الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 1026 — منظور ؟؟؟

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 1026 — منظور ؟؟؟ باللغة العربية على مانجا تايم.

في الفراغ، فتح شخص عينيه. وما العدم حوله سوى نقيض لفوضى أفكاره. لم يكن يدري أين هو، ولا ما هو، ولا حتى من هو. وكلما فتّش عقله، جلبت معها شظايا ذكريات تضرب رأسه وتجعله يمسك به، فمنحته رؤيته الأولى لذراعيه وجعلته ينكمش ذعراً. أشياء فظيعة، بدت أطرافه ملتتوية ومشوّهة، بقع من اللحم والقشور والريش والكيتين، ملقاة معاً عشوائياً وممتزجة ببعضها بطريقة غير طبيعية جعلته يودّ الصرخ، وتردّدت كلمة واحدة في أفكاره ورنّت فوق أي شيء آخر.

خيمرة. كلمة بالكاد فهمها، تحمل من السياق ما يكفي لتشعر وكأنها تفي بالغرض. مخلوق مصنوع من أجزاء منفصلة وغير مترابطة، جُمِعت بأهواء صانعه. صنيعة تصميم شخص آخر لا بشراً. أم كلاهما معاً؟ تمكّن من التفكير، مفتقراً إلى الكثير من المعلومات ليتمكن من الجزم بينما كان محبوساً هناك وحدها، لا يملك سوى الوقت لترتيب أمره، والنزر اليسير من الذكريات التي يمسك بها تمرّ أمامه في مخاوفه.

رأت — فبقدر ما بدا لها ذلك النزر القليل من الذكريات أنثوياً بما يكفي لتعتبر نفسها كذلك — ومضات، لا أكثر. وجوه مبتسمة في جانب، هلع وسفك دماء في جانب آخر، مشاهد كانت فيها محاطة ومشاهد كانت فيها وحدها، مع قلة بين ذكرياتها تحمل أفراداً من نفس عرق البقية، بينما لم تكشف ذكريات جسدها الخاص عن الهيئة ذاتها مرتين، راسمة صورة لجنون لم تستطع إنكاره. إذن، إن كنت لا أجار ما أكون...

فهل أستطيع معرفة أين أكون؟ تساءلت بعد ساعات ضاعت في أفكارها، ولم تجد إجابات في داخلها، حتى وإن بدا الخارج غير مرجح لإعطاء أي منها بالمثل. لقد كان فراغاً محضاً من حولها حقاً، بعد كل شيء، عيونها السبع التي تدرك محيطها أخبرتها بذلك، بينما أذناها الأربع لا تلتقطان أي صوت، ومستشعراتها الكهربائية لا تشعر بأي تيار، ومساماتها المفتوحة لا تشعر بأي لمسة بعيدة على قدر ما تستطيع الإدراك.

كانت وحدها، وانتهى الأمر. مع مزيد من الساعات التي أُهدرت في اليأس. ومحبوسة كما كانت، لا شيء يمنحها إجابات، لا شيء يحفزها، ولا حتى ما يكفي من ذكرياتها الخاصة لتتظاهر بأنها مكتملة، فلم تستطع فعل شي حتى أصبح عدم فعل أي شيء أكثر مما تحمل. ومععزلتها كما كانت، ووحيدة كما كانت، لم تشعر حتى بالجوع يأتي ليدفعها، ومع ذلك احتجت إلى شيء أكثر، وبه بدأت تسير. ومع كون الحركة شيئاً محرجاً، وهي حقيقة لم تلاحظها إلا حين بدأت.

كانت أرجلها الخمس خاطئة، وجدتها غير متطابقة بفعل أي شخص متهور صاغها، وكانت الأحجام مختلفة كلها والركب كابوساً، وبعضها يمتلك المزيد وبعضها يمتلك الأقل، وبدا الاتجاه الذي تواججهه عشوائياً أيضاً. فشل جسدي كهذا يعني إما أنها كانت المحاولة الأولى لصانعها وإما أن صانعها كان قاسياً بلا حدود. ومع ذلك، وبقدر ما كان بطيئاً، فقد تحسنت في الأمر نوعاً ما، وبقدر ما بدا بلا جدوى، فقد منحها المشير غاية.

