انتهت حصّة التدريب المصغّرة تلك ولم يُسمح لهما بالانصراف مع البقيّة حتى استجاب لطلب متدربته. أرادت ديلير منه إعادة ما فعله سابقاً أثناء نزال أبيل وفواست. تغلغل في عقول الحاضرين وذكرياتهم ليخلق نسخة ثلاثيّة الأبعاد للنزال تماماً كما دار، لتتمكن من الركض حولها وتأمّلها من زوايا شتّى، بينما أبدت مورا اهتماماً مماثلاً بإعادة بن للأحداث. وعلى الرغم من وجود خطر الإصابة، لم يتعرّض أحد لتهديد حقيقي، وحين أُعيد تقديم المشهد على تلك النحو صار مجرد عرض يستمتع به الجميع.
انتهى الأمر وعادا إلى الديار، ليؤديا ما تبقى لهما من أعمال ذلك اليوم، بينما واصل بن تجاربه المختلفة محاولاً تجاوز طبقته، قبل أن يخلد إلى النوم في النهاية مستلقياً وتيرا بجانبه.
سألت: "أأجرؤ حقاً على سؤالك عن عدد الأشياء الأخرى التي يمكنك صنعها على هذا النحو؟"، وما زالت ذكريات مسوخه تملأ خيالها.
أجابها بن: "أظنّ أن ذلك يعتمد على ما تقصدينه بـ'على هذا النحو'".
تكدست في عقله عصور بأكملها من التطور عبر أنظمة بيئية مختلفة، إلى جانب أشكال الحياة المتنوعة التي تملؤها.
قد تعني عبارة «على هذا النحو»
شيئاً ينتمي إلى السلالة التطوريّة ذاتها، سواء أكان متغيراً بصورة طبيعية أم عدّله بنفسه، أو ربما قصدت هياكل تؤدي أدواراً مشابهة، أو ربما دلت ببساطة على كل ما يقدر على خلقه، ممّا يجعله أعداداً قريبة من اللانهاية. امتلك آلاف الأنظمة البيئية المحاكاة المتميزة التي يستطيع استدعاءها وما تحويه من أشكال حياة لا تعد ولا تحصى، وكان دائم التعديل عليها بحسب ما يراه مناسباً أو فرض ضغوط انتخابية مختلفة لمعرفة النتائج التي ستثمر عنها، ممّا جعل النقاط النهائية الحالية التي وصل إليها لكل شيء تأبى التصنيف، ولم يكن أيّ من ذلك هو الجواب الذي تبحث عنه.
فقالت له: "تعلم ماذا؟ لقد غيرت رأيي، أنا بخير تماماً، لا أريد أن أعرف. بل أخبرني، هل توجد أي طريقة حرفيّة لاستخدام أيّ من هذا الجنون الذي يعجّ به رأسك في الخير؟"
"أوه، أجل، بكثرة، لا تقلقي حيال ذلك. يمكنني تجسيد وبذر بذرة أو اثنين في قلب سرب شياطين إن دعت الحاجة، ولدي بضع أفكار أريد اختبارها في مستقبل افتراضي ما، لكن... حسناً، احتمالات حدوث ذلك ضئيلة للغاية لذا دعونا لا نشغل أنفسنا به. لا داعي لأن نرفع سقف الآمال أكثر من اللازم."
علّقت بينما تقرّبت منه أكثر متجاوزة طبيعة الحديث: "ممم، يا له من غموض مخيف. أشعر أن رؤية تلك الأشياء ستمنحني كوابيس الليلة حقاً. كيف للأطفال أن يتعاملوا مع هذا القدر بمثل هذه السهولة؟"
ضحك قائلاً: "مورا لم تهتم قط بمثل هذه الأمور."
"ممم، أما ديلير فتأخذ عنكِ أكثر مما ينبغي."
"لا يمكنها أن تأخذ عني؛ أنا لست أبها. لومي والدتها أو شجرة."
"كلا، فونتيش عاقلة تماماً وغابتها بريئة. حتى وإن لم تخلقها فأنت معلمها. لا شك أنك تساهم في الطريقة التي تنشأ بها."
