الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 1009 — منظور ديلاير

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 1009 — منظور ديلاير باللغة العربية على مانجا تايم.

كان الظلام لا يزال مخيماً عندما نهضت ديلير، فقد اعتادت هذه الساعة المبكرة منذ زمن، وصارت تستقبل نهارها بلهفة متوقعة، متوقعة العودة إلى العمل بعد استراحة بدت أطول من المعتاد. صحيح أن الأمر لم يتعد أياما معدودة بينما كان معلمها منشغلا بمشاريع أخرى، وصحيح أنها لم تعجز تماما عن التدرب وحدها، غير أن جودة الممارسة وحدها لا تعادل جودة العمل في المحل. وحين كانت في القرية، تسنى لها إنجاز عدة مشاريع متباينة والمساعدة في تشييد أشياء للآخرين أو إصلاحها حسب الحاجة، لكن أفضل المواد وأجود المعدات كانت تحتشد في الورشة وحدها، بينما كانت في منزلها تشغلها هموم شتى لا تنقطع.

بين تدريب سحر النباتات والمساعدة في العناية ببستانهم، وبين الإشراف على بعض الأطفال الصغار ريثما ينشغل البالك واليافعون بأعمال أخرى، ضاع جل وقتها المخصص للمران.

قالت لنفسها مواسيةً: "على الأقل يمكنني الاستعانة بمورا حين يكون هنا"، مستمتعة بحقيقة أنه حين يتوقف عملها، فلن تجد يدا إضافية تعينها على الأعباء فحسب، بل إنه يتلقى من دروس بن ما يؤهلهما لإنجاز مشاريع مشتركة متى واتتهما الفرصة.

ربما لم يشاركها ذلك الشغف الحارق، لكنه بدا مستمتعا بعض الشيء في نهاية المطاف، وهذا وحده يكفي ليغدو العمل المشترك متعة يتقاسمانها معا. لقد زادت صحبته متعة حين كانت تتلقى التدريب الحق على يد بن، فهو رفيق يماثلها عمرا ومعرفة، تتبادل معه الأفكار ويعينها في أي مشروع تختاره، واعتصر قلبها عبوس طفيف حين تذكرت أنه لن يكون هناك لكي تجره إلى العمل معها ذلك اليوم كما اعتادت، لكنها سرعان ما طردت ذلك الشعور.

يغادر مورا مع ثيرا مرّة أو مرتين في الأسبوع؛ وتلك هي الحياة. كل ما يعنيه ذلك أنها ستضطرك لاختراع شيء ممتع ليصنعاه معا حين يعود، بينما تكرس هي نفسها لبدء نهارها. كانت والدتها لا تزال نائمة، مما يعني أن ديلير ستتولى أمر إفطارها بنفسها، لكن الحديقة كانت زاخرة بما يكفي من الثمار، وهي سهلة التقطيع لتكون وجبة خفيف، فأضافت إليها صلصة حلوة يحتفظن بها في صندوق التبريد، ولم تكلف الفتاة نفسها إعداد ما هو أعمق بعد أن نسيت أن تسأل والدتها إن كانت بقية المكونات المطلوبة لأمر آخر متوفرة.

على أن بن كان يحمل الطعام معه دائما، وإن احتاجت لاحقا إلى ما هو أسمك فلن تتردد في سؤاله، وراحت تتساءل في سرها عما إذا كان يحتفظ بشيء جديد ومثير مخبأ داخل خواتمه قبل أن تستعد للنهوض والذهاب، ولم توقفها عن الحركة سوى جلبة خارجية مفاجئة. أمر كانت لتتجاهله لولا ذلك. فمنزلهم يقع في مكان معزول نسبيا، وليس غريبا أن يعبر حيوان من هناك، غير أن ذلك الصوت لم يكن عاديا. لم يبدو صوت حيوان واحد؛

بل سمعت وطأة أقدام عديدة متلاحقة، تصاحبها هديرات غليظة ما كانت لتكفي لإيقاظ أي شخص آخر. كانت منخفضة ومكتومة، وبقدر ما تعلم، فإن معظم درياد نيسقظن مع شروق الشمس. والسبب الوحيد لعدم قيامها بذلك هو اللحاق بعملها في موعده، مما تركها وحدها لتختلس النظر من النافذة علها تتبين ما يجري، وعمدت إلى تغطية فمها براحتها لئلا يفلت منها أي صوت جراء ما رأت. حراشف حمراء داكنة وأعيُن بنفسجية، ولم يكن كلاهما ليتبين لولا ومضات قليلة أبقتها القرية مشتعلة ليلا تحسبا لحاجة أحدهم للتنقل في الهزيع الأخير وسط تلك الأراضي المعتمة، ورغم أنها لم ترهن من قبل، إلا أن ديلير عرفت هويتهن تماما.

شياطين. الوحوش ذاتها التي تعيث قتلا في أرجاء العالم، وقد رأت خمسة منها على الأقل داخل القرية، فيما تيقنت من وجود غيرها منتشرا في محيطها، مما بث فيها ذعرا لم تستطع كبح جماحه وهي تتخبط باحثة عما تفعله. أمي. أول خاطر لمع في رأسها. كانت والدتها إحدى المستيقظات في قريتهم، وهي ميزة حظين بالكثير منها رغم افتقرانهن لتنوع المهارات. كانت أمها قوية، وازدادت قوة بفضل تعديل روحها كما حدث للكثيرين في شتى أنحاء الكوكب.

ستستطيع فعل شيء ما، ومع تشكل هذه الفكرة في عقلها، تحركت ديلير في هدوء تام نحو غرفتها، متجنبة إثارة أي صوت قد يسمعه الخارج، وأخذت تهز أمها لتوقظها حين وجدتها.

سألت فونتيش وهي تفرك النعاس عن عينيها: "ممم، ديلير؟ ما الأمر؟"

"هناك شياطين في الخارج."

جاءت العبارة مهموسة، لكنها كانت كفيلة بإيقاظها تماما، فهبت فونتيش فزعة لوعيها بهول المعنى، دون حاجة لسؤال آخر. إن قالت ابنتها إنهم هنا فلا مجال للشك، ولم يبق سوى تقرير الخطوة التالية.

"اذهبي واستدعي سايكل وراليا وأخبريهما بما قلته لي، ثم ابقي في ذلك الجانب من البوابة حتى أجيء وأخذك. سنتولى نحن الأمر."

لم تضيّق فونتيش وقتا في النهوض، بل كادت تدفع ابنتها لتمر بينما تسللت هي نفسها عبر النافذة لتستجلي الأمر، ولم تعد ديلير ترى ما تفعله أمها بعد ذلك. كانت على حق؛ فسايكل كانت أقوى من أي شخص آخر في القرية، وخلافا لبقية الدرياد، فقد اعتادت القتال. بل إنها خاضت معارك طوال الموجتين الأوليين، وألفَت قتل الشياطين، ودون إبطاء، اندفعت ديلير عبر منزل ابنة عمها نحو غرفتها، لتجدها هي وراليا تهمان بالنهوض لتوّهما، وبدت على محياهما نظرة ذهول وهي تقتحم المكان.

هتفت بذهول: "هاه، ديلير؟ ما-"

صرخت: "الشياطين تهاجم القرية!"

وقد تبدد ذلك الخوف من جذب أي انتباه إليهم بعد عبور البوابة، ليحل محله خوف أعظم على سلامة أي شخص في منزلها، وكان ذلك يكفي لجلاء خطورة الموقف وهما تتحركان.

"ابقيا هنا"، هذا كل ما قيل وهما تركضان، دون أن تكلفا أنفسهما عناء تغيير ثيابهما، واكتفت سايكل بالتقاط عصاها المعلقة على الجدار، فحياة أسرتها المحك وعجلة الأمر أهم لديها من أي درع واق، فجرتا خارج الغرفة وعبر البوابة الفاصلة، تاركتين ديلير وحدها مع أفكارها وذعرها.

حتى وإن لم تتعامل مع الزبائن، فقد سمعت ما يكفي من أحاديث عابرة وهي تسقط ذهابا وإيابا إلى المحل كل يوم. الشياطين تبيد القرى. حقيقة لم توقع أبدا أن تنطبق عليها. بالطبع، كانت تعلم أن الحرب إن لم تسر وفق هواهم فستؤول الأمور إلى أسوأ النهايات، لكن قبل ذلك؟ كانت الحياة تمضي ببساطة، وأولئك النفر من الشياطين المنفردة التي اقتربت من منزلها كانت سحرة النبات الأقوياء القاطنون هناك يصرعونهم بكل سهولة.

أما قطيع منها فكان أمرا آخر تماما، حجما لا تعرف إن كان بمقدورهن مجابهته. كم يمكن لمثل هذه المجموعة الكبيرة أن تبلغ من القوة؟ والأهم من ذلك، ما مدى قوة عائلتها؟ ومع هذا العدد الهفوف من سحرة النبات المستيقظين وخضوع جميع الكبار لتعديل أرواحهم، ألعلها تبالغ في مخاوفها بلا داع؟ ربما سيجري كل شيء على ما يرام في النهاية؛ فما تملكه قريتهم من قوة يكفيهم للإجهاز على مجموعة كهذه سريعا.

أرادت أن تحافظ على تفاؤلها على الأقل وهي جالسة هناك، حين سمعت سايكل تطلق نداء بصوت عال كفى ليتسرب عبر البوابة معلنة وصول الشياطين، وسمعت تفاعل الناس، وأصوات العدو والصراخ والاشتباك، ولم يهدأ شيء من ذلك حين عبرت العائلة الأولى، ولم تكن سالمة. جروح عميقة تقطع ظهر أحد البالغين وكسر في ذراع الآخر وهما يحميان أطفالهما أثناء فرارهما، وقد سرق منظر إصابتيهما كل انتباهها، فسمرت عيناها على الجروح دون أن يلاحظ الاثنان وجودها هناك، إذ غرقا تماما في التأكد من سلامة صغارهما غير مكترثين بها وهي منكمشة في زاوية، بينما انضمت إليهما مجموعة أخرى مسرعة بعد أن شق الجيران الأقربون طريقهم عبر البوابة، وإن لم يكونوا هم أيضا بمنجاة من الأذى.

كان واضحا أن الهلع يعتري الجميع. لقد كانت مرعوبة، لكنها حاولت كبح جماح خوفها رغم شراسة ما تمرد منه في صدرها. سيأتي العون؛ عليها فقط أن تكون شجاعة بقدر ما تستطيع حتى ذلك الحين، هي- أسيأتي العون حقا؟ صفعها الخاطر كالصخرة. لم يكن أحد في قريتها محاربا. وربما تدرب البعض منهن على تعاويذ صالحة للاستخدام في الهجوم عند الضرورة، لكن الفرص لاستخدامها كانت نادرة للغاية، وفي موقف كهذا، استبعدت أن يفكر أحد بوضوح.

هي نفسها لم تكن تفكر بوضوح، ومع ذلك دار السؤال في خلدها. أضغط أحد على جرس الإنذار الذي تركه لهم بن حين فروا هاربين؟ كان ينبغي أن يكون ذلك أول ما تفعله بعد إخبار أمها، لكنها لم تفعل ولم تكن متأكدة إن كان شخص آخر قد أوتي صفاء الذهن ليفعله بدوره. كانت كل من سايكل وراليا مقاتلتين، لكن هل خطر ببالهما القيام بمثل هذا الأمر؟ لقد صُنع خصيصا ليجلب لهن النجدة عند التعرض للخطر، لكن دون التيقن من تفعيله، كيف لها أن تطمئن لوصوله؟

وجب عليها أن تعرف، وبعد خلسات نظرات نحوها حين انتبه لها القادمون الجدد لكنهم تركوها لشأنها ليروا أنها سليمة وليركزوا على الجرحى عوضا عنها، أتيحت لها السانحة لتتسلل عائدة، وتقتحم منزلها والفوضى المحتدمة خارجه. بلغها صوت القتال عبر المدخل، وكان لجيجا وعنيفا، يطالبها بأن تنظر غير أنها تراجعت جانبا، لتتأكد مخاوفها للتو. دون تفعيل، ضغطت بقوة على الزر المتروك في منزلها، محررة السحر الزمني الكامن فيه لتطلق تلك الأرواح لا الحصر لتصرخ مستنجدة بملك بن، آملة أن يجتذب ذلك النداء انتباه الملك، مما سمح لفضولها ورعبها بأن يدفعاها أخيرا لإخراج رأسها ورؤية القرية المترامية خلف عتبتها، وترقب ما خلّفته الفوضى من دمار.

تضاعفت تلك الشياطين الخمسة التي رأت أولا بسرعة لتجاوز الاثنتي عشرة في مدى رؤيتها، بينما أخبرتها أصوات الصياح القادمة من البعيد بوجود المزيد. كانت كل من سايكل وراليا تجوبان محيط منزلها قتلا لما تطالناه تاركتين الجثث تفرش الأرض، بينما راح نفر آخر من المستيقظين المقيمين هناك يقاتلون بدورهم، وقد بدت عليهم آثار الإنهاك واضحة. تتراكم الجثث، لكن أعدادهم لم تبد متناقصة البتة، مستنزفة طاقة الجميع مع تتابع الهجمات وتفاقم الإصابات، غير أن ثمة غيابا كان أشد وطأة.

