أهلاً بالملوك، وأخيراً. في الأيام التي تلت حديثهما، ذهبت ثيرا للبحث عن أي أرواح وشعرت بإرهاق يتسلل إليها. عادةً ما كانت تصادف واحداً أو اثنين يومياً أثناء طيرانهما، لكنها لم تتمكن بعد أيام من البحث من العثور على روح هواء إلا عند أطراف الغابة، بعيداً برحمة عن أي شخص قد يضبطها وهي تحدث نفسها.
قالت: "مرحباً بك"، وهي مترددة في كيفية بدء الحديث بعد أن سنحت الفرصة أخيراً.
"أتظنين أن بإمكانك منحني بعضاً من وقتك؟"
سكتت الروح لحظة، ورغم أنها بدت لها ككرة كثيفة من المانا تخلو من أي ملامح مميزة، إلا أنها انطبعت لديها أنها تقيمها.
قالت الروح: "أظن بإمكانني إيقاف رحلتي عبر تيارات الهواء يا ابنة الأرض، فما الذي يمكنني فعله لأجلك؟"
تفاجأت ثيرا على الفور. تتواصل الأرواح عادةً عبر المانا، لكن هذا لم يكن ما يحدث هنا، فالروح التي صادفتها كانت تتحدث بشكل طبيعي يمكن لأي شخص سماعه.
"أهذا... سحر صوت؟"
"حظيت برؤية أحد غير الأرواح يؤديه ووجدته مثيراً للإهتمام. التواصل عبر اهتزازات الهواء، يا له من فكرة مبتكرة؟ بالطبع، إن فضلْتِ فيمكنني التحدث بصورة طبيعية."
"لا، هذا جيد، لقد فوجئت فحسب. كنت أمل أن تتمكني من مساعدتي وتوجيه بعض أرواح الحياة نحوي إن استطعتِ؟"
"إن رأيت أياً منها أينما حملتني الريح فلا مانع لدي، لكن كيف ستعثر عليك إحداهن؟ تبدين افتقرْتِ إلى الحضور كبقية غير الأرواح."
التفتت ثيرا إلى الوراء وأشارت نحو البلدة.
"يمكن العثور علي عادةً في البلدة هناك إن استطعت توجيههن في تلك الوجه."
"تلك البقعة الصغيرة فقط في هذا العالم الواسع؟ يا للختق."
أدركت أن الروح لم تقصد شيئاً سيئاً وحاولت التغاضي عن الموقف، فكلاهما يختبر العالم بطرق مختلفة لدرجة تتطلب العذر في بعض الجوانب، خاصة عندما تكون الروح مخلوقاً يمتطي الهواء ولا يرتبط أبداً بقيد.
"ربما، لكنه الوطن."
"حسناً يا ابنة الأرض، سأنشر الرسالة لمن أراهم. بلغي تحياتي للسيّد العظيم."
قالت قبل أن تشكر الروح وتدعها تمضي في طريقها: "سأعلم أبي بذلك".
كانت أرواح الهواء لطيفة من حيث إنها لا تميل عادةً للثرثرة طويلاً. أما روح الأرض فكانت على العكس تماماً أكثر من قانعة بالبقاء في مكان واحد والثرثرة حتى تملّها، ولربما استغرقت دهوراً لتلبي طلبها. بعد أن انتهت من ذلك شقت طريقها عائدة إلى البلدة وقررت التوقف عند متجر عمها قليلاً ريثما تكون بالخارج. بعد قضائها الأيام القليلة الماضية في البحث عن أي روح ضالة علاوة على مواصلة دراستها وتدريبها السحري في البيت، كانت بحاجة إلى الاستراحة التي يمكن أن توفرها زيارة فالك وبين، حتى وإن كان صديقها مشغولاً بممارسة إحدى مهاراته بتفاني أحادي التفكير.
عندما وصلت، كان فالك جالساً في المقدمة وبدا مرهقاً عاطفياً بينما لم يكن بين في متناول البصر.
سألته بقلق: "كل شيء على ما يرام يا عم؟"
"آه ثيرا، نعم كل شيء على ما يرام، الصبي يقوم ببعض أعمال الرسل في الخلف وبدا الأمر غريباً بعض الشيء على ذوقي."
"ماذا؟"
بدل الإجابة، مدّ فالك يده مشيراً بها إلى غرفة الخلف، ودون حاجة لتشجيع إضافي ذهبت لتلقي نظرة. عندما انعطفت في الزاوية وجدت نفسها عاجزة عن معرفة كيف تفعل حين رجدت ساشيل وراليا وسكو وهم يركعون جميعاً أمام بين، وكأنهم في صلاة، بينما كان بين يهمهم شارداً في الأفق ويؤدي صلاة نصف قلبية بنفسه. تبادلا النظرات لفترة وجيزة قبل أن تقدم اعتذاراً سريعاً وتغادر عائدة لتقضي بعض الوقت مع عمها ريثما ينتهي مما كانوا يفعلونه، أو هكذا حاولت.
