"ما الذي يحدث هنا بالضبط؟"
سأل بن حين بلغ أطراف حيّ أشباه البشر، ومبنى كنيسة المايريد في يده بعد أن انعطف ليجلبه، ليجد حشداً أكبر بكثير ممّا توقّع قد تجمّع هناك. كانت حوريات الشجر وحوريات البحر هناك بالطبع، بعد أن أقنعت هينث بني قومها بالبقاء رغم بعض المخاوف، ومعهم جميع أشباه البشر لإنجاز المهمّة التي تركهم بن لتنفيذها وهم يختلطون ببعضهم، محاولين جعل حوريات الشجر يشعرن بالراحة والأمان رغم ما حدث، لكنّ ذلك لم يكن الجميع.
لا، وفوق ذلك، كان هناك مغامرون وحرّاس وبعض سكّان البلدة العاديّين للمشاهدة أيضاً، بعضهم بدا مستاءً لكنّ أكثرهم بدا فضوليّاً فقط بينما أجابت سيسلي، مخفضة صوتها لكي يسمعها وحدها.
"قلت إنّك تريد التأكّد من عدم وجود أيّ جدال حول هذا، أليس كذلك؟ أظنّ أنّ أغلب الناس هنا يعرفون الآن ألا يعبثوا معك، لكنّ هذا يمكن أن يكون تذكرة جيّدة لأيّ شخص ذاكرته قصيرة، لذا فقط تأكد من أن يبدو العرض الذي تقدمه هنا رائعاً، حسناً؟"
"ممم، فهمت. لا تقلقي، لقد التزمت بالفعل ببذل أقصى جهدي من أجل هذا."
على الرغم من أنّه كان يحاول تقليل اعتماده على كنيسة المايريد وكلّ القوة التي جعلتها تكتسبها، فحين يتعلّق الأمر بمساعدة من يهمّونه لم يكن ليصبح بهذا الانتقاء، ولم يكن العرض اللائق للقوة مجرد وسيلة لإبقاء الآخرين تحت السيطرة، بل كان يمكن أن يساعد حوريات الشجر أيضاً على الإيمان بأنّهن اتخذن الخيار الصحيح، لذا، ممتلئاً حتى الختام ومشاعره تحترق من حجم المانا الذي أجبر نفسه على استيعابه، أنفق بن تلك القوة أمام أعين الجميع.
تحرّك سور البلدة، منشقّاً عن نفسه بينما انزلق كلا الطرفين إلى مسافات أبعد بينما تشكّلت الأرض نفسها، استوت الأرض وأُعيد بناؤها وتحوّل التراب إلى طرق وارتفعت المنازل من التربة، مع تطبيق التجسيد حيثما دعت الحاجة لتعويض كلّ ما لم يستطع الحصول عليه من البيئة لكنّه ظلّ بسيطاً في ما عدا ذلك. استطاع عقله بسهولة تصميم قرية بحلول تلك اللحظة، وامتلك القوة لأخذ المانا التي سحتاجها لجعلها حقيقة.
وحين اكتمل بناء السور الجديد، انتهى التوسّع، تاركاً الحشد في حالة صدمة وذهول بينما توجّه للحديث عمّن سينتقلون للعيش هناك.
"سيتطلّب الأمر وقتاً أطول قليلاً حتى يكتمل كلّ شيء تماماً. سأحتاج إلى الذهاب إلى كلّ منزل لملئه ببعض الضروريات، لكنّ ذلك لن يستغرق وقتاً طويلاً. ما يهمّ هو أنّه رُتّبت بالاتّجاه نفسه تقريباً الذي كانت عليه في قريتكم، لذا لن تواجهوا أيّ مشكلة في إيجاد مكان للبقاء فيه. في الوقت الحالي، استرخوا قليلاً فحسب، وفي غضون ساعة، سأجعلكم جميعاً جاهزين للانتقال."
