قالت موظفة النقابة لبين وثيرا عند وصولهما إلى المحطة الأخيرة في جدول رحلتهما: "معذورة، لقد غادر إلى منزله وانتهى دوامه لهذا اليوم".
وأضافت: "دعوني أرى، يمكنني إعطاؤكما توجيهات الوصول إلى الفندق، أما بالنسبة للمطاعم، فأخشى أن أي مطعم كنا لنرشحه لكما قد أغلق أبوابه في مثل هذا الوقت المتأخر أيضاً، يؤسفني ذلك".
ردّت ثيرا: "لا بأس، كنا نتوقع ذلك منذ وصولنا"، فقد انتهت مهمتهما الأخيرة مع حلول المساء، بينما ألقى الفارق الزمني الناتج عن عبور تلك البوابة بظلاله ليغرقهما في جوف الليل في مدينتهما الجديدة.
لقد توقعا ذلك حقاً عند وصولهما، لكن إشعار النقابة بوجودهما سيسمح لها على الأقل بالاستعداد لعودتهما في صباح اليوم التالي. حصلا على الاتجاهات وانطلقا في طريقهما، ولم يتوقفا إلا عندما مرّا ببسطة مفتوحة على جانب الطريق.
سألت ثيرا بينما كان يشترِي قطعتين من كل نوع عُرض على الأسياخ، دون أن ترفض تلك التي ناولها إياها: "أتفكر ببطنك طوال هذه الرحلة حقاً؟ لن تعوضنا النقابة عن ثمن هذه كالبقية التي حصلنا عليها".
أجابها: "حقاً، لكنه كان يوماً طويلاً، وأنا بحاجة إلى وجبة خفيفة على الأقل. فضلاً عن ذلك، يمتلك ذلك الرجل مستوى سادساً في الطبخ، لذا سيبدو هذا لذيذاً حتماً".
وتأكد ذلك بمجرد أن اخذ قضمته الأولى، إذ انفجر اللحم بمذاق تتبيلته التي حلّلها بين في عقده، مفكراً فيما قد يغيره، لكنه أعجب بها إجمالاً لدرجة أنه دون ملاحظة ليحاول تحضيرها بنفسه يوماً ما حين يحظى بالوقت الكافي، بينما لم تستطع ثيرا إنكار الأمر ذاته.
فقالت: "حسناً، نعم، إنه شهي، لكنك ما زلت تشتري أكثر بكثير مما نحتاج إليه. كم من الطعام تخطط للاحتفاظ به في خواتمك بالضبط؟"
ضحك وقال: "هاه، سيكون هذا طعاماً أغذي به ديلاير على الغداء. ومورا أيضاً حين يكون بصحبتي لا بصحبتك. وعلاوة على ذلك، وبما أنها إحدى المسائل التي يتوجب علي تعليمها إياها، فإن دفع تلميذتي الصغيرة لتجربة وجبات بنكهات متنوعة من شتى أنحاء العالم يُعدّ تجربة تعليمية قيمة".
عقّبت: "لن تخدعني وتجعلني أظن أن هذا ليس نزوة بحتة منك".
رد ببراءة: "يمكن للأمر أن يحقق أكثر من غاية. ثم اعترفي، أنت تستمتعين بذلك أيضاً. فالطعام هو أجمل ما في السفر بعد كل شيء".
اعترفت قائلة: "أستمتع به غالباً، حتى وإن كنت متأكدة تماماً من أن مطبخ تحت الارض لا يناسبني".
صاح: "مهلاً، زرنا مدينة واحدة فقط من هذا النوع. علينا زيارة مدينة أخرى على الأقل قبل أن تقرري بحق".
ردت: "إذن سنؤجل تلك المهمة لتكون واجباً في مستقبل بعيد جداً. والآن، تعال. يجب على أحدنا أن ينام في الليل على الأقل".
قال بن فور وصوله إلى مملكة سيّده، بينما كان جسده الحقيقي يقضي بعض الوقت في تدبر سحره بالأسفل: "أهلاً بالجميع، أيّ كارثة جديدة تنتظرنا اليوم؟"، ليرى ميراد وهيلوري هناك.
أجابه ميراد: "ليست كل الأيام كوارث يا بن. في الواقع، أكاد أقول إنّ اليوم كان جيداً بمعظمه".
"أحقاً؟ أخبرني إذاً".
أوضح هيلوري، مشاركاً المكعب مزاجه الجيد إزاء الخبر: "تخلصنا بنجاح من أحد المنافسين الشياطين بعد مطاردة طويلة. شارك بعض أصحاب الرتبة الثالثة أيضاً، فلم تقع أيّ وفيات في معركتهم ضده. هذا لا يعوض كمّ الأرواح التي أزهقها سابقاً، لكنه يجعل من اليوم يوماً إيجابياً إلى حد ما بالمجمل".
"حسناً، رائع. أهو ذاك الذي أخبرتموني أنه فرّ سابقاً؟ الفضائيّ؟"
"لا، ما زلنا نحاول الإيقاع به دون حظ يُذكر للأسف. كان هذا على الجانب المائيّ من الكوكب، رغم أنه لم يكن أقل تحدياً في التعامل معه. بدا منافساً بفضل بصيرته النافذة وما نرجح أنه شيء شبيه بتعزيز العضّ".