وحتى إن لم يكن لديها مكان تقصده، فإن مجرد فعل الحركة سمح لها بالتفكير، وفي الأيام التي مرت، وضعت لنفسها هدفاً. إن أُتيح لها يوماً التحرر من ذلك السهل اللامتناهي من العدم، أرادت الحصول على إجابات. إجابات عمن تكون، وعما إذا كانت يوماً أي شيء سوى ذلك. تلك الحبيبات من الذكريات في رأسها لا بد أنها جاءت من مكان ما؛ وأرادت أن تعرف. وإجابات عن ذلك الذي خلقها، لاعناً إياها بهيئة كهذه، وعما إذا كان متهوراً أو خبيثاً، وإجابات عن غايتها.

إن صُنعت بأهواء كائن قاسٍ فليكن، كانت تلك إجابة، أما إن كانت بدلاً من ذلك محاولة أولى فاشلة فأرادت معرفة ما كان يفترض لوجودها المشوّه أن يقود إليه، وما قد تكون المحاولات الأكثر نجاحاً تفعله دون أن تُهمل. وحتى إن لم يسفر الأمر عن شيء، فإن مجرد امتلاك هدف جعل التقدم إلى الأمام أسهل، مانحاً إياها غاية في الأيام التالية إلى أن حدث تغيير فجأة في الأفق، دافعاً مسيرها إلى ركض متخبط لبلوغه إلى أن وجدت باباً، وبلا تعليل.

بلا بنيان ملحق به، كان الباب هو كل ما هنالك. خشبياً وجميلاً، لم يكن هناك إنكار أنه صُنع بعناية، ولكن حتى وهي تدور حوله، لم تستطع رؤية أي شيء آخر يستحق التحقيق. لقد كان موجوداً فحسب. رفيقها الوحيد في الفراغ الذي منح الأمل للمزيد على الأقل. إن استطاع هو الوجود واستطاعت هي الوجود، فالأرجح أن المزيد موجود أيضاً، أليس كذلك؟ ولم يكن الأمر كأنها لا تمتلك الوقت للعثور عليه.

فلم تحتاج في كل ترحالها إلى طعام ولا إلى راحة، وهي حقيقة بدت خاطئة لها، ومع ذلك لم تمتلك السياق لتتأكد. ومع ذلك، استطاعت الاستمرار، ومواصلة الهيام في رحلتها حتى تكتشف شيئاً أكثر، وكادت تغادر لتفعل ذلك حرفياً، لولا شدة طفيفة في قلبها أوقفتها. ومع عقل غير موثوق، كان ذلك الباب أول شيء وجدته منذ استيقاظها وتحولها حقاً إلى ذاتها. ألم يكن صائباً على الأقل فتحه؟ ربما بدا الأمر ضئيل الجدوى، ولكن على الأقل يمكنها تفقد داخل إطاره وعلى طول حوافه، فقط للتأكد من عدم وجود أسرار أعمق تنتظر الاكتشاف، تاركة إياها غير مستعدة البتة لرؤية غرفة وراءه.

ماذا؟ كان ذلك خاطئاً. وبقدر ما ربما عرفت القليل، لم تكن الأبواب تؤدي إلى أي شيء هكذا ببساطة. لقد كانت صلات بين الغرف، أو من الخارج والداخل، لا بوابات.... أهكذا؟ وبقدر يقينها من خطئه، لم تستطع إنكار أنها تعرف القلّة بما يكي لتجزم بذلك بأي ثقة. حدس من شخص بلا أي سياق للعالم الذي وجدت نفسها فيه، ولكن مع فتح طريق للمزيد، لم تملك سوى الخطو عبره، آملة أن يمنحها شيئاً إضافياً، ونالته حين انشقت في اللحظة التالية، فخطت إلى داخل الغرفة لكنها أصبحت أيضاً إحدى القاطنات اللاتي تضمهن، مختبرة إياه عبر حواسها الخاصة وأيضاً عبر حواسه.

- - - كان خلدياً متواضعاً يعيش في جحره الدافئ الوادع. سمع أصوات اللهو من مقعده. نهض ليرى ما الأمر. دخلا طفلاه في لحظة ما بينما كان يريح عينيه. كان ضحكهما أجمل ما يستيقظ المرء عليه. صفا صوتاهما وكأنهما تقصدا ذلك. ما إن وقف حتى هرعا نحو أبيه. انتظرا أن يحملهما. فعل بسعادة. غمر الدفء ذراعيه بوجود عائلته. - - -

انتهى المشهد. عادت واحدةً من جديد.