نادى عليها: "انتظري ثيرا توفي!"
فلم تستطع سوى التنهد. أظنني لن أتخلى عنه مهما كان هذا الجحيم.
"إذاً ما الذي يجري يا بين، يبدو هذا... مثيراً للاهتمام."
قال بمرح مزيف: "أهوه، مجرد كوني نذلاً"، لكن تعليقه دفع الثلاثة المصلين نحوه لرفع رؤوسهم فجأة وفتح أعينهم على مصراعيها صدمةً.
لقد تجاهل رد الفعل ومضى يقول: "يبدو أن مايرياد قرر الكشف عني كرسول له."
"حسناً، ولكن هل كل هذا إذن...؟"
ساشيل هي من أجابت عن السؤال الذي تركته معلقاً.
قالت وهي تشرق ابتسامة: "لقد منحني مهمة، لذا أردت التأكد من الصلاة قبل أن ننطلق لإنجازها."
"وأنتم تصلون جميعاً لأجل بين لأن...؟"
أخبرتها راليا وبدت صراعاتها واضحة حيال الأمر بأسره: "بما أنني وسكو نساعدها فقد أتينا جميعاً لنصلي في كنيسة... ملكها. عندما اكتشفنا أنها في البلدة لم نكن نتوقع هذا بالضبط، لكن لا ضير أبداً في وجود ملك يبتسم نحونا. بالطبع، التفت التفاصيل دون ذكرها."
أخبرها بين بمدى إعياء تام: "ويبدو أن وجود مؤمن إلى جانب غير مؤمنين يصلون لتمثيل مايرياد وسحابه يعمل كخبرة عمل جيدة. بتمكينهم من فعل هذا لوقت بينما أرتديه، يبدو أن هذا يحتسبني كمن يعمل كرئيس للكنيسة لذا يجب أن أستغل الفرصة ماداموا حولنا ومستعدين."
سألت مخاطبة المجموعة تحديداً للمرة الأولى: "وأنت موافقون على هذا كله؟"
وفي حين رأت تردد الاثنين الآخرين، لم تظهر ساشيل أي تردد.
قالت بفخر وعيناها تلمعان: "بالطبع! أن أكتشف أنني أتلقى التوجيه من رسول سماوي طوال هذا الوقت، فما بضع ساعات من الصلاة إن كان ذلك يعني تقديم الشكر لمايرياد لمنحي فرصة إتمام مهمة؟"
توقفت بينما لفت انتباهها ما قالمته ساشيل: "أظن هذا معقولاً و..."
"انتظري دقيقة، ساعات؟"
قال بين بإرهاق: "ساعتان حتى الآن. ولكن بما أنني أعمل تقنياً ككاهن أكبر لكنيسة مايرياد الأولى، فقد تمكنت من كسب مستويين كاملين للعمل لذا أنا أتعامل مع الأمر، وكلما أسرعت في إنجاز هذه المهمة كان ذلك أفضل."
أخبرته وهي تغادر عائدة للحديث إلى فالك: "حسناً، حظاً موفقاً في ذلك."
كان عمها على حق، فقد كان ذلك الوضع برمته غريباً للغاية، ناهيك عن علاقتها المعقدة بالمجموعة المعنية. بدت ساشيل وراليا مكتفيتين بمحاولة التصرف بعفوية معها، لكن سكو كان مصدر إزعاجها الأكبر على الإطلاق منذ أن واجهت مشاكلها مع روان. ألن يكون رائعاً لو قال شيئاً حيال ذلك، بل وربما اعتذاراً؟ هزت رأسها وحاولت تصفية أفكارها. لا يهم ما يظنه أو يفعله هذا الأحمق الآن على أي حال، لقد تحسن وضعي في البلدة بما يكفي ليبدو الناس راضين عن ترك وشأني، ويمكن لبين دائماً مساندتي إن حدث أي شيء.
يبدو أنه يستطيع على الأقل جعل ساشيل تبقيه تحت السيطرة لأجلي، فمن المخيف نوعاً ما كيف أصبحت متفانية إلى هذا الحد فجأة. وليست عاجزة عن تفهم الأمر قليلاً. كان لقاء أنايليا تجربة مؤثرة للغاية، حتى وإن تخللته بعض الفوضى. في الواقع، لعل المشكلة تكمن أكثر في كون بين غير مبالٍ تماماً بإخالطه شبه اليومية بمثل هذا الكيان، فهي لا تستطيع تخيل العديد من الرسل الآخرين وهم يشيرون عرضاً إلى ملكهم باعتباره نذلاً، بغض النظر عن مدى قرب بعضهم.
ينبغي أن تكون المسافة بين الملك والفاني أوسع من أن تسمح بمثل هذا السلوك لولا أولئك الذين قد يسدون الفجوة. تنهدت وحاولت تجاهل الأمر. لقد اعتادت منذ زمن طويل موقف بين تجاه مايرياد، وربما كان من الجيد لملكه أن يمتلك شخصاً مثل ساشيل لتوازنه.