تساءل بن، وقد ولج عقول كلا السيّدين ليراقب بنفسه نظراً لامتلاكه تلك المهارة الخاصة، حتى وإن كان واثقاً من أنه لن يوقظها يوماً: "انتظر، أأنت جادّ؟ كيف سيتبدو حتى؟"
تنهد ميراد قائلاً: "بدا كالمجزرة. مما ساعدنا في تعقبه أنه ترك آثار عضّ في أشياء لم نكن نتوقع رؤيتها أبداً. ثلاثيات شعب، ودروع، وبنية تحتية، ومقترنة بسحره الفطريّ للروح، شهدنا أكثر من مجرد قسط يسير من الضرر الذي ألحقه بضحاياه. انتُزعت قطعة من لحم ريغنال، وحتى لو انتصر في النهاية، لكان حجم الضرر الذي لحق بروحه ليجعله عاجزاً لأشهر في العادة. إنه مع إلفات الآن، وغالباً سيبقى هناك لأسبوع على الأقل. مع ذلك، لقد مات ولم نفقد أيّ قدر يُذكر من قواتنا؛ هذا ما يهم أكثر".
تأمل بن، متخيلاً كيف كان يبدو ذلك السحر الخاص حين يكون المرء منافساً فيه: "حسناً، جيد. مع ذلك، بصيرة نافذة مُوقظة أيضاً، لا بد أنها كانت مفيدة".
كم ميلاً حوله يمكن للمرء أن يحيط به دفعة واحدة بشيء كهذا؟ مع حالة عقلي، قد يكون الأمر مذهلاً أيضاً، لكنني لا أملك الوقت لمحاولة تعلم سحر وبلوغ نهايته، مهما بدا رائعاً. أسجّل هذا كشيء آخر لتعلمه إن نجوت من هذه الحرب على أي حال.
أشار ميراد، تاركاً إياه يرى تماماً إلى أين تمضي أفكاره: "أنت لا تترك أيّ خصوصية للناس حولك أصلاً. لا أعتقد أن التحول إلى سيّد للبصيرة النافذة يحتاج للانضمام أيضاً".
"اعذرني، أنت حرفياً من جعلني قارئ أفكار. لن أقبل بأي من هذا منك. ثم، أنا غالباً ما أترك من أعرفهم يتمتعون بخصوصيتهم؛ الغرباء وحدهم هم من لا أعبأ بهم".
"هذا ليس أفضل حقاً".
"متغاضياً عن ذلك. لننظر إلى الجانب الآخر بدلاً من ذلك. إذن، كان بإمكان ذلك الشيطان افتراضياً أن يمسى سيّد العضّ، أه؟ يجب أن أقرّ، هذا يبدو ممتعاً على الأقل. لا يوجد شيء مشابه لذلك في هذا العالم حالياً، أليس كذلك؟"
"لا، لكن يمكننا قول الشيء نفسه عن ثلاثة أرباع ما يدور معك".
"هذا لا يجعله أقل إمتاعاً. أتساءل كيف كان سيتبدو ذلك. وكم الضرر الذي كان سيُلحقه ببقيتكم لو بلغ ذلك المستوى ثم صعد إلى هنا؟"
أشار هيلوري: "لدينا مجموعة متنوعة من سادة الحرب والأسلحة. ولادة شيء كسيّد للعضّ لن تكون مثالية بالطبع، لكن مقارنة بالكثير غيره، لا أعتقد شخصياً أنها ستكون مدمرة للغاية بالنسبة لنا. كانت البصيرة النافذة لتشكل مشكلة أكبر بكثير. لا أستطيع تخيل كيف سيُبدو مميت يبلغ تلك الرتبة".
"ممم، سماع هذا لا يغلّب فيّ سوى الرغبة في تلك المهارة. حسناً، لا بأس. ما يهم حقاً هو أنني أكاد أنتهي من هذه المهمة السخيفة. المحطة الأخيرة وبعدها يمكنني الذهاب للمنزل والقيام ببعض العمل الحقيقي".
قال له ميراد: "هيا، هذا ليس سيئاً إلى هذا الحد بالتأكيد".
"ليس سيئاً، بل مملّ فحسب. لم تكن المشكلات ممتعة بشكل خاص أيضاً؛ كلها مباشرة أكثر من اللازم".
أشار هيلوري: "محطتاك الأخيرتان لم تكونا مباشرَتَين إلا بسبب حجم مهارتك الحالية. وهو ما يصب في مصلحة جعلك تؤدي مهاماً كهذه".
"نعم، نعم، وأنا أدرك هذا؛ إنه يساعد الناس. أنا لست ضد ذلك، مهما بدا وكأن النقابة تحاول احتيالي عمداً. لكن مجرد إدراكي للأمر لا يعني أنني سأستمتع به. إن تكرر الأمر فسأفعله، لكننا نحