استلقى بن على فراشه منهكاً من أحداث اليوم. كان لقاء أصدقائه بعد طول غياب أمراً رائعاً لكنه حمل طابعاً توتريّاً واضحاً، هذا دون احتساب طلبهم من الأساس. لكن حقاً، أنا ذاهب لصيد الشياطين معهم الآن؟ يبدو هذا متعباً. شعرت شهورُه الأخيرة كسلسلة متواصلة من الخطر وحواف الموت، والآن جاء أصدقاؤه ليطالبوه بمزيد منها، بل وبأسوأ، إذ بدا أنه لا يمتلك خياراً من الأساس. ما إن نطق ويل بالكلمات حتى تولى فالك اتخاذ القرار نيابة عنه وأجبر بن على الأمر برمته.
"الشياطين توفر مواد ممتازة مهما بلغت خطورتها، وقد أخبرتك عندما بدأت أنني أتوقع منك صيد موادك بنفسك. يتطلب هذا دفع نفسك أحياناً إلى أقصى حد."
هكذا خاطبه معلمه بينما كان يجبره على القرار، عقبال عقد صفقة مع ويدرو في الوقت ذاته.
"سأمنحك صفقة جيدة مقابل أي شيء تحتاجه لهذين الاثنين بشرطين. أريد من الفتى العمل على اكتساب بضعة مهارات على أي حال، ويمكن لابنة أخي الاستفادة من بعض الخبرة في صيد الشياطين أيضاً. ما رأيك؟"
وافق الدود الطائر بسهولة مدهشة وبها تمت الصفقة. والآن عليّ العمل على اكتساب هاتين المهارتين أيضاً. بدا الأمر كأنه حدث قبل دهور، لكنه حين كان يصنع رداء مؤقتاً لتيرا سأل فالك قبل رحيله عن مهارات يجدر به محاولة اكتسابها، وبدا أنه على الرغم من التقدم الذي أحرزه منذ ذلك الحين، لا سيما بالنظر إلى ما اكتشفه بشأن اتصاله والتشفير، ركّز معلمه على مهارتين قد تكونان مفيدتين لصناعته، مما يعني أنه بينما تصطاد تيرا وويل وستيف الشياطين، سيتوجه بن إلى الطرف لقتل ما يعادل الجرذان والسناجب في هذا العالم محاولاً اكتساب مهارة استخدام الخنجر ومهارة استخدام المطرقة.
فهم مقصد معلمه على الأقل. مع أن الصناعة وكل المهارات الأخرى المتعلقة بالإنتاج تأتي مصحوبة بإتقان الأدوات كجزء من حزمتها، فهذا لا يعني ألا يحاول زيادة ذلك. تمثلت المشكلة في الكيفية التي سيضطر بها للقيام بالأمر. كانت مهارتا استخدام المطرقة والخنجر مهارتين قتاليتين، مما يعني أنه لا يمكنه اكتسابهما إلا بالقتال بتلك الأسلحة. وبمجرد اكتسابهما يمكنهما الارتقاء بالمستوى عبر الاستخدام المنتظم للسلاح في مهام أخرى، وإن كان ذلك بمعدل أبطأ بكثير، وسيزيد الإتقان المضاف للأسلحة من قدرته على استخدامها كأدوات لأمور أخرى مثل الحدادة وتشكيل الخشب.
كمنت المشكلة الرئيسية في عدم اهتمامه البطلق بعملية اكتسابها. لقد أدرك أنهما ستكونان مفيدتين وأنه من المنطقي الحصول عليهما، لكن طريقته المفضلة للصيد حتى الآن كانت من مسافة بعيدة، ولم يكن يهتم أدنى اهتمام بجوانبهما القتالية إن كان صادقاً مع نفسه. ربما اختلف الأمر لو أتى إلى هذا العالم بنسخ مستيقظة ومباركة من تلك المهارات، لكن الأمر انتهى برغبته في الحصول على القوة دون بذل الجهد.
إن توجب عليه الاختيار بين الخروج والصيد لرفع مستويات تلك المهارات أو الصيد لاختبار بعض الأدوات التي صنعها، لاختار الاختبار في أي يوم من أيام الأسبوع. حسناً، إنه لأجل مساعدتي على تحسين صناعتي إجمالاً، لذا ما إن أحصل على المهارات قبل انقضاء الأسبوع فلن يكون الأمر سيئاً للغاية، فمهارات المستوى صفر ليست صعبة للغاية على الأقل. إن عجز عن نيلها في تلك المدة فسيتوجب عليه محاولة صنع بعض الفخاخ القادرة على أسر بعض المسوخ دون الإجهاز عليها ليتمكن من إنجاز الأمر بنفسه سريعاً.
"بقدر ما هو ممتع انتظارك لتلاحظ أنك لست وحدك، فقد كانت الأمور مزدحمة للغاية منذ إعلاننا الصغير، لذا إن لم تمانع فلنباشر بهذا."
جاء صوت مألوف من جواره، فرأى بن كيليث حين التفت.
"لم أكن متأكداً من حضورك."
"الصفقة صفقة. علاوة على ذلك، هذا هو الجزء السهل."
"صحيح."
وفقاً لما قررتاه عند لقائهما الأول، سيكتفي بن بطرح الأسئلة الآن، ولن يعود الكائن الفضائي إلا في الشهر القادم حاملاً الإجابات له ومستلماً أسئلة جديدة. بدا الأمر طويلاً من بعض النواحي، لكنه خلق أيضاً وقتاً أكثر من كافٍ للتفكير ملياً فيما يريد تعلمه بالضبط، إضافة إلى وقت وافر للرمادي لجمع المعلومات التي يحتاجها دون عرقلة عمله الخاص كثيراً.
"في هذه الحالة، ثمة ثلاثة أمور أود معرفة المزيد عنها. تكنولوجيا الأسلحة الحديثة، وكيفية صنع شيء مثل جهاز لاسلكي، وطريقة عمل المرشات."
لم يتردد الرمادي إزاء الأمرين الأولين، لكن الأخير أثار نظرة منه.
"أحد تلك الأشياء لا يشبه البقية."
"لست معجباً بالاكتفاء بالغسل بدلو من الماء أو الاستحمام في حوض إن كنت محظوظاً."
قال وهو يهز كتفيه.
"إضافة إلى ذلك، الاستحمام يبدو مريحاً فحسب. أعتقد أن بإمكاننا تغيير الطلب إلى شبكات المياه عموماً مع التركيز على المرشات."
"حسناً، لن يمثل ذلك مشكلة، لكن هل لي أن أقدم لك توصية بشأن الأمرين الآخرين؟"
"بالطبع، دعني أسمعها."
"بدلاً من تلقي المعلومات المتوافرة لدينا حول كليهما خلال الشهر القادم، انتظر ريثما تنتهي مختلف الأمم في هذا العالم من إجراء أبحاثها الخاصة وعندها يمكننا تزويدك بها."
فكر بن برهة. بطبيعة الحال، سيكون هذان الموضوعان من أوائل ما ترغب أمم العالم في تعلمه أيضاً. حسب علمه، لا يمكن إنشاء رسائل سريعة بعيدة المدى إلا بواسطة سحرة الفضاء والهواء المهرة بشكل استثنائي، مع وجود عيوب لدى الخيارين تجعلهما غير عمليين إلا للأثرياء والأقوياء. أما بالنسبة للأسلحة، وبناء على ما يعرفه، يمكن لسحر قوي بالقدر الكافي إحداث دمار يضاهي الكثير من الأسلحة الأكثر شيوعاً المتاحة على الأرض، وقد يصل بعضها احترافياً إلى قوة الأسلحة العسكرية، لذا لم يعتبر مبدئياً أنهم يتطلعون للحصول عليها، لكن الأمر بدا منطقياً.
ألا يستفيد الشخص العادي بعد كل شيء من امتلاك شيء سهل الاستخدام بمهارة منخفضة حال وصول القتال إلى أي مناطق سكنية؟ ناهيك عن القنابل النووية أو أياً كانت أسلحة الخيال العلمي الغريبة التي قد يمتلكها هؤلاء الفضائيون تحت تصرفهم، فمن الطبيعي بالطبع أن ترغب حكومات العالم في الوصول إليها.
"حسناً، يبدو ذلك جيداً."
حسم أمره.
"كم من الوقت برأيك سيستغرق استنباط بعض تلك الأشياء؟"
"سيعتمد الأمر على عوامل عدة. نحاول حالياً مقارنة فيزياء هذا الواقع بأي واقع آخر نعلمه، لكن للأسف فإن عوالم كهذه تتميز بقواعد تتيح للكائنات الواعية داخلها امتلاك قدرة هائلة على إعادة تشكيلها كما تشاء تميل إلى الفوضى. وفوق ذلك، لا يمكننا إجراء الاختبارات بأنفسنا، بل نحتاج إلى دفع كل أمة أو مملكة لاتباع توجيهاتنا. قد يستغرق الأمر بضعة أشهر في أفضل الأحوال، وربما أطول."
"حسنٌ آمل أن أمتلك سنوات لذا أظنها ليست المشكلة الكبرى. وإن تحدثنا عن الأمر، أية أخبار عن الغزاة؟"
عند هذا، تغير تعبير وجه الرمادي بطريقة فسّرها بن على أنها استياء.
