صُممت تلك المعركة لتكون فرصة تدريب أقسى بكثير مما يأمله المرء عادة. شارك فيها هو وثيرا ويزو، لكن التوقعات اختلفت بشأنهما عن البقية. كانوا من أصحاب المرتبة الثالثة. ورغم قدرتهم على كبح قدراتهم في ذلك المستوى قدر الإمكان، منحهم ذلك ميزات واضحة عديدة. كانت خصائصهم أعلى، وكانت هناك جوانب من قوتهم يستحيل عليهم قمعها مهما حاولوا. لم يستطيع بن ببساطة إيقاف طريقة تفكيره.
وبينما توجب عليه مد روحه حوله ليراقب الأطفال، كان أقصى ما يمكنه فعله هو تجاهل أفكار المتنافسين الآخرين. مع ذلك، بدت أدوارهم واضحة. ورغم أن التجربة عدت تدريباً للثلاثة أيضاً بحكم امتلاكهم جميعاً مهارات قابلة للاستيقاظ، إلا أنهم وُجدوا لتشكيل تحدٍ يقاتله الآخرون بالدرجة الأولى. نادى فاست معلناً البدء. تحرك البقية، مما سمح لبن بتأمل المشهد وملاحظة نمط واضح يتبلور فوراً.
تجنبه كل من عرفهم من الحاضرين. بدا الأمر منطقياً بالنسبة لثيرا ويزو؛ إذ ما كان عليهما إهدار أي طاقة في القتال فيما بينهما إن كان دورهما يكمن في عرقلة بقية المتنافسين. لكن أوليل وفاست واثنين أنقذهما من عالم الشياطين تفادوه بالطريقة ذاتها، واتجهوا فوراً في الاتجاه المعاكس. أخبره مايرياد: <من الطبيعي أن يتجنباك>. <امتلكت القدرة على تحريرهما من السجن الذي حبسهما لقرون، أتظن أنهما ينتظران منك أن تصبح أقل هيبة بعد استيقاظك؟> رد بن في أفكاره: كان حرياً بهم استهدافي تحديداً لكوني مهيباً.
هذه فرصة تدريب سمحت لك بإقناعي بخوضها؛ وجدر بي على الأقل التعود على المدى الكامل لقوتي. <أنا متأكد من أن من لديهم تصور أسوأ عما تقوى على فعله سيعيدون اعتيادك بزيادة. وبصدد الحديث-> أجل أجل، سأتولى الأمر. وحتى لو انعدمت رغبة العارفين به في مواجهته، لمع آخرون اهتموا بذلك. بدا أن ثلاثة قد ركّزوا أنظارهم عليه بينما تشاجر البقية مع ثيرا أو يزو أو بعضهم البعض، بينما استوعب بن خصومه المحتملين.
لم يغير كبح رؤيته الروحية شيئاً يُذكر. سبق لبن رؤيتهم جميعا وأدرك طبيعة مهاراتهم. انتمى الأول إلى سلالة زاندال، وبدا ككتلة ملونة من المجسات متمتعة بتعزيز للقوة، ومن المرجح استخدامه لأطرافه العديدة معها لإحداث أثر مدمر. أما الثانية فكانت هاربي استيقظت قتاليتها العزل لتبلغ مهارة سميت فنون المخلب المعزز، ولم تترك مخالبها الحادة واسم المهارة مجالاً كبيراً للخيال حول أسلوب هجومها.
وخصت الأخيرة ابنة فاست، التي دفعت بمهارتها الفريدة لشكل الوحش نحو حافة الاستيقاظ مثل أبيها من قبل، وحملت اسماً لمخلوق لم يتعرف عليه فوراً، وتحرك الجميع للصدام. اندفع الثلاثة نحوه من كل الاتجاهات، واختاروا العمل الجماعي ضد خصم اشتبهوا بقوته سلفاً. انطلقت المجسات نحوه كالسياط بينما امتدت المخالب لتمزق لحمه. نفذت ابنة فاست تحولاً جزئياً لشكلها، وأطلقت نحوه أشواكاً تصلبت من مسافة بعيدة بينما تلقى بن الأمر بهدوء تام، متاملاً رد الفعل الأنسب.
أدرك تميز كل من الثلاثة بمهارة فائقة في قدراتهم الخاصة، لكنهم اختاروا منازلة من يملك أعتى بنية تفكرية على الكوكب. وحتى من دون إبطاء عقده الذهني أكثر، بقي لديه متسع لتأمل طريقته في مقاربة الأمور. لم يوفر الثلاثة تحدياً يكفل إيقاظ مهاراته، لكن ذلك لم يعني وجوب طرحهم أرضاً فوراً. فحتى لو رغب باستيقاظ آخر، لبدا دفع شخص غيره لتحقيقه مجدياً بالقدر ذاته. ولن يفيدهم نموهم تركهم محطمين قبل تمكنهم من رد الفعل، مما حسم قراره.
يبدو أنني صرت شريك تدريب الآن. قصر بن فعله على التلاعب المادي والتجسيد، فأحبط كل هجمة مع وصولها، دون رد الفعل بنفسه بعد، وبدا الأمر متقارباً أكثر مما كان عليه في الواقع. انحرفت المجسات بدروع مجسدة، وغرست المخالب في لوح خشبي شبيه بالخشب جسده، واستقرت الأشواك في جدار ترابي رفعه من الأرض تحته. تفاعل مع كل شيء بسرعة، لكن من دون بلوغ حد يمنعهم من مواصلة القتال، ولا كسر عزيمتهم حين لاحظوا الفارق بينهم، مما سمح لهم بمتابعة اختبار حظهم.