نقطة لم يستطع دحضها تماماً، فهناك احتمال بأن بعضاً من صفاته تتسلل إلى الفتاة، لكنه ظل يرى أن الجزء الأكبر يظل بمنأى عن تأثيره. بدت جريئة بما يكفي منذ أول لقاء جمعهما، وهو بالتأكيد لم يضطلع بأي دور في ذلك. بعد أطراف حديث إضافي، أغمضت تيرا عينيها أخيراً متجاهلة مخاوف الكوابيس وسمحت لبن بفعل ذلك الشيء الصغير الذي يعتاد فعله كل ليلة قبل أن يمضي لمضايقة ملكه. رفع يده إلى عنقه ولمس البلورة المعلقة هناك.
ماذا؟ منذ أن نفدت مهامه المجدية، غدت تلك عادة لديه، مجرد تفقد لما إذا كان شيء جديد قد ظهر، وحتى تلك اللحظة، لم يتلق شيئاً غير متوقع. حين نال إيقاظات طبقته الثالثة، أدرك أن مهمة واحدة على الأقل ستنبثق عنها، لكن هذه المرة، أفصح شيء غير متوقع عن نفسه. أبو المسوخ. مهمة لا علاقة واضحة لها بالبركة التي حازها، ولا بأي من مستوياته أو إيقاظاته في ذلك اليوم، لم يكن غبياً لدرجة ألا يساوره الشك فوراً، غير أن جوانب من هذا الاستنتاج ظلت بلا تفسير، ممّا دفعه لعرض الفكرة على الآخرين التماسًا للإجابات.
قال بن فور وصوله، راءً هييلوري متربعة فوق مايرياد: "أوه رائع، اثنان منكم اليوم. لدي خيار مهمة جديد وغريب أريد الحديث عنه و-"
قاطعته مايرياد بيأس: "ويمكن لهذا الانتظار، لأنه بحق الجحيم، بماذا كنت تفكر؟ أظننت حقاً أن أحداً لن يتحقق ممّا دار في اجتماعك مع المتنافسين؟ لمَ بدا لك فكرة سديدة أن تكشف للعالم قدرتك على خلق سرب من الوحوش دون حتى الحاجة لإنفاق مانا الخاص بك؟ والأهم من ذلك، كيف عرفت أنك قادر على فعل ذلك؟ أعلم حقاً أنك لم تفعل شيئاً مشابه قط!"
"أعني، أنا أفعل ذلك في عالمي طوال الوقت. إن أردتم يوماً الرؤية، فأهلاً بكما ل-"
"أتغاضى عن ذلك."
وافقت هييلوري: "قطعاً لا."
"وعرفت أن بإمكاني فعل ذلك لأني أستطيع تجسيد أشياء تحاكي الكائنات الحيّة. مايرياد، لقد رأيت بنفسك نتائج إقدامي على ذلك."
تذمر ملكه قائلاً: "أُف، أظن أنه يمكنني على الأقل عدّ نفسي محظوظاً لأن المخلوقات التي صنعتها بالأسفل كانت أقل لزوجة من تلك التي قررت ملء عالمي بها. لكن هذا لا يغيّر حقيقة أن ما فعلته كان مرعباً. بحق، ما هو النطاق الذي تستطيع إدارة أمر كهذا فيه؟"
هز بن كتفيه: "أعني، الأشياء التي صنعتها هذه المرة لم تستطع التكاثر، لكن ذلك كان خياراً متعمدّاً للغاية. أضف إلى ذلك حقيقة أنه ما من سبب يمنعني من بث الأرواح فيها، وبإمكاني نظرياً تجسيد بذرة تنبت شيئاً شبيهًا بالشجرة التي صنعتها اليوم، سوى أنها ستفرخ كائنات متكاثرة من مئة نوع مختلف. وأنا واثق تماماً من القول إنه إن حانت اللحظة، لاستطعت محو النظام البيئي لهذا الكوكب واستبداله."
أخبرته مايرياد: "... حسناً، أُقرّ بذلك. البنية الأساسية لهذا الكون خاطئة إن استطعت تدمير العالم بمثل هذه السهولة."
"وصف الأمر بالسهولة بينما هذا نتاج دهور من التجريب أمر مسيء في الواقع. فضلاً عن ذلك، فإن هذا النوع من الدراسة يبني في الواقع لما أظن أنك قد تقّدره حتى."
"أشك في ذلك."