استطاعت أن ترى عائلتها وجيرانها، أشخاصا نشأت بينهم طوال سني عمرها، وهم يحاولون شق طريقهم نحو أمان منزلها، لكن مجموعة واحدة كانت غائبة. فالصفارات، بكل ما تملكه من قوة، لم تكن قد شقت طريقها إلى هناك بعد. أمر ما كان ينبغي له أن يحدث. باستثناء أم كالي وكاهنتهما الكبرى، علمت ديلير أثناء محاولتها مساعدة الفتاة في الاندماج أن الحراس الثلاثة الذين جلبوهما معهما كانوا مقاتلين ذوي رتب عالية، أحدهم يمتلك مهارة قتالية من الفئة الثانية ليحمي الاثنتين في عهدتهما، وكانوا جميعا محاربين محنكين.

كان يجب أن يكونوا بين أوائل الواصلين، شاقين طريقهم وسط الجميع لإيصال كالي وميريان إلى بر الأمان قبل العودة لحماية بقية القرية، فلم لم يكونوا هناك إذن؟ مزيد من الهلع فوق كل ما مضى مما زاد من صعوبة تفكير الفتاة الصغيرة بوضوح. لا بد أن ذلك يعني وقوعهن في خطر. كالي في خطر، وقد طلب منها معلمها خصيصا المساهمة في رعايتها. لم تستطع تركهن لمصيرهن، ومع ازدحام رأسها بكل ذلك توقفت عن التفكير واندفعت عارية، غير ملاحظة من أحد وسط غمار القتال الملتهب مدفوعة برغبتها الملحة في بلوغهن، فعبرت القرية ذاتها، متجنبة كل من يحاول إيقافها والشياطين كذلك لتصل إلى حيث تقيم أولئك الستة، وهناك أسمرها ما رأت في مكانها وجمدها.

كان سرب يتجمع حول تلك المنازل، شياطين أكثر مما شاهدت في بقية القرية بينما كان اثنان من الحراس يقاتلان لصدّهم، صانعين حاجزا من جثث الشياطين بينهما وبين المنزل الذي يتولان حمايته، رغم عدم كفاية ذلك في النهاية. تبين لها من مكان وقوفها أن الإصابات بدأت تخترق دفاعاتهم، فقد حبا الحظ الشياطين بأعداد تفوق أي مستوى مهارة، ولم يترك ذلك للمحاربين سوى قدر يسير مما يستطيعان احتماله ما لم ينته ذلك الحشد، وما وراء ذلك كان شيئاً آخر.

جذب خفي، دفعها للمشي باتجاه الخطر دون أن تعي أن قدميها تتحركان. حقاً، لم تدرك أن خطباً ما قد وقع إلا حين كانت على الأرض بالفعل، وشيطان يبعد عن وجهها بضع بوصات بعد أن طرحها أرضاً، وينفث أنفاسه الحارة في وجهها وفكاه مفتوحتان ومستعدتان للنهש، ولم تُنقذ إلا حين انبعثت النباتات فجأة من حولهما، فاخترقت أغصان قوية الوحش وأغرقتها دماؤه قبل أن يُقذف بجثته جانباً.

"جدتي!"

هتفت هينثاث وهي تنتشل ديلير بلهفة تفوق احتمال الهدوء: "ما الذي تفعلينه هنا أيها الفتاة الحمقاء!"

مما جعل درياد الصغرى تدرك أنها بلغت حافة السرب تماماً، وتلاشت غشاوتها السابقة رغم أنها شعرت بها تحاول العودة.

"كان يجب أن تكوني- لا، ليس لدينا وقت، ابقي بجانبي فحسب."

بزغت شجرة من تحت قدميهما بينما أحاطتها هينثاث بذراعيها بإحكام، فحملتهما الاثنتان فوق السرب إلى حيث كانت الصفارات تقاتلن، مدافعات عن المنزل من ورائهن، ومما ترك الدرياد الكبرى لتفعل ما تستطيعه، فنثرت بذوراً من جيبها وانحنت لتضع كفها على الأرض أدناها، حاشية إياها بطاقتها ليخرج جدار من الأشجار من تحت لمستها، محيطاً بالمنزل ليحيل دون تسلل أي شيء من خلاله، مما سمح لمقاتلتي الصفارات بالتركيز على إبادة أي قادم من الأعلى، مؤمنتين موقعهما في مقابل احتجازهما بالداخل، ليتركن في انتظار ما قد يظفرن به من إنقاذ وسط ذلك الخراب.