غادرا البوابة الأقرب إلى بلدتهما المقصد، واندفعا في سماء العالم. خفّف هواء السفر من حرارة المكان الواقع أقرب إلى خط استواء الكوكب ممّا اعتادا. حدق الأطفال بذهول وحماس نحو الأسفل. كانت ثيرا تحملهما جميعاً داخل حاجز شفّاف، فسهل عليهم تأمل العالم المنساب تحتهم. استمتعوا بمشاهد الغابات والمستوطنات المختلفة حتى بدا هدفهم في القريب. هبطوا قبيل البرزخ الواصل إلى شبه الجزيرة الحاضنة للبلدة، بينما واصل خامسهم صراعه.
قال بن: "استرخ".
استمر الرجل الآخر في مقاومة قيوده.
"كانت لتكون رحلة ألطف بكثير لو أنك استسلمت فحسب. منحتني كيلي الضريح لأخذك، لقد خسرت منذ البداية".
صاح فرموم، وهو مشارك مُكره في الرحلة حاول الهرب رغم تجاوزهم لكل منطق: "لا، ما زلت أتذكر ما حدث في المرة الأخيرة التي خرجت فيها معكما. كدت أموت في المرة الأخيرة".
"أرجوك، كنت بخير تماماً. قمنا أنا وثيرا بعمل رائع في العناية بك آنذاك، وسنقوم بعمل رائع الآن أيضاً. بل وأفضل، نظراً لأنه لو وجد أدنى احتمال لخطورة هذا، لما اصطحبنا الأطفال. حاول الاسترخاء واعتبرها استراحة قصيرة قبل أن تعود إلى سحق العمل الذي يلقيه الملوك عليك. والآن، أيمكنني فك قيدك أم لا؟"
"— نعم".
"لن تحاول الهرب؟"
تمتم فرموم: "إلى أين أذهب أساساً؟ سيستغرقني الأمر دهراً للوصول إلى بوابة".
لكن الجواب أرضى بن، فحرر الرجل الآخر وتركه يمشي على قدميه بينما تابع الجميع طريقهم نحو وجهة الرحلة. رحلة أدرك بن أنها متساهلة مع نفسه إلى حد ما. لم يكن بحاجة إلى الطيران نحو موطن إنوكس لإعادة بنائه. ربما حدث بن نفسه بأن نظرة على رفاة التالوس الساقط قد تمنحه إلهاماً إضافياً، لكن السبب الحقيقي كان أبسط بكثير. لم يعلم إن كانت الأمور ستنجح، لكن إن نجحت، أراد للتالوس أن يستيقظ بين وجوه مألوفة.
تنهد بن: "وإن ساءت الأمور، يمكنني إخبارهم بما جرى له حقاً".
ربما لم يرد ذلك، لكن إن فشلت الأمور تماماً، فلا أهمية لما أراده حينها. كان ذلك أكبر مخاوفه. امتلك بن روح إنوكس، لكنها روح تحكمت بآلية لا بلحم ودم، ولم تكن لديه طريقة لمعرفة كيف غير ذلك الأمور. حتى إن لم تفكر الأرواح العادية كروحه، عبر العمل كسجل، استطاع تحفيزها بعقله عند الاتصال بها، فما بالك إن لم تعمل روح إنوكس بالطريقة نفسها؟ ماذا لو كانت مجرد مصدر طاقة، وفشل تاريخ الرجل وشخصيته في التسجيل؟
كان فحص أمر كهذا ليصبح بغاية البساطة أيضاً. احتفظ بن بنواة التالوس داخل إحدى خواتمه، لكنه أبى. إن عرف، لربما فقدت المحاولة برمتها معناها قبل أن تبدأ. المحاولة أفضل، والتشبث بالأمل أفضل من الاستسلام مغلوباً قبل البدء حتى. بهذه الأفكار وغيرها في عقله، مشى الجميع نحو البلدة، وتأملوا سكانها. كانت الماليات، السلالات التي خُلق التالوس خصيصاً لحمايتها، يمشين في الشوارع، وتفرّست قلة منهن في الغرباء القادمين طريقهم.
ببلون بشرى يماثل برونز إنوكس رغم كونهن كائنات لحم ودم، بلغن جميعاً قامة بن أو أطول قليلاً، وحملن بنية بشرية مألوفة، بيد أن ذلك كان أقل ما لاحظه تميزاً. حفز العالم بسلالات بدت بشرية في عينيه، وأخرى كثيرة لم تبدُ كذلك. ومع قرب تلك من صنفه، كان الأمر الأبرز متعلقاً ببيولوجيا مختلفة. امتلكت الماليات نسبة جنسية غير متوازنة. ربما بدا الأمر أقل وضوحاً لأي مراقِب عابر، لكن أُخبر بن بالقليل عن السلالة قبل مجيئه، وأبعد من ذلك، بات جلياً تماماً في حضوره الشامل بروحه الممتدة حوله، مع وجود أربع نساء لكل رجل، مما زاد من وضوح قيمة التالوس في عالمهن الأصلي.
وبقدر ما بدا موطنهن الأصلي بالغ الخطورة، أضف إلى ذلك الأثر الواقع على التعداد السكانية إن مُحي تجمع لذكورهن، وكفى ذلك ليدفعه للتساؤل عن سبب عدم تعديل الملوك لتلك السلالة بغية تحقيق انقسام جنسي أكثر توازناً.
فكر بن متعاطفاً مع الصعوبة المفاجئة التي ترافق تعديلات مرغوبة معينة بعدما خاض بنفسه تجارب كهذه: "حسناً، ربما يعود الأمر إلى أساس الجينات التي عملن بها. أو ربما لشيء عملن عليه في الخلفية قبل غزو كوكبهن. ليس صعباً تخيل أنه لم يكن أمراً يولونه أولوية".
دوّن ملاحظة ذهنية ليطلب من ميرياد طرح السؤال على أي ملوك ناجين تمتلكهم تلك الفصيلة، بينما بقي واعياً لما رآه في عقول الجميع التي لمسها أيضاً. خوف وإجهاد بلغا حداً جعله يئن. لا أملك ترف القلق بشأن كيفية اختيار ملوكهم لصنعهم. لم تمر سوى بضعة أعوام منذ رحيل إنوكس، كيف يواجهون طارئاً بالفعل؟
بالطبع، وحسبما تحدث إنوكس، لم يستطيع مد يد العون لطرئهم منذ فترة طويلة، ونظراً لطريقة تغير العالم منذ ذلك الحين، لم يكن غير منطقي ظن ظهور مشكلات أخرى أيضاً، لكن الأمر أبقاه مجهداً أثناء سيرهم في الشوارع، بينما تحدثت ثيرا: "تعرف إلى أين نتجه، أليس كذلك؟"
"أجل، بحوزتي عقل المسؤولة بالفعل؛ يبدو فقط أن ثمة أمراً آخر قد نحتاج للتعامل معه أثناء وجودنا هنا. لن يستغرق طويلاً... حسناً، سينتهي اليوم، سأبني إنوكس غداً، ثم يمكننا العودة إلى الديار، مما يعني ترتيب مكان للإقامة أيضاً".
هتفت ديلار: "عطلة!"، مما جعل بن ممتناً لإخباره فونتيش مسبقاً باحتمالية عدم عودتهم فوراً حين وافق على اصطحاب تلميذه.
أخبر الأطفال وفرموم: "حتى إن لم تملكوا الكثير لتفعلوه، فلا يمكنك أنتم الثلاثة الهرب بمفردكم. هذه ليست ستونوول أو أبراج السحر. إن رأيتم أي شيء ترغبون بتأمله، فعليكم محادثتي أو محادثة ثيرا، أفهمن؟"
"أفهمنا!"
"حسناً، يا بن".
قال فرموم، باعتباره الصوت المعارض الوحيد: "أتعلم أنني بالغ أيضاً، أليس كذلك؟"
أخبره بن، ملاحظاً رغبة المُستدعى الآخر في الجادلة لكنه توقف مع بلوغهما قاعة البلدة الصغيرة في قلب التجمع: "أنت الوحيد المعرض أيضاً للذعر والإغماء. أنت في رعايتي الآن كذلك، لا يمكنني إخبار كيلي ببساطة أنني فقدتك إن حدث شيء".
لم تكن مبنى مبهرًا، ولم تبرز عمارته بشكل خاص ل بن، لكنها أدت الغرض لتؤدي وظيفتها حين أدخل نفسه والآخرين، ليجد سكرتيرة جالسة عند مكتب الاستقبال.
سألت وهي ترمق المجموعة غير المعتادة التي قصدت بلدتها، إذ لم يبدُ أي اثنين من الخمسة من السلالة نفسها، حتى وإن بدا مورا وبن وفرموم متقاربين بعض الشيء: "أيمكنني مساعدتكم؟"
أجاب بن: "يمكنك ذلك. اسمي بن، وقبل سنوات، قصدني التالوس إنوكس طلباً للمساعدة. أنا هنا لمناقشة ما جرى".
جلب استدعاء اسم إنوكس الاستجابة التي ترجاها. أمكنه رؤية مدى حب التالوس بينهم في عقلها وعقول البقية في طريقه هناك، مما دفع السكرتيرة للنهوض، طالبة منهم الانتظار لحظة ريثما تذهب لإيجاد رئيسها.
همست ثيرا بجانبه: "علامة جيدة؟"
قال بن وقد فكك ذكريات العمدة مسبقاً للوصول إلى جوهر شخصيتها: "علامة مقبولة، لكن يبدو أن المحادثة الفعلية لن تسير باليسر ذاته. لكن لا تقلقي، الأمر بيدي".
لم تمر سوى لحظات حتى عادت السكرتيرة وقادتهم إلى المكتب الرئيسي، حيث الباب مفتوح، والعمدة بداخله تنتظر مقيمة بصمت خماسيهم، لتتحدث قبل أن ينال بن فرصته.
سألت مقاطعة للترحيب: "إذن، لما الآن؟ لمَ ليس حين وجدك؟"
هز بن كتفيه: "لأنه طلب مني ألا أفعل. لكنني لم أركن إلى الدعة، وها قد أتيت لأداء مسحة بحث أخيرة قبل محاولة إصلاحه".
سخرت العمدة: "كان إنوكس يحتضر حين غادرنا؛ لا توجد طريقة بقي فيها حياً طوال هذا الوقت".
"أنت على حق".
"إذن ما الذي يستدعي الإصلاح؟"
استأنف بن، مستخرجاً بطاقته ومخفياً كل شيء عدا لقب رسوله، وصناعته، وتأحيده، ومعالجته للمواد، ولزيادة الاطمئنان، مهارته الجديدة من المرتبة الثالثة، صناعة الأرواح، قبل أن يناولها إياها ويراقبها تلقي نظرة ثانية على ما وجدته: "اسمعي، أدرك ظنك بأنني مجرد دجل يحاول استغلالك، لكنني أمتلك الدعم الكافي لإثبات نفسي. لا أحتاج لاستغلالكم. إن رغبت بأي شيء في بلدتك، لاستلَبته وعجزتم جميعاً عن منعي. ما أريده عوضاً عن ذلك هو شرح ما دار بيني وبين إنوكس وما أبحث عنه قبل محاولة إعادة بنائه، وبما أنني هنا وقد ترك انطباعاً طيباً عليّ، فسأساعدكم حتى في مشكلتكم الحالية".
"ممم، أسمعت بالأمر سلفاً إذن؟"
هز بن كتفيه، دون شعور بالحاجة لإعلامها أن الطريقة المحددة كانت قراءة الأفكار: "أنا رسول، ووسائلي معي. تعانون من مشكلات مع الحيوانات؛ يمكنني إصلاحها طالما أنا هنا. لن يستغرق الأمر طويلاً بالتأكيد".
"— حسناً، سأسمعك".
أومأ بن امتناناً، وشرع يشرح موقفه، حتى وإن اختار إبقاء بعض الأجزاء غامضة. ما احتج أحد لمعرفة عدم توقظه حين التقى التالوس، فما ذلك إلا ليجعل الأمور أقل إقناعاً، شارحاً بالمقابل أنه رغم إخفاقه في إنقاذ إنوكس، فقد نجح في الإمساك بروح التالوس لحين بلوغه كفاءة كافية لبناء جسد جديد له.
اعترف بن: "لن أكذب، ما زلت أشك في قدرتي على صنعه شيئاً مكافئاً لما فقد. وثمة مشكلات أخرى أيضاً. رغم تفاؤلي، ونظراً لطبيعته، فلست متأكداً إن كانت روحه قد تصرفت تماماً كروح شخص حي، مما يعني عدم تأكدي من نجاة عقله. قد أبني الجسد لأملأه بقالب فارغ لا معنى له".
"لا بأس بذلك. ماذا تريدون إذن في المقابل منا؟"
لم تكن متأكدة مما تتوقعه، أهو ثراء يفوق قدراتهم، أم لربما ما هو أسوأ؟ رغم عدم بلوغه الحد الأقصى لدرياد التي رأتْها بجانبه، فقد علمت بامتلاك سلالاتها نسبة جنسية غير مألوفة، ولم يخلُ ذلك من أثر على كيفية نظرة السلالات الأخرى في العالم إليهن، لكن بن طرد مخاوفها دون تلفظ بحرف.
خاطبها عاقداً حاجبيه: "كفي عن التفكير بحماقات. أحاول بناء جسد جديد لإنوكس، وقد راجعت جسده الأصلي بأكبر قدر ممكن من التفصيل. إن توفرت، فأود تفقد بقايا التالوس الأخرى أيضاً، تحسباً لنجاة شيء منها لم يصمد مع إنوكس".
أمر كان يفعله تقنياً بالفعل، إذ عثر على مكان حفظها، باحترام في قبر تحت الأرض أسفل كنيسة ملوكهم، لكن حتى وإن تفقدها بكل الحواس المتاحة عبر روحه، فقد أراد إجراء تفتيش نهائي شخصياً لأي فائدة إضافية ضئيلة قد تقدمها، رغم شكه في ضآلتها. استطاع رؤية ما تبقى من هياكلهم التأحيدية، وبعضها محفوظ بشكل مدهش لتحللها قبل إنوكس وعدم استخدامها لذات السبب، واستطاع تقييم تركيباتها بحس المواد خاصته.
كسب بضع شظايا معرفية أخرى، لكنه ظل يرجو المزيد.
حدث نفسه محاولاً الحفاظ على تفاؤله: "رغم ذلك، أحضرت فرموم لهذا الغرض بالذات. تبدو طريقة تخزين النظام للمعلومات شديدة الفوضى، لذا فمن المحتمل تماماً أن أتعلم شيئاً جديداً وذا صلة بجعله يتفقدها على أمل انبثاق شيء مفيد. عليّ فقط التفاؤل والأمل برغبتهم في المتابعة".
طلب أثار حيرة من نوع آخر، متسائلة إن كان قد أتى محاولة استغلال ما عُدّ أغراضاً أسطورية لشعبها قبل أن تترك الشعور يزول. حتى وإن جهلت عمل المهارة، فحقيقة وجود مهارة مسجلة في حالته بكونها من المرتبة الثالثة كفت لجعلها تصدقه حين أخبر بإمكانيته فعل ما أراد ببساطة ودون حديث، وهو شعور تعزز بمستويات المهارات الأخرى التي كشف عنها. إن لم يكن مقاتلاً، فهو قوي، وامتلك مجموعة المهارات ذاتها التي ترجوها طويلاً، منذ سقوط التالوس الأول.
أومأت: "أتفهم. في تلك الحال، اذهب واعمل على مشكلة حيواناتنا كما قلت، وبينما تفعل، سأتحدث إلى الكنيسة لبدء الترتيبات. سأعلمهم بتوقعك".