وما إن قال ذلك حتى شرع في العمل، منتقلاً من منزل إلى منزل ومجسّداً ما يحتاج إليه لضمان راحتهم، إذ لم يرغب في أن يشعروا بأنّهم اتخذوا الخيار الخاطئ في الانتقال إلى هنا. كانت المنازل التي بناها تفوق بالفعل ما امتلكوه في قريتهم، فكلّ هيكل كان هناك قديم لدرجة أنّه، حتّى مع القليل من أعمال الصيانة التي قام بها لأجلهم في الماضي والعمل الذي بدا أنّ ديلير كانت تقوم به لأجلهم منذ ذلك الحين، ستكون البداية الجديدة متفوّقة تلقائيّاً.
أسرة وأغطية، أطباق وأدوات مائدة، مقاعد، طاولات، وكلّ ما قد يحتاجون إليه، جسّد بن كلّ ذلك، مستخدماً خبرته للتركيز على ضمان راحة من سيستخدمون كلّ ذلك قبل أن ينتهي، ليتركهم يبدأون في الانتقال، بعد أن رأى أنّه بعد كلّ ما مرّوا به، أراد كثيرون منهم الراحة فقط. ومع انتهاء العرض، وبحلول وقت فراغه، تسلّل معظم أهل البلدة الذين أتوا للمشاهدة مبتعدين، تاركين بضعة من أشباه الشياطين للمساعدة في ما لم تختبئ منه حوريات الشجر فوراً بينما حاولن بناء رابطة بينهن كما أراد بن، ولم يبق سوى عدد ضئيل.
كانت ثيرا ومورا تُشغلان فونتيش وديلير على الجانب، لكنّ بن استطاع أن يرى من مكانه التأثير الذي خلّفه ذلك عليهم جميعاً. كانت فونتيش، بعد أن مرّت بذعر الخروج عبر البوابة واكتشافها أنّ ابنتها لم تكن في المكان الذي تُرِكت فيه، تُبقيها قريبة قدر الإمكان دون إرهاق الطفلة. وهو أمر لم تكن لدى مورا أيّ مخاوف بشأنه. وسواء جاء ذلك من رؤية ما حدث لبن وتخيل حدوث الشيء نفسه لديلير أو ما إذا كان مجرد إدراك أن مزيداً من الأشخاص الذين اهتمّ بهم قد واجهوا مثل هذا الخطر الشديد، فقد كان يمسك بذراع ديلير بقوة بذراعه الخاصة ولم يظهر أيّ علامة على إفلاتها، وكانت الفتاة أكثر من راغبة في ذلك.
وديلير، على الأقلّ، كان قد رأى أفكارها وعلم أنّه على سوء الأمور، فإنّ ما أثار جنونها حقّاً كان رؤية بن يفقد صوابه، وكان وجود مورا مصدر راحة وإلهاء. ولم تنجُ ثيرا من الآثار اللاحقة لرؤية ما حدث له هي الأخرى، لكنّها في حالتها استعادت بعض الأمان على الأقلّ من خلال إنقاذه. لم يغيّر ذلك ما حدث، لكنّه جعله قابلاً للتحمّل بدرجة أكبر بالنسبة لها. أجل، هناك الكثير حقّاً للتعامل معه، لذا عليّ الانتهاء هنا والشروع في ذلك.
حوّل انتباهه إلى القلائل معه لإنجاز ذلك؛ سيسلي وهينث وسايتل، وجميعهم في انتظاره بينما كان يرتب آخر الأمور التي سيحتاجون إلى فعلها.
"حسناً، بهذا نكون قد انتهينا غالباً، ولم يتبق سوى أشياء قليلة لتسويتها. أولاً، سايتل، أعلم أن لديك بذوراً من كلّ نوع في المنزل وأعلم أن حوريات الشجر معتادة على الاكتفاء الذاتي إلى حدّ كبير فيما يخصّ الطعام، لذا اجمعِي كلّ ما يمكنهن زراعته للأكل بما أنهن فقدن حقولهن وأعطيه لجدّتك. هينث، أترضين ببعض العمل بينما قريتك ترتاح؟"
"لا يحقّ لك تولّي القيادة إن كنت ستخلد إلى الراحة في وقت كهاذا."
"جيد، في هذه الحالة، بصفتك ساحرة نباتات موقظة، سأثق بك للبدء في العمل على حدائق صغيرة للفواكه والخضروات في منزل كلّ شخص. يمكنهن العمل عليها بأنفسهن بعد ذلك، لكنّ وجود ساحرة نباتات موقظة لبدئهنّ سيجعل الأمور لطيفة وسريعة. ومن هناك، سايتل، أعطيني بطاقتك."
"ممم؟ حسناً،"
وافقت، مادّة إياها بينما لمس بطاقتها ببطاقته عوضاً عن أخذها، لتتسع عيناها بوجازة قبل أن تكبح ردّة فعلها.
"حين تنتهين من مساعدة جدّتك، خذي إحدى بواباتي في المتجر واذهبي إلى الأبراج السحرية لشراء طعام ومكونات إضافية من المدينة ووزّعيها جميعاً حين تعودين. سأعيرك المفاتيح لذا أعيديها لي لاحقاً فحسب، أريد أن تكون حوريات الشجر مزوّدة بالكامل، لكن إن حاولنا فجأة توفير ما يُباع في ستونوول وحدها لمئات إضافية من الناس، فقد نواجه بعض النقص في الإمدادات على المدى القريب ولا أريد لشيء كهذا أن يخلّق أيّ مشاعر سيّئة في البلدة بعد وقت قصير جداً من انتقال الجميع. بخلاف ذلك، إن رأيت أيّ شيء آخر ترين أنهن سيحجتن إليه فلا تتردّدي في شراءه وتقسيم ما تبقى من مال بالتساوي بين الكبار بعد ذلك."
"الآن، مهلاً،"
حاولت هينث إيقافه.
"لقد فعلت الكثير من أجلنا اليوم بالفعل، لا يمكننا ببساطة أخذ مالك فوق كلّ شيء آخر."
"يمكنكم وستفعلون لأنّه، أولاً، أنا غنيّ بما يتجاوز أحلامكم الجامحة، وثانياً، إنّكم تعيشون في بلدة الآن. من قبل، كمجتمع صغير، لم تكن بحاجة كبيرة إلى المال في الواقع، أليس كذلك؟ كنتم تتدبّرون أمركم بالتجارة والمعروف، وفي أقصى الأحوال بالبيع أحياناً لواحد من التجّار المتجولين العابرين. لكنّ ستونوول أكبر من ذلك. في النهاية، ستتمكنون جميعاً من جني المال براحة تامة إذ لن تواجهوا مشكلة في بيع المحاصيل هنا أو في أي مجتمعات محيطة، لكنّ ذلك سيستغرق وقتاً ولا يمكنني ترككم معوزين حتى ذلك الحين. فقط أخبروا الجميع أنّه من سايتل إن كان ذلك سيريّحهم أكثر بشأنه."
"بن، لا أستطيع نسب الفضل إليّ في هذا!"
"بالطبع تستطيعين. أنت مغامرة من الرتبة الثانية، من المعتاد تماماً لأيّ شخص أن يفترض أن لديك المال لمثل هذا النوع من الأمور وهن عائلتك. وإن كان ذلك يجعل عملية التسليم أكثر سلاسة فما عساي أهتم؟"
"على سبيل الفضول، هل تشعر يوماً بأنّ لديك علاقة مشوهة بالمال؟"
سألته سيسلي.
"لا يمكنك حرفياً أن تكون غنيّاً مثلي وما زلت تحتفظ بعلاقة طبيعية مع المال، وبما أنني أملك الكثير منه، فلماذا لا أستخدمه لمساعدة الأشخاص الذين أهتم لأمرهم. ومع قولي هذا، لا ينشر أحد منكم ذلك. لا أريد التعامل مع انتشار الكلام في البلدة حول مدى ثرائي فحسب. ومع قول ذلك، سيسلي، أعطيني بطاقتك لأنّني سأمنحك بعض النقود أيضاً لتوزيعها بين المغامرين والمعالجين وحرّاس البلدة الذين ساعدوا. أخبريهم بأنّها مكافأة من كنيسة جاغال، التي تقدّر العمل الذي بذلوه في سبيل إنقاذ مؤمني ملوكهم."
