجوك، يسعدنا قبول ذلك. لقد أمضينا يوماً نتجول في هذه الغابات، لكن الوقت لا يزال مبكراً لنستسلم ونقول إنهم ضاعوا منا.»

ضاحكاً، نهض يوتو، مستعيناً بذكريات نالوث كمرجع لكيفية التحلي بأقصى درجات الأدب والود لتجنب الشبهات بينما بدأ البحث الجديد. ففي النهاية، إن وُجد حقاً سرب مريح وقريب إلى هذا الحد، فهو يريد أرواحه لنفسه، وسيسعد بصنع مؤمنين أطفال من أولئك المغامرين أيضاً، متى انتهت حاجته إليهم.