أنهى بن تسليم رسائله للتو وبدأ بإعداد طعام الإفطار حين استيقظت ثيرا. أمامهما يوم طويل لعطلة نهاية الأسبوع هذه إذ ينويان خوض رحلة صيد متعددة الأيام معاً فحضر وجبة كبيرة تكفيهما لقطع الجزء الأكبر منها. توجها بعد الأكل نحو النقابة للمرة الأولى منذ أسابيع لاستطلاع المهام المتاحة. ما إن فتح بن الباب ودخل حتى تغير الجو فوراً. ضج الجميع بالأحاديث وظهر الحماض في أصواتهم بوضوح لكن المغامرين أخذوا يصمتون الواحد تلو الآخر وارتسمت على وجوه العديد منهم تعابير معقدة.
كيف كان شعورهم في تلك اللحظة؟ صحيح أن الكثيرين أتوا للاعتذار إلى ثيرا بعد حادثة روان إلا أن ذلك لم يمحُ معاملتهم السابقة لها وظن البعض أنها ما زالت مخطئة. تأهب للقوار الشجار فورا وشعر بتوتر ثيرا إلى جانبه متوقعة الأسوأ غير أن التوتر تبدد في ومضة حين ناداهما وجه مألوف أو لنقل غياب الوجه.
صرخ أنك من خلف الطاولة: "يرا، بن، مضى وقت طويل!".
وتساءل: "هل كل شيء على ما يرام؟".
أجابه بن وهو مسرور بارتداد الأنظار المحيطة إلى شؤونها الخاصة: "أهلاً أنك، يسعدني رؤيتك أيضاً".
شرحت ثيرا بخفة محاولة إبعاد التفاصيل الأكثر إثارة: "كان على بن القيام بررحلة لعمله فذهبت لمساعدته. كنا نبحث عن مهمة، لكن هل الأمور بخير هنا؟ بدا الوضع مجنوناً حين دخلنا".
"يا الهول، أما زلتما لم تسمعا بعد؟ أظن أن الخبر انتشر للتو لذا لا بد أن الأمر مفاجئ، لكن يبدو أن إحدى مجموعات الأشخاص المستدعين قبل عام تأتي من عالم يفوق كل ما نتخيله بكثير وقد تواصلوا معنا للمساعدة! يبدو أنهم سيعملون على تعقب موطن الغزاة ومعرفة إن كانت أي من تقنياتهم ستجدي نفعاً هنا!".
حتى من دون وجه استطاع بن استشعار حماس موظفه المفضل في النقابة لكنه حاول تبني ملامح تفاجؤ تتناسب مع هكذا معلومة لو لم يكن متورطاً فيها بشكل مباشر بل ذهب إلى حد تفعيل عقله الخفي علّه يخفي بعض مشاعره الحقيقية.
قال: "ما هذا، هذا لا يصدق".
ولم يشعر بأنه يبدو متفاجئاً بالقدر الكافي بينما غار من حقيقة أن ثيرا تمتلك ميزة تغطية وجهها. ورغم أن الغريب الذي قادهما إلى كارلي وجلوب في الاختبار بدا محاولاً الابتعاد عن ناظريها فما إن أكد بن كل شيء ووافق على مساعدة العالم فضلاً عن نفسه حتى شرح لها ما جرى فرأت صدمتها رأي العين.
لحسن حظه لم يلاحظ أنك أي مشكلة ومضى يقول: "إنه كالمعجزة، أليس كذلك؟ عالم بأسره قوي ومستعد لمساعدتنا بكل ما يستطيع، لدينا حلفاء حقاً لما هو آتي!".
آה، هذا منطقي. حين فكر في الأمر على هذا النحو بدا الأمر وكأن العوالم المنفصلة لم تكن تملك أي اتصال ببعضها قبل الغزوات إلا في حالات نادرة. ربما كانت هذه إحدى المرات القليلة التي لا يواجه فيها عالم التهديد وحده. حتى إن لم بإمكانهم توفير الجنود فإن المعارف المستمدة من الاستطلاع ستكون لا تقدر بثمن ناهيك عن إمكانية التطور التكنولوجي. ربما كان هذا يستحق الانفعال حقاً.
لكن ثيرا بدت منزعجة من الموضوع بأسره نظراً لمعرفتها بكيفية حدوثه وكانت أكثر من سعيدة بإعادتهما إلى المسار الصحيح.
قالت: "هذا مثير حقاً وكل شيء، لكننا كنا نبحث عن مهمة لنقوم بها، فنحن ننوي الذهاب إلى الغابات العميقة لذا لا مانع لدينا من مهمة تستغرق يومين إن احتسبنا وقت السفر".
