لم يكن ثمة سوى إنذار واحد يمكن لملكه أن يعنيه، ذلك الذي أُعطي للذرايات بعد انتقال الحوريات، تحسّباً لأي طارئ قد يداهمهن، ومع ذلك لم يكن مستعداً لرؤيته مُستخدماً حقاً. كان للاحتياط فقط، ولا يفترض بالأسفل أن يُضغط أبداً، وشعر بفوضى تعتلج عقله وهو يحاول تدبّر أمره. انطلق بسرعة تكفي لبلوغ منزل ساشيل في ثوانٍ معدودات، لكنه حرص طوال طريقه على الاتصال ببقية القلائل اليقظين رغم تبكير الصباح، صارخاً في عقولهم ليقصدوا نقابة المغامرين ويحشدوا أكبر عدد ممكن لمعالجة مشكلة بات يتوسّمها، مطالباً ملكه بالإجابات في الوقت ذاته.
<إنه هجوم شياطين>، هكذا أكد ميرياد مخاوف بين الأشدّ. <وهجوم ضخم أيضاً، لا أعلم يقيناً كم يبلغ عددهم، لكن حين طُلبتُ، تمكنتُ من رؤية مئات عدة في المرج.> مئات... حسناً، لا، هذا مقدور عليه. أستطيع التعامل مع هذا، أومأ بين برأسه، مجبراً نفسه على الهدوء. لقد بلغتُ مبلغاً مرعباً من القوة؛ مئات الشياطين لا شيء مقارنة بما أستطيع فعله، مما يعني أن أولويتي الوحيدة هي الوصول إلى هناك بأسرع ما يمكن.
كان يشعر بالهواء وما يحمله الغبار من غرازات تؤذي لحمه بسبب سرعته، لكنه تجاهل الأمر. لم تكن لديه سوى أولوية واحدة، وهي الوصول إلى منزل ساشيل، وانتزاع بابه من مفصلاته في عجلة من أمره حين يبلغ هناك، مفزعاً من بالداخل بفزع ما زال طازجاً، حتى وإن كنَّ في أمان نسبي. استطاع بين تمييزهن جميعاً، فعشرين ذراية قد وصلن وهناك أخريات عبرن لتوّهن فور وصوله، وبناءً على ما يراه، كان وجودهن هنا منطقياً.
لا بد أن بين قد أُسترعي فور إدراكهن تعرضهن للهجوم، ومع فرق التوقيت بين الأرضين، لابد أن الظلام كان لا يسيطر على قريتهن حين غُزيت. أولئك اللواتي عَبرن أولاً كنَّ الساكنات بالقرب من فونتيش، وبدا عليهن آثار الهجوم، جروح لا يمكن أن تكون إلا من مخالب وإصابات أخرى تنطق بسحر، لكن أياً ممَّن عَبرن لم تكن إصابتها مهددة للحياة فوراً. على هذا الجانب على الأقل. ميرياد، اجعل أنايليا تُرسل سونيا في هذا الاتجاه وتُعيد ثيرا.
ينبغي ألا تكون بعيدة، وأريد توفير معالجين أقوياء لمن أرسلهم عبر البوابة. ومتى انتهيت، نادِ أنصاف البشر مباشرة ليحاولوا المساعدة أيضاً. كان يصارع ليكون عقلانياً، لكنه ولج عقول الذرايات ليرى ما ينتظره، فوجد الفوضى قد حطّت بهن مع أولى الصرخة التي أيقظت أخريات بالقدر الكافي لإطلاق إنذار صحيح، وأرتْه ذكرياتهن شيئاً آخر. مكان المفقودة منهن. كلا البوابة وحفظ الإنذار كانتا في منزل فونتيش، وسواء رضي أم لا، كان سبب غيابها مفهوماً.
كانت ساحرة نباتات متيقظة، وقوة مقاتلة ضارية لقريهتا، تستطيع حماية قومها أثناء فرارهم فضلاً عن صد الوحوش المندفعة صوبهم. كلا، الغياب غير المبرر كان لابنة أختها، تلميذة بين العزيزة، التي لم يُعثر لها على أثر بينهن لأن ذكريات الأخريات أظهرت أنها تسللت عائدة وسط الفوضى. أيتها الفتاة الغبية، شتم في سرّه، شاعراً بالخوف يغمره مجدداً. ما الذي قد يدفعكِ لفعل حماقة كهذه؟
وبصفته معلماً لها، كان أمامه حديث طويل سيجريه معها متى وجدها، لكن ذلك لن يكون إلا بعد أن يصبح الجميع في أمان، إذ ركّز بين بدلاً من ذلك على ما ينبغي فعله آنذاك، صارخاً بالأوامر لمن حولهن: "الخمس الأقوى منكن، ابقين هنا للتأكد من عدم عبور ما لا يجب عبوره عبر البوابة قبل وصول المزيد من المساعدة، بينما تتجه البقية إلى الشوارع. لا يمكننا السماح لهذا المكان بالامتلاء حدّ صعوبة عبور أخريات منكن، وعندما تبدأ أخريات بالوصول للمساعدة، يمكنكن تلويح إشارات لهن."
صبّ في صوته كل سلطة استطاع حشدها، محاولاً إجبارهن على إنفاذ ما أمر به، لكنه لم يلبث لينتظر استجابتهن. لقد كنَّ في أمان على الأقل، وأصبحت لديه أولويات مختلفة وهو يندفع عبر تلك البوابة نحو الفوضى القابعة هناك، ليصادف ذرايات أضعف يحاولن شقّ طريقهن إلى منزل فونتيش بينما أجبر نفسه على الخروج. كانت راليا تحرس الباب بينما كانت أخريات يجرين عبره، في هيئة أفعى لكنها كانت معروفة حين التقت أعينهما، وبدت مرتاحة لوجوده هناك لكنها لم تنطق بالمزيد بينما اندفع هو للخارج.
من حيث وقف، كان جلياً أن القرية تمتلئ بالشياطين، وبدت مسبقاً مطابقة لتلك المئات التي وعد بها ميرياد وما وراءها، لكن ضمن مدى رؤيته بدا الأمر مقدوراً عليه وهو يمدد حواسه مستعيناً بأعين كل من اتصل بهم ليرى المزيد، قبل أن يجسد مئات من الكرات المعدنية الصلبة ويقذفها، خارقة الجماجم من حوله فوراً لتترك جثث الشياطين تتهاوى على الأرض كأكياس لحم مبللة، حتى مع استمرار تدفق المزيد من الغابات.
لكن لا بأس، أستطيع تدبر هذا القدر، حدّث نفسه وهو يجي، مستنفداً المزيد من مانا ليلتقط كل ذراية يستطيع رؤيتها بسحر غير متيقظ وينقلها إلى منزل فونتيش أسرع بكثير ممّا قد تحلمان بالجري، متجاهلاً الذعر الذي سببه لصالح الكفاءة الخالصة. ولست وحدي أيضاً. يمكننا جميعاً التعامل مع هذا. استطاع رؤية بضعة من الذرايات الأخريات في البلدة يلتقطن أنفاسهن بعد تدخله لإنهاء معاركهن الخاصة، جنباً إلى جنب مع ساشيل التي كانت تجري باحثة عن أخريات مختبئات في تلك الهدنة الخاطفة لتصرخ بهن بالخروج، لكنه لم يتوقف.
لقد قتل كل ما تقع عليه عيناه، لكن المزيد كان يتربص فيما وراء ذلك، وكان عليه استكشاف كل شبر فيها. كان يعرف كل فرد هناك، ويعرف من عبر منهن حتى الآن. لقد بقيت أخريات كثيرات، مع مجموعة واحدة ما زالت مجهولة، مما منحه سبباً إضافياً لعضّ أسنانه خوفاً. الحوريات. لقد كانت فكرته نقلهن إلى هناك ليمنح ميريان قليلاً من السلام وكالي حياة أكثر طبيعية، لكن كل ذلك لم يكن ليزيد الأمر وضوحاً في كونها غلطة نكراء.
كان حريّاً به تركهن في أمان مدينة الحوريات، لا اصطحابهن إلى عرضة لا شيء فيها. كان بإمكان ميريان التعلم والتكيف، وكانت كالي لتكون بخير رغم قليل من الدلال؛ لم تكن هناك حاجة لمحاولة إصلاح حياتيهما بتلك الطريقة. كل ما فعله بتدخله هو تعريفهن للخطر. وبما أن منزلهن يقع على أطراف البلدة... حسناً، فهذه وجهتي الآن. عثر على المزيد من الشياطين ومثلهن من الذرايات وهو يجري، قاتلاً كل أفراد المجموعة الأولى ومسارعاً بنقل الثانية، فوجد عضوات من ذلك العرق بكسور وجروح بالغة العمق تكاد تمنعهن من الحراك، فأجبر نفسه على نقلهن كما فعل مع الأخريات، حتى ولم يعد منزل فونتيش في مرماه.
