اضطرّ الأب يان إلى وضع قلمه جانباً بعد محاولات فاشلة لإنجاز بعض الأعمال المكتبية في غرفته. وأغمض عينيه محاولاً السيطرة على دوامة الأفكار التي تعصف برأسه. وجد يان نفسه مراراً، خلال الأعوام التي أعقبت رحيل بن، قلقاً على الفتى الذي عهدت به الكنيسة إلى رعايته. قلق أولاً على أحواله ومحاولاته شق طريقه وحده في هذا العالم. ثم قلق على عقله مع استمرار الرسائل الواردة منه في البريد لتزداد جنوناً يوماً بعد يوم.
أمّا الآن وبعد أن التقى بن مجدداً بعد كل هذا الوقت، فلم يعد يملك إلا أن يقلق من هول حقيقة ما عاناه الشاب مقارنة بما كان يخفيه عنه. خسر كلّ شيء حين هبط في ذلك العالم. خسر جميع المستدعين كلّ شيء، ورغم ذلك بذلوا قسارى جهدهم مستخدمين حماس تلك التجربة ليصرفوا أنفسهم عن أهوال موتهم. لكن بن لم ينل حتى ذلك. كان أضعف من أن يحظى بشيء. الوحيد هناك الذي لم يوقظ طاقاته، بل حمل صفات أسوأ ممّا يتوقعه المرء من شخص في متوسط عمره.
ولهذا لم يرده أحد. لم ينل شهرة ولا ثروة تخفف عنه وطأة الصدمة كما حدث مع البقية. بل زاد الأمر يأساً فوق بؤس ذلك الوقت العصيب. دفع هذا بالكنيسة إلى إيوائه مؤقتاً وتعليمه ما تستطيع تعليمه إياه عن العالم محاولة إعداد لمنزله الجديد بأفضل ما يمكن. ورغم كلّ ذلك، تدهورت الأمور بالفتى أكثر بعد مغادرته. ربما كان بن راشداً حينها، لكنه بدا في عيني يان طفلاً صغيراً مرّ بالكثير خلال تلك الأعوام القليلة المليئة بالمخاطر المميتة.
ورغم كلّ ذلك، بدا أن الغلام قد أينع وسط تلك المحن. تجاوز كلّ عقبة وبلاء لتزدهر قوته معها. فمن كان يقلق عليه بات اليوم يُعدّ من أقوى رجال العالم إن لم يكن أقواهم على الإطلاق. ما زال يان يتذكر تفاصيل بطاقة بن بحلوها ومُرّها، وما تركته من أثر بليغ. غيّر الفتى وجه العالم مراراً بآرائه وأفعاله، وسيمسي من أجل ذلك كله مَلِكاً. مَلِكاً لكلّ هذا، تمتم ضاحكاً في سرّه متجاهلاً ما تعنيه بعض ألوهيات بن المستقبلية، ومثنياً على ثقته به حتّى لو صار مَلِكاً للشرّ والدمار والتدنيس لا يُضاهى.
ثم عاد ليغرق مجدداً في دوامة القلق من عواقب تلك القوة. أفشى بن بكلّ شيء عند ظهور الحقيقة، ولم يملك يان إلا أن يدرك كيف اختارت ملوك العالم الردّ على طفل كان يوماً في رعايته. ممّا ألقى عليه نوعاً مختلفاً من الضغط. قسّيس وهب عبادته لكلّ ملوك ذلك العالم، لكنه وجد نفسه للمرة الأولى يتساءل عمّا إذا كان هؤلاء الملوك أهلاً للإيمان حقّاً. كيف يُفترض به أن يُخلص في إيمانه لمن يسعى لقتل أحدهم لمجرد الخوف؟
شخص يبذل وسعه لشق طريقه في أرض غريبة مستخدماً ما امتلكه من نزر يسير في البداية ليبني حياة حقيقية لنفسه، واضعاً نصب عينيه حماية عالم نبذه عملياً والحفاظ عليه؟ سؤال اعتاد الدعاء بشأنه، لكن طبيعة تلك الهموم جعلت الأمر غير ملائم، فتُرك ليواجه اكتشافات ذلك اليوم وحده مشتتاً عن كلّ ما سواه. ولم يُنتشل من أفكاره الدائرة تلك إلا طرقات على بابه.
قال: "ادخل".
لا يزال بحاجة إلى أداء دوره كرئيس لتلك الكنيسة بغضّ النظر عن أزمة إيمانه الحالية. سمح لأحد أتباعه بالدخول فانحنى بانحناءة صغيرة ومحترمة عند عبوره العتبة.
حيّى إيتيش قائلاً: "الأب يان".
وهو أحد القساوسة الكثيرين الذين يتولون رعاية أراضي الكنيسة وتقديم الإرشاد للمحجاج الوافدين وإخلاص العبادة للملوك.
"أعتذر عن مقاطعتك وأنت مشغول هكذا".
"لا بأس. كيف يمكنني مساعدتك يا إيتيش؟"
"آه، الأمر يخصّ ليهي. تبدو أكثر... تشتتاً من المعتاد".
أتخيل ذلك. فقد سمعت ما سمعه هو بالضرورة، وعلمت بما مرّ به بن وما قرر بعض الملوك فعله. لكان الأمر أشدّ إثارة للدهشة لو بقيت هادئة تماماً بعد ذلك، فهي من تحمّلت المسؤولية الكبرى عن إعداده لحياته الجديدة في ذلك العالم، وعجزت عن منع نفسها من مقارنة الغلام بأحفادها رغم الملامح اليافعة التي خصّتها بها فصيلتها.
أوضح قائلاً: "تلقّت بعض الأخبار غير المتوقعة".
ولم يرغب في الإفصاح عن المزيد بينما كان يعالج الأمر بنفسه.
"ربما تركها ذلك مضطربة بعض الشيء. إن بدت شاردة الذهن أكثر من المعتاد، فأرجو أن تطلب من الآخرين معاملتها بلطف في الوقت الحالي ريثما تتجاوز الأمر".
أومأ ورسائل القلق تكسو وجهه: "بالتأكيد. لكن المشكلة أن هذا التشتت جعلها أكثر إهمالاً من المعتاد أيضاً".
فرك يان رأسه. يمكنها أن تقع في الإهمال حتّى في أفضل الأوقات، ولا يريد تخيل ما ستؤول إليه الأمور حين تمتلك سبباً حقيقياً للتشتت. تنهد ثم نهض.
"أنا متفهم. سأذهب لأتحدث معها. أتعلم مكان وجودها حالياً؟"
"رأيتها للمرة الأخيرة في القاعة الكبرى قبل أن أتي إلى هنا لمناقشة الأمر معك".
"حسنًاً إذن. يمكنك العودة إلى مهامك. سأتدبر الأمر من هنا".
لكنه فضّل وقتاً أطول لنفسه لترتيب أفكاره، إلّا أن عمله تطلب منه ذلك، وكان الاعتناء بمن تحته جزءاً منه. سار في ممرات الكنيسة حتّى بلغ الكبرى، فرأى آخرين محيطين بليهي فور وصوله. بدا جلياً أنها تتعرض للتوبيخ، وربما استحقته أيضاً، لكنه كبح ضيقه وشق طريقه نحوهم متحدثاً فور بلوغه.
"ما الذي يحدث هنا تحديداً؟"
تنهدت الكاهنة جوسيلي وبدت على وشك الإصابة بصداع نصفي: "أيها الأب يان، لن تصدق ذلك. بالكاد أصدقه بنفسي. انظر إلى عدد التماثيل التي حطمتها ليهي بسبب إهمالها اليوم. هذا انعدام تامّ لل احترام للمقام السماوي—"
أصغى يان بنصف أذن بينما استرسلت في كلامها، فرأى ليهي تحمرّ خجلاً قبل أن تلقي نظرة على تلك القاعة الفخمة وتدرك فوراً ما جرى. مثل أي كنيسة جماعية أخرى، ضمّت تماثيل لجميع الملوك وتمثيلات للمقام السماوي تُوجّه نحوها العبادة. اختفت الآن ثمانية عشر موضعاً، وغاب الملوك ولم يبقَ سوى قليل من الغبار على الأرض الذي لم يُكنس تماماً ليخبره بما حدث بالضبط.
لقد كانت "تُسقط"
تماثيل الملوك بطريق "الخطأ"
لتتركها محطمة ومزالة عن أعين القساوسة الآخرين والحجاج القلائل الذين ما زالوا يزورون المكان مع اقتراب العالم من نهايته المحتملة، حارمة إياهم فرصة نيل الإيمان من ذلك الموقع الواحد. ولمس ابتسامة خفيفة شفتيه لسبب ما ودون قصد.
قطع يان كلام جوسيلي قائلاً بحزم: "يكفي هذا".
ثم تابع بصوت منخفض: "قد تجهلين الأمر، لكن ليهي تلقّت أخباراً مزعجة في اليومين الماضيين. أعلم أن بضعة تماثيل محطمة ليس بالأمر المثالي، لكن بإمكاننا دائماً إرسال رسالة إلى كنيستهم لطلب المزيد".
أومأت الكاهنة مستعدة لإبداء تعاطف أكبر بكثير حتّى دون معرفة السبب. فما عساه يكون غير ذلك؟ لا بدّ أن شياطين قد ذبحت شخصاً أو أشخاصاً عديدين عزيزين على قلب المرأة. وبالنظر إلى حال العالم، فأي شيء آخر يمكن أن يكون؟
"شكراً لك. وأنت يا ليهي، إن رغبت في متابعة العمل فلن أمنعك، لكن إن كسرت... فلنقل شيئين آخرين، فهذه ستكون علامتك للتوقف والتقاعد لبقية اليوم. أماهو مفهوم؟"
أجابته: "نعم أيها الأب يان، شكراً لك".
وابتسمت له امتناناً لموافقته غير المعلنة على أفعالها. استدار ليعود إلى مكتبه وشعر بخفة أكبر في نفسه، بغضّ النظر عما قد يشعر به الملوك الذين منحهم إيمانه حيال ذلك.