"هممم، سأرى ما يمكنني فعله، لكن أتمانعان إن اطلعت على بطاقتيكما أولاً؟ لم يقم أي منكما بتحديثها منذ هجوم البلدة. يجب توزيع المكافآت وتحديد الإسهامات".
سلما البطاقتين بطاعة وما إن تفحصتهما حتى تغير سلوكها.
لم يكن بن متأكداً من السبب حتى اقتربت وهمست بصوت خفيض: "لقد اجتاز كلاكما اختباراً؟".
باغته الأمر. لم يكن الأمر سراً كبيراً لكنه لم ينشره نظراً لكونه مزعجاً. لم يكن يتوقع أن حقيقة اجتيازه تظهر للنقابة بالطريقة نفسها التي تظهر بها عمليات القتل والإسهامات.
أجابت ثيرا بهدوء وكأنها توقعت ذلك: "فعلنا ذلك في وطني".
"أرى ذلك، إذن وبناء على هذا إلى جانب إنجازاتكما السابقة في حماية البلدة يسرني إخباركما أن كلاكما قد وصل إلى الرتبة الخامسة".
حتى مع تغطية وجهها استطاع بن تبين مدى سعادة ثيرا الغامرة. حين بدأ بالعمل معها بدا أنها ترغب في نيل الإنجازات لرفع رتبتهما، وها قد حققتا ذلك. أما بن فكان أقل اهتماماً بكثير. حتى وإن تعذر عليهما خوض مهام الرتب الأعلى فبإمكانهما صيد ما يحلو لهما وكل ما يعنيه هذا هو زيادة المسؤوليات عند وقوع طارئ. ومع ذلك إن كان هذا يسعد ثيرا فسيتقبله كأمر جيد، وفي أسوأ الأحوال يمكنه ترك النقابة إن عثرت على فريق حقيقي للعمل معه، وسيكون عليه فقط التأكد من استخلاص كل ما في أرشيفاتهم قبل حدوث ذلك.
سألت صديقته والحماس يملأ صوتها: "في هذه الحالة ألديك أي مهام من الرتبة الخامسة يمكننا القيام بها؟".
"هممم، هناك خيارات عدة، لكن إن كنتما تبحثان عن الذهاب إلى الغابات العميقة فهناك مهمة يجب إنجازها رغم أن مكافأتها أصغر من مهام الرتبة الخامسة النموذجية. نحتاج إلى من يجمع لنا بعض النباتات المحددة. وبما أن الأمر في قسم أكثر خطورة من الغابات فلا يمكننا طلب ذلك من الرتب الأدنى، لكنه سيشكل مساعدة كبيرة للنقابة وسنبذل قصارى جهدنا لنرتب لكما مهام أفضل مستقبلاً نظير هذا المعروف".
نظر بن إلى ثيرا منتظراً ردها. فهو في نهاية المطاف لا يكترث بما سيقومان به ولم يكن الأمر وكأنهما لا يستطيعان قتال أي وحوش يصادفانها في طريقهما.
قالت بثقة نابعة من سعادتها الحالية برفع رتبتها والوعد بمهام أفضل مستقبلاً: "سنفعلها".
وأردفت: "أيمكننا الحصول على وصف للنبات وكم تريدون منها؟".
"امنحاني دقيقتين"، أخبرتهما الموظفة قبل أن تتجه نحو الخلف وتلتقط كتاباً لتفتح صفحاته على صورة تبدو لشجيرة صغيرة.
وأضافت: "هذا هو ما ستبحثان عنه، ما عليكما سوى جمع الأغصان الأصغر منه، لكن خذا منها أكبر قدر مستطاع. يمكنني إعارتكما الكتاب أثناء ذهابكما للمساعدة في العثور عليه، ولكن إن ضاع أو تضرر فستُقتطع رسوم من مكافأتكم أو مكافآتكم المستقبلية إن أخفقتما في المهمة. أهذا مقبول؟".
أجابها بن وهو يلتقط الكتاب: "بالتأكيد".
وسأل: "هل يحتوي هذا على معلومات حول جميع النباتات الطبية في المنطقة؟".
أجابت: "النباتات الطبية والسامة، نعم".
كان الأمر مثالياً وبدأ بن بتقليب الصفحات فوراً ليرى النباتات الأخرى الموجودة في المنطقة. وتذكر كيف لعن نفسه في الاختبار لعدم تخصيص الوقت لإعداد أي جرعات أو أدوية فضلاً عن عدم العمل على كيمياء التحويل بما يتجاوز ما يحتاجه لإعداد الأسلحة. وبما أنه كان خارجاً على أي حال فلا ضير من تخصيص الوقت لجمع أي نباتات مفيدة لنفسه أيضاً، والآن بعد أن حصلا على حقيبتين مكانيتين بفضل هدية بيلينا فسيكون بإمكانهما جني حصاد وفير للغاية.