"متأكّد؟"
"اعتبريها سياسة العصا والجزرة. لقد كنت العصا بالنسبة للبلدة بتهديداتي اللطيفة وعروض القوة التي قدمتها؛ ويمكن أن تكون الجزرة جعل البلدة تؤمن بأنّ كنيسة الشعب الذي آووه تُدرك قيمته حقّاً. في الواقع، على ذكر ذلك—"
استوعب المزيد من الطاقة من معطفه وهو يقول ذلك، مجسّداً كنيستين جديدتين في الأفق، إحداهما لجاغال والأخرى لحوريات البحر أقرب إلى حيث أُعدّت منازلهما، امتلأت كلّ منهما بقطع الفن والأصنام المناسبة للاستمتاع بها، حتّى لو كان يتعيّن الحصول على النصوص المقدسة التي قد ترغب بها تلك المباني من مكان آخر. لقد ترك مساحة إضافية وفيرة في السور الجديد لمهمّة مختلفة سيحتاج إلى العمل عليها لذا لم يؤثر إضافتُه لهيكلين إضافيين كثيراً سوى التأكد من وجود بعض الراحة لسكانهم الجدد، ليتركه يومئ برضا وهو يفعل ذلك.
"حسناً، والآن أصبح لدى الجميع مكان للصلاة. ربما يجدر بي يوماً ما تأسيس كنيسة جماعية حقيقية في البلدة أيضاً. إنّنا نكبر كثيراً، ويمكننا الاستفادة منها ربّما، أليس كذلك؟"
"لا يبدو ذلك مقلقاً على الفور،"
أخبرته سيسلي.
"أنت محقّة تماماً. مع إنجاز كلّ ذلك، أعتقد أنّ لدينا كلّ ما نحتاج إلى العمل عليه لهذا اليوم مخططاً له، لذا سأترك البقية لكم جميعاً. إن انتهى بكم المطاف بحاجة إلى أيّ شيء آخر مني، فسايتل وسيسلي تعرفان أين تجدانني و... ممم، حسناً، مهمّة أخيرة لسايتل. أمسكي توڵثو واطلبي منه ملازمة جدّتك. وما إن تنتهي من بدء حديقة الجميع، يمكنها منحها جولة لائقَة في البلدة نفسها وفي كلّ البوابات التي نملكها في النقابة، ثمّ يمكنهما معاً التخطيط لكيفية جعل بقية أشباه البشر يساعدون حوريات الشجر وحوريات البحر غداً. هينث، إن احتجت إلى أيّ شيء، فيمكن لتوڵثو إرشادك إليّ ويمكنني المساعدة أيضاً."
ولم يكن هناك شيء آخر فوري رغم ذلك ومع وضع الخطط، استطاع بن أخيراً الذهاب إلى حيث أراد حقّاً أن يكون، منضمّاً إلى الأربعة الآخرين وبذل قصارى جهده ليبدو إيجابيّاً واثقاً بينما تقدّم لحمل الأطفال في ذراعيه قبل مخاطبتهم جميعاً.
"حسناً، أعتقد أننا أصبحنا منظمين بالقدر الممكن، لذا فونتيش، لمَ لا تدعينا نأخذك في جولة في أنحاء البلدة الآن ثمّ يمكنك وديلير العودة إلى مكاننا للاسترخاء قليلاً بعد ذلك. ربّما نلعب بعض الألعاب ونستمتع بوجبة. أنتم جيراننا الآن، دعونا نُريكم بعض الضيافة اللائقة."
عنى ذلك أيضاً أنّهما لن تحتاجان إلى فصل مورا وديلير بعدُ بينما يمنحان بعض الإلهام لاثنين ورأى ذلك، سارعت فونتيش إلى الموافقة، مبصرة أنها لا تزال تستطيع الاستفادة من بعض الإلهاء لنفسها وسمحت لنفسهما بالقيادة في جولة، ممّا جعل اليوم وكلّ التغييرات التي جاءت معه أسهل قليلاً في الاحتمال.