وإن بدا لفظ «هي»

أقل صواباً الآن. عاشت تلك اللحظة القصيرة كخلديّ أيضاً. خبرت دفء أطفالها ومحبتهم. زال كل ذلك الآن. تركتها تسقط على ركبتيها بتخبط وهي تعتمر رأسها مجدداً. ما أنا؟ هي لم تكن الخلديّ. ما كان لها أن تكونه. لكنه بدا حقيقياً للغاية. جزءاً من حياة جزمت أنها لم تعشها قط. عُيشت بأكملها في تلك اللحظة الفريدة. بدا الأمر منحرفاً. كأنها اقتحمت روح أحدهم للتو. ومع ذلك، تجاوز كل ذكرى احتفظت بها في نفسها.

جعلها تتمسك به. التجربة ذاتها التي هزتها عملت نجاةً لها لتعيدها إلى نطاق السيطرة. أياً ما يكن ذلك، فقد صار أمراً آخر يحتاج إلى إجابة. ومع بصيص أمل في مكان العثور عليها. بعد كل شيء، ما زالت في تلك الغرفة. تشاهد ذلك المشهد القصير يعيد نفسه مراراً وتكراراً. ثمة باب مختلف عند الطرف الآخر منه. باب بدا وكأن وجوده حتميّ. جزء من بيئة ذلك الجحر الطبيعية. بدا خشباً أكثر خشونة وأخذ شكلاً مستديراً.

فتحته مرة أخرى. عبرت من خلاله مرة أخرى. وجدت مشهداً مختلفاً خلفه. لتتجسد في اثنين مجدداً. لكنها كانت مستعدة هذه المرة. لم يكن الأمر بلُطْف التجربة الأولى. راقبت نفسها وهي تتحول إلى حيوان أعمى في الصيد. انتهى المشهد قبل أن تغرس أنبيابها في فريستها. بينما كانت تمشي عبر الغابة، ظهر باب غير مفسر مرة أخرى. كان خشباً مختلفاً عن الأول تماماً لكنه لا يقل جمالاً عنه. عبرت من خلاله.

استعداداً لتلقي كل ما سيأتي بينما تبدأ رحلتها الطويلة.

حين تحولت الأيام إلى أسابيع، عاش شظايا حياة. أب يحمل مولوده الجديد، وأم تعلم طفلها ألا يقترب كثيراً من اليابسة لئلا ينقذف جسده عليها، وحشرة تجمع طعامها للشتاء، وغابة وحيدة بأفكارها. رأى مئات الذكريات، بعضها لبشر وبعضها الآخر ليس كذلك، وأصبح كل منها جزءاً منه، إلى أن لم يعد ضمير التأنيث ملائماً له. لقد قرروا في البداية أنهم أنثى لأن الكثير من ذكرياتهم الأصلية كانت كذلك، غير أن أي شيء يتعلق بالجنس لم يعد معقداً بما يكفي ليطابقهم الآن.

لقد كانوا حصيلة تجاربهم، وكانوا خائفين. وفي خضم ذلك كله، متنقلاً من ذكرى إلى ذكرى ومن حياة إلى حياة، تغير شيء ما. شعور عميق في روحه بأن شيئاً ما يبحث عنه. بدأ الأمر بطيئاً في البداية، وهو ما عزاه إلى جنون أو وسواس ناتج عن حشر هذا الكم من الذكريات الغريبة معاً في كائن واحد فريد، لكنه ما لبث أن أصبح لافتاً ولا مفر منه، مما دفعه إلى التحرك أسرع قليلاً، دون أن يطيل المكوث في أي ذكرى أكثر من الوقت اللازم لمعايشتها.

حتى لو كان جنوناً بحتاً، فلم يغير ذلك حقيقة أن الانتظار لن يجلب له سوى التوتر والقلق. علاوة على ذلك، كان بإمكاني أن أقول لنفسه إن التجربة لم تكن سوى ألاعيب تلعبها عقله، وأن الفراغات فيما كان يملأ به رأسه ليست سوى أوساوس، إلى أن بلغ الغرفة الأخيرة. بعد أن عاش التجربة القصيرة لطائر يطلق أجنحته الذهبية في السماء، عثر على الباب التالي وفتحه، عابراً من خلاله إلى الحياة اللاحقة في اللحظة ذاتها التي صدر فيها صوت من خلفه.