أوضح بن: "رغم أنه لن يكون بالطبع مماثلاً لما فقدته، إلا بمقدوري صنع... لنسمها بذور استصلاح، مستندة إلى بيولوجيا عالمك، شريطة أن تعلّمني إياها فحسب. أسقطها على كوكب ميت بظروف ملائمة، ولنحظَ بعالم جديد مستند على الأقل إلى أنظمتك البيولوجية الأصلية. أعلم أنك احتفظت بخلايا من كوكبكَ، لذا لا بد أن هذا يروق لك، أليس كذلك؟"
"..."
"هذا؟"
أخبرته مايرياد بينما كان الملك يوازن بين فكرة تقليص تلك الخطوة لجهد إحياء الحياة في عالمه المفقود وبين الأهوال لا مفر منها التي قد يبتكرها رسوله بتلك المعرفة: "لا تتعجلني، أنا أفكر. إن استكشاف بعمق وعلمتني بيولوجيا عالمي الأصلي، فلن تستخدمها في أي أمر شرير، أليس كذلك؟"
ابتسم بن: "يبدو طلباً فظاً إلى حد ما توجهه لملك الشر والدمار، ألا تظن ذلك؟"
"أنا جاد هنا."
"إذن، إجابة جادة. إن وُجد أي شيء مفيد حقاً فيها، سواء عُثر عليه فيما ستعلمني إياه أو اكتشفته خلال تجاربي الخاصّة، فحينئذ نعم، سأستخدم تلك المعرفة بالطريقة التي أراها مناسبة. بالنظر إلى أن الحياة من عالمك يمكنها تحويل الحديد مباشرة إلى ميثريل ضمن أنظمتها البيولوجية، فلدي حتى قدر لا بأس به من الأمل في وجود شيء ممتع هناك ينتظر الاكتشاف بدوره. ومع قولي هذا، فلن أبذل جهداً استثنائياً لأرتكب أي سوء بما قد أتعلمه."
استسلمت مايرياد، شاعرة بأن الأمر يخالف صواب حكمه تماماً: "... ليكن. أنا أفحص الخلايا التي احتفظت بها الآن، لذا تأملها من خلالي."
ابتسم بن وهو يتطلع في عقل ملكه ويرى الهياكل البيولوجية الكاملة للخلايا التي حافظت مايرياد عليها بعناية فائقة، محتفظة بداخلها منذ ما قبل نهاية عالمه: "سأطبق بضع ضغوط بيولوجية مختلفة لعدة ملايين من السنين وأرى ما يمكنني الخروج به. إن طبعت بنية بذرة استصلاح في عقلك، أتظن أنك ستكون قادراً على استخدامها؟ أعلم أنك مختلف بما يكفي بحيث إن هبطت قرب مؤمن، ستموت سريعاً، لكن إن نزلت للحظة واحدة فقط لتجسيدها-"
قالت مايرياد: "لدي بضع تجسيدات محتملة على هذا الكوكب بحق هذه المرحلة، وإن اقتضى الأمر فسأكتفي باستخدام أحدها"، ومعه تماثيل عديدة تحاكي شكله تماماً، والنموذج الأصلي المفقود لعالم موطنه، والآن نسخة تصميمه المكتمل التي كان بن ما زال يصب فيها الأرواح داخل السوار المعصمي على معصمه.
"قصدت الإساءة تماماً، حتى وإن تمكنت من التكيف معك أو مع أي شخص آخر يؤمن بي، بصراحة أظن أن الأمر سيبدو مقرفاً. أنتم جميعاً شديدو الغرابة."
"مهلاً، ثق بي، لم أكن متطوعاً. ومع ذلك، إن تكيفت معي أنا بالذات بما يكفي واحتاج الأمر النزول إلى هناك، فيمكنني على الأقل تقبل استخدام إحدى نسخه."
"بيولوجيا وطبيعتك في تبدل مستمر. في هذه المرحلة، أشك في أنني ستعلم يوماً كيف أتعامل مع جسد بشري."
قاطعت هييلوري قائلة: "وبينما كل هذا جميل وحسن، تبقى الحقيقة قائمة بأن أفعالك اليوم قد تركت الكثير من الآُلهاة في حالة من الرعب الشجم."