تم حصد كل ضربة وطعنة، سواء عبر التجسيد أو الفعل المادي أو بالتلاعب بالعالم من حوله، وأُوقفت كل شاوكة منطلقة بالطريقة ذاتها، بينما مشى بن على حبل دقيق من إبداء تقارب الأمور بما يكفي ليصدقوا امتلاكهم فرصة. وبأنهم إن ضغطوا بقوة أكبر قليلاً، سيخترقون دفاعه ويهزمونه في النهاية مع طريقة تفاديه وتهربه المبالغ فيها رغم استخدامه لقواه لصد هجماتهم، مما ساعد في ترسيخ تلك الصورة حتى بدأوا يدركون الأمر واحداً تلو الآخر.
بدأ الأمر بنظرة مقتضبة بينهم، بتبادل نظرات تساءل إن كان حرياً بهم اختبار أنفسهم ضد فرائس أخرى. لكن تلك اللحظة من الضعف كفت وحدها ليغير بن دوره ويبدأ أداء دور المفترس. ربما شكل الهروب من خصم أقوى خياراً سليماً في واقع حقيقي، لكنهم خاضوا تدريباً، ولن يدعهم يفرون. تحول بن فوراً إلى الهجوم، مجسداً جدران محيطة بهم تمنع دخول أو خروج أحد، وأطلق صفيراً مرحاً أثناء فعله.
ابتسم قائلاً: "يا للروعة. يبدو أنكم عالقون معي. خيراً تفعلون إن بذلتم قصارى جهدكم إذاً. سنبدأ ببطء وأصعد وتيرة الصعوبة تدريجياً".
حاولت ابنة فاست التساؤل: "ما الذي-"
لكن الكلمات حُمست خارج جوفها حين اصطكت كرة معدنية في بطنها، بينما بدأ سجن بن للتو. بدأ ببساطة معقولة، بست كرات معدنية تحلق في الغرفة، استهدفت كل واحدة منهم بينما حلقت الثلاث الباقيات في أنماط ثابتة، ورغم ذلك أطلقت أهدافُه شتائم على شفاههم جراء فكرة عدِّ ما يفعله بداية بطيئة. تحركت كل كرة لاحقتهم بسرعة تتيح نجاتهم ركضاً فقط، بينما تحركت اللاّحقَة للأنماط بثلاث أضعاف تلك السرعة، مخلفة عقبات خطيرة أجبرتهم على الجري في ذلك الحيز الضيق، مع تزايد أعدادها باطراد.
بعد الدقيقة الأولى التي تركزت على التفادي واستكشاف المكان، صُنعت كرتان إضافيتان، واستمر ذلك النسق حتى ملّ منه، مع خلق عقبة جديدة كل ثلاثين ثانية ومخرج وحيد يتمثل في هزيمته. استنتج الجميع تلك النهاية، فشعر بقليل من الشفق في قلبه عند رؤية عزمهم. بلغ حامل القوة مستوى تشق به ضربة عرضية لمجس صخرة، وتجاوزت صاحبة فنون المخالب الاستخدام المعتاد لجسدها في القتال، وطور المتحول طبيعة الوحش القابل للتحول إليه، لكن أياً منهم لم يبلغ الكفاية.
تحتمت هزيمتهم، ولم يتبقى سوى التساؤل عن مدى استفادتهم من التجربة قبل دحرهم. مع توالي هجماتهم واقترابهم بما يكفي، تفاعل بن ليماتلهم في كل مرة، متجنباً ضربات الاثنين بتفادي بسيط رغم إجهاد جسده، والتقاط الأشواك المسددة نحوه بيديه. دعهم يعتقدون استهلاكه لمعظم مانا في البقية، وأنه بتمكنهم من مباغتته ستلوح فرصة. لا عار في الأمل مهما ضلّ محله، حتى مع تلاشيه البطيء. استمرت ضرباتهم في الإخفاق في الإصابة بينما تزايد عدد المقذوفات المحلقة.
وبينما لهاثهم اشتد لمجرد الهرب، بدا غير متأثر فعلياً، مكتفياً بمراقبة جهودهم بهدوء، ولو دارت أفكار في رأسه.
تململ قائلاً لنفسه: "أستطيع التعامل مع هؤلاء المتنافسين، لكن متنافس الفضاء كاد يقتلني بحق الجحيم. أعرف أن المهارات لا تتساوى، وأدرك تباين نقاط ضعف الناس استناداً لمواضع مواهبهم، لكن كبريائي ما زال يتألم. لو استقر ذلك الشيء الغبي أمامي بدل وجوده في عالم الملك أعلم أين، لقتلتُه".
بقيت تلك الذكرى مزعجة، فدلك رقبته لفترة قصيرة، دون متسع من الوقت للاستغراق فيها. تعثرت ابنة فاست أولاً، لتصيبها إحدى كراته وترميها بما جردها من مرونة تجنب البقية ممن أمطروها بالضربات، وأدى التغير في الإيقاع الناتج عن ذلك إلى سقوط الاثنين الآخرين بدورهما، حتى لو عنى ذلك تقدم هزيمتهم دقيقة أو دقيقتين قبل أوانها. لكن رؤيتهم مطروحين ويتأوهون وضعت علامة واضحة على انتصاره، فحرر إيذاءه لمواجهة ما تبقى على الجانب الآخر.