استعان بخريطة ذهنية للبلدة، ناظراً إلى مواقعهن ثم أنفق مانا بما يناسب لحملبن بينما جُرين عبر السماء وحول المباني ليُوضعن أمام راليا، رغم أن المسافة المطلقة التي أجبر تعويذاته على العمل عبرها كانت تستنزف مانا خاصته بسرعة هائلة. كان عليَّ الذهاب للمتجر مبكراً مع ثيرا ومورا، عاد ليشتم نفسه مجدداً. لو كنتُ هناك، لامتلكت كنيسة ميرياد لأعود إليها. ما عساه يكترث لحدوده المفروضة ذاتياً بينما كان هذا العدد الهفهاف ممن يعرفهم في خطر؟
بغض النظر عن كمية المانا التي يحتفظ بها حالياً، لكان وجودها معه نعمة، ومع ذلك ها هو ينفقها بتبذير مع بقاء المزيد في جعبته. في كل مكان تقع عليه عيناه، كانت المزيد من الشياطين تتدفق من الغابات المحيطة، متجاوزة بكثير مجرد مئات قتلها دون أي بوادر توقف. ببساطة، كان عددهم أكبر من أن يُحصى. حتى وإن كانت المنطقة مأهولة بخفة، فلم يكن ذلك منطقياً. ميرياد، هل عدتَ بعد؟ لدي أسئلة هنا!
لكنّ أي إجابة لم تأتِ، إذ لا زال ملكه مشغولاً بحشد كل مساعدة ممكنة واثقاً من قدرة بين على التعامل مع الوضع، ولم تكن تلك الثقة بلا أساس مع عدد الجثث التي يتركها خلفه. ورغم ذلك، ثمة خطب ما، وكما سارت الأمور، عجز عن تبين كنهه؛ خصوصاً حين كان يقتل الشياطين من مسافة أبعد من أن تتيح له قراءة عقولهن. وإن حاولتُ السماح لبعضهن بالاقتراب، فلا ضمانة من قدومهن نحوي، وقد يؤذين شخصاً آخر عوضاً عن ذلك.
آآآه! لا يُمهم. واصل القتال، اعثر على ديلير، اعثر على فونتيش، اعثر على الحوريات وأخرجهن جميعاً من هنا، وبعد فعل ذلك كله، تأكد من نجاة الذرايات عموماً ودمر البوابة لكيلا تستطيع المزيد من الشياطين العبور. لا يهم لمَ لا أستطيع تفسير سبب وجود هذا العدد الهائل إذا كان الجميع بأمان... ما عدا أنهن سيتجهن للقرية المجاورة التالية إن تركناها. اللعنة. حسناً، خطة جديدة: إيصال الحوريات والذرايات جميعاً إلى بر الأمان، الأمل في وصول ثيرا وبقية المغامرين للمساعدة، ومن هناك سنقتل كل الشياطين المحيطة، بطريقة أو بأخرى.
هذا مقدور عليه، أليس كذلك؟ على الأقل، كانت تلك الفكرة الأكثر قابلية للتنفيذ التي يمتلكها حتى تلك اللحظة، وكان يثق في وصول المساعدة الأخرى. بصراحة، ومع تبكير الصباح في ستونوول، كان عدد المغامرين الذين يمكن حشدهم بمثل هذا الإنذار القصير موضع شك، لكن لم يكن لديه أدنى شك في أن ثيرا، متى بلغتها الكلمة، ستأتي للمساعدة، مما يعني أن كل ما مطلوب منهم هو الصمود حتى ذلك الحين، ليرى البعض يفعل ذلك بالفعل حين دخلت وجهته في نطاق رؤيته.
حول ما كان يوماً منازل الحوريات المختلفة، قامت غابة جديدة، تداخلت الأشجار لتشكل جدراناً دفاعية لإبعاد الشياطين، حتى مع توجه العديد منها مباشرة إلى هناك من الغابات والبعض الآخر المتواجد هناك سلفاً يشق طريقه صعوداً وتجاوزاً، لكن ذلك لم يكن كافياً لمنع مثل هذا الأمر من أن يكون إشارة جيدة. كان يعني أن ساحرة نباتات متيقظة واحدة على الأقل كانت معهن، وربما أكثر، إلى جانب حرّاسهن الذين انتقلوا إلى هناك أيضاً، جميعهم لقتال أي شيء يعبر للداخل.
لكن لمَ تحشرق كل تلك الشياطين نحوهن بهذه الطريقة؟ هل نزع أحدهم سواره بالتزامن مع بدء الهجوم؟ ليس بما يكفي لصنع طعم مجنون لكنه يكفي لجذب بعض الانتباه لأي شيء مجاور؟ اللعنة عليَّ، هذا كثير حقاً. أياً ما كان ما جعلها تحصرق نحو المجموعة هكذا، كان أمراّ لا يمكنه تركه وبوثبة معززة بمانا خاصته، قتل الوحوش المحيطة بذلك الحاجز وهو يقفز فوق قمم الأشجار، مستعداً لمساعدة من كان على الجانب الآخر.