هز كتفيه: "ولا شيء يمكنني فعله حيال ذلك. لقد كان من الجيد الاختبار والتجريب هناك في الحيز المادي؛ والآن أعرف أن الأمر نجاح. لكن مع انتهاء ذلك، الأمر الفعلي الذي أردت الحديث بشأنه. نلت خيار مهمة جديدة. أبو المسوخ."
تمتمت هييلوري: "بطريقة ما هي في الوقت ذاته إحدى مهامك الأكثر والأقل إثارة للدهشة. ما هو الجزء تحديداً منها، بخلاف حس التسمية المرعب، الذي كنت تسعى لمناقشته؟"
"اكتسابها."
"بحق، لا يمكن أن يكون أكثر وضوحاً، وهو مرتبط مباشرة بموضوع النقاش السابق."
"بالتأكيد، نعم، لكن في الوقت ذاته، كان المفترض أن أحصل عليها مبكراً. ظللت اصنع هذه الأشياء وما زلت في عالمي منذ عصور. بلا إهانة، لكنكم والملكة الآخرون تظنون أن ما عرضته بالأسفل كان سيئاً؟ المخلوقات التي صنعتها بالأسفل لم تستطع التكاثر ولم تكن تمتلك أي إمكانات قتالية أساساً لأني لم أكن أحاول قتل أحد. المسوخ التي أستطيع صنعها لو عطفت اهتمامي ستكون في دوري مختلف تماماً."
"حسنً، لأسباب منها، إياك ثم إياك أن تقول ذلك أمام أي شخص آخر. ومن الأفضل ألا تقولها لأي منا مجددًا تحسباً لاختيار أحدهم وقتاً غير مناسب لزيارتنا هنا، وثانياً، قد يبدو ببساطة أن النظام ينظر إلى الأشياء المصنوعة في العالم الفاني على أنها أكثر واقعية. هياكل ذات جوهر حقيقي، وليست مجرد أشياء تُصنع أو تُمحى بنزوة بسيطة."
"أشعر أن قول إن الأشياء بالأسفل أكثر واقعية يرسم صورة مقلقة عنكم يا غايتي."
"بُف، لا داعي للقلق حيال ذلك، فالملوك من القلائل داخل هذا العالم ممن يتمتعون بواقعية جوهرية. لست كائنات تُحى بسهولة بالغة. في النهاية، لا تعِر الأمر جلّ اهتمامك. طبقات الواقع المختلفة تملك خصائص متباينة، وسيكون نطاق خلقك مختلفاً بصورة مرعبة عند استخدامه هناك مقارنة بالصعود إلى هنا، وهذا التفاوت في النطاق كافٍ على الأرجح لاستدراج اعتراف على هيئة مهمة لن تطلبها المحاكاة التي تجريها بالأعلى. إنها باختصار الفارق بين فكرة الشيء وفعله السليم."
استسلم بن قائلاً: "ممم، أظن أنني أدرك ما تقوله. وليس الأمر أنني لا أوافق. بل فقط... حسنً، أفترض أنها ستكون واحدة مثيرة للاهتمام لتناولها."
سألت مايرياد، وقد جعلتها فكرة تولي بن لمهمة تحمل اسماً كهذا تشعر بالغثيان: "أوه، سماوات فارغة، ألك أن تفعل ذلك؟"
"في المرة القادمة التي أتولى فيها مهمة، سأكون في رفقة تيرا ومرتبطاً بالغالبية العظمى من الكوكب لمشاركة الخبرة. وبالنظر إلى مدى روعة الاسم، فهي على الأرجح مهمة من الطبقة الثانية. لدي التزام نوعاً ما بخوضها، فقط ليتسنى لي مساعدة عدد أكبر من الناس."
"لا تحاول أن تبدو نبيلًا بشأن الأمر، أنت تريدها فقط لأنك فضولي!"
هز بن كتفيه غير قادر على دحض ملكه كلياً: "يمكنني امتلاك أكثر من سبب."
فقد أصبحت نتائج خوض المهام باهتة بعض الشيء مؤخراً، مع توفر نتائج استثنائية قليلة حقاً، لكنه لم يستطع إنكار أنه مع كل مهمة مثيرة تلوح في الأفق، لم يسعه سوى التمسك ببعض الأمل في أن ترافقها مهارة مثيرة بالقدر ذاته.