الباب الذي سلكه إلى غرفته السابقة كان ينفتح. لم يحظَ بفرصة الالتفات للوراء، لكن الأمر لم يكن مهمهاً؛ فهو لم يكن يرغب في ذلك. ذلك الشعور، وذلك الخوف، كانا محقين طوال الوقت. شيء ما كان يتعقبه، وقد كاد يدركه. كل تلك المرات التي ترك فيها الذكريات تتكشف توقفت عن اكتساب أي أهمية، وللمرة الأولى منذ انقسامه، تجاهل الجزء من نفسه الذي كان يعيش تلك اللحظة من الحياة، وشق طريقه نحو الباب التالي راكضاً نحوه، ليجده مغلقاً للمرة الأولى.

لا! ظل يمحص المحاولة، يجذب المقبض ويلتويه، عاجزاً عن العبور حتى فرغ الجزء من نفسه الذي كان يعيش كسمكة أعماق، ليعود وينضم إليه ويسمح له بالمضي قدماً نحو ما ينتظره، بعد أن تجلت حقيقة وضعه. لم يكن خوض كل حياة أمراً اختيارياً. كان لا بد من معايشة كل شظية من الذكريات قبل أن يتمكن من الانتقال إلى التالية، بيد أن الشيء الذي كان يطارده كان يقترب أكثر فأكثر في تلك الأثناء.

وحين تمكن أخيراً من العبور إلى الغرفة التالية، لم يستطع إلا أن يلتفت للوراء، فرأى كياناً من الأطراف يمد يليه نحوه، وتفرعت لوامسه كالأشجار بينما مدت أيادٍ تخص كل المخلوقات التي كانها وزيادة أخرى لم يسبق له أن عُرف بها نحو، مهددة بدفعه للصراخ قبل أن يغلق الباب. وفي تلك اللحظة من الحياة كان رامحاً يتدرب باجتهاد قبل أن ينتقل إلى التالية بينما اقترب قبض المسخ أكثر.

وفي التي تليها كان لاجئاً، إذ كلفته حرب غير مرئية وطنه وتركته في الشارع قبل أن تضع أوزارها، مما سمح له برعاية جسد الوحش غير الطبيعي ينفتح وهو يحاول الوصول إليه، بينما فتحت آلاف الأففاه فرادى في البدء قبل أن تندمج في فكين أعظم مع انغلاق الباب. وفي التالية، كان وحشاً بنفسه، لا يفكر إلا في العنف والجوع قبل أن يموت على النحو ذاته، إذ دمرت قوة أعظم عقله كلياً حتى لم يبقَ شيء، عائدأ إلى نفسه ليتيح له خوض رعب النظرة المسمرة عليه، مما أوضح جلياً أنه مطارد، وجنون لا مفر منه ولا سبيل لاحتوائه.

وفي الحياة التي تلت، كان طاعناً في السن، بالغ القدم، وبسيطاً في رغبته، إذ كان شغفه بالماء وحده غامراً ومتبايناً مع الخوف اللانهائي الذي ترافق مع معرفة أنه سيقع في الشراك قريباً، وأنه لابد أن تكون هناك غرف أخرى معدودة ليعبرها قبل أن يفقد الأمر معناه، ورغم ذلك واصل الركري، شاعرأ بأن الكريهة تقترب أكثر فأكثر إلى أن عجز عن الفرار نهائياً. وإذ أتم حياة الإسكافي الذي يعكف على صنع حذاء، التفت حوله تلك الأطراف الملوامة المتفرعة والمرعبة وجذبته للداخل دون أمل في النجاة.

وعندئذ فحسب تفطن إلى أنه لم يمتلك فماً منذ البداية، فلم يكن هناك من يكلمه ولا حاجة له بالطعام مما جعل غيابه يمر دون ملاحظة إلى أن شعر بحاجته إلى الصراخ حين قذف به إلى فم الوحش المفتوح، ساقطاً عبره بينما غلفت آلاف الألسنة المختلفة جسده قبل أن يبتلع، ليشعر بالمزيد من الجنون وهو يعبر باباً إضافياً في حلق الكلوق، كاشفاً عن حياة أخيرة وكل الأجوبة التي كان ينشدها.

آه، لم أكن خرافاً قط، فكر بيأس، مدركاً حقيقة نفسه على الأقل. كل ما أكونه ليس سوى مجموعة من الذكريات المجزأة، وليست حتى الخاصة بالجسد الرئيسي. مجرد حياة منسوخة في النهاية.