"لقد تفقدنا العوالم الأصلية لكل ساكن من سكان هذا الكوكب ويكفي القول إن الوضع ليس مثالياً. بصراحة سيتعرض الجميع للخسارة، وإن كان الأرجح ألا تنشروا ذلك على نطاق واسع."
شعر بن بغصة تتكون في جوف معدته.
"إلى هذا الحد؟"
"أياً ما كنت تفكر فيه، فهو أسوأ. لم تستحوذ هذه المخلوقات على مئات العوالم فحسب، بل تمكنت في مئات وآلاف السنين منذ غزو كل منها من ملئها بالكامل. يحاول علماؤنا نمذجة معدل تكاثرها أثناء مراقبتنا لها، لكن إن نجحتم جميعاً في النجاة من الموجات الثلاث الأولى فلا نرى سبباً يجعلها تتوقف. بصراحة إن لم تكن مصرة على فعل الأمور بطريقة تتيح لها الانطلاق والقضاء على سكانها في غضون بضعة ساعات على الأكثر، ولو تمكنتم من تحرير عالم واحد منها فمن المرجح أن تتمكن من ملئه مجدداً في غضون بضعة سنوات فقط."
"يا للروعة."
قال متمنياً لو أنه لم يسأل. لكن ومما يثير الدهشة، بدا أن كيليث يحاول رفع معنوياته.
"نحن نعمل على الأمر."
قال الفضائي بثقة.
"جميع عوالمهم مترتبطة عبر بوابات، وهي نفس النوع الذي تستخدمونه أنتم للتنقل بين البلدان، لكن على نطاق أوسع بكثير. يعمل علماؤنا على إيجاد سبل لتعطيل السفر عبر البوابات لنتمكن من إبقائهم خارج العالم تماماً. إنه الأمل الوحيد الذي يمكننا التفكير فيه حالياً، لكنه شيء يذكر."
قال بن: "ما رأيك في كلّ هذا؟"
حين استيقظ في عالم سيّده بعد مغادرة كويليث بقليل.
قال: "ليس مثالياً لكنّه لا يُمثّل صدمةً أيضاً. اعتقدنا أنّ الغزوات لأغراض استعمارية، ومعدّل تكاثرهم السريع أمرٌ نعرفه على الأقلّ بفضل الشياطين التي وصلت إلى هذا العالم وما زالت موجودةً رغم مطارداتها المستمرة. يكفي أن يسقط بضعٌ منهم عبر الشقوق وقبل أن تنتبه تجد دفعةً جديدةً من الشياطين جاهزةً للانطلاق".
قال: "عظيم، هل هناك أيّ شيء آخر يجب أن أعرفه عنهم قبل أن أُجرَّ لِمواجهتهم غداً؟"
قال: "لا تبدُ متشائماً لهذه الدرجة، يبدو أن أصدقاءك سيتولّون أمر القتال كلّه ولن يكون سيئاً أن ترى ما ينتظرك، حتى لو كان على نطاق ضيّق".
قال: "أجل أجل، أنا متأكد من أن الأمر لن يكون سيئاً للغاية. إنه سريع بعض الشيء، أريد التركيز على تطوير مهاراتي والحصول على مستويات مهنية إن استطعت".
قال: "حسناً، اعمل على اتصالك أكثر، فرفع مستواه يمنحك بعض الخبرة المهنية. صادف أن لديّ مفاجأةً لك هذا الأسبوع ستساعدك، لكنّي أظنّ أنك لن تستمتع بها إلّا حين تعود".
سأل بن مذهولاً تماماً: "مهلاً، ماذا؟"
ثم أردف: "سأتطلع إليها إذن، لكن لمَ؟"
اضطر حتى هو للاعتراف بأنه ليس رسولاً عظيماً. مع كل ما منحه إياه سيّده مسبقاً لم يكن يستطيع طلب المزيد، على الأقلّ ليس من دون بذل بعض الجهد من أجله. شعر ميرايد ببعض السرور حين لمس هذا الإحساس يمرّ في عقل بن، لكنه قدّم شرحاً موجزاً ليوضّح السياق.
"لا داعي للشعور بالامتنان الشديد حيال هذا، فهذا سيساعد رسول سيّد آخر أيضاً، وستستفيد أنت وحدك بالكثير منه أيضاً. سأترك التفاصيل لحين عودتك".
"أم يمكنك إخباري الآن؟"
تخلّص منه السيّدي قائلاً: "المفاجآت قد تكون ممتعةً، والمزيد من الحافز لك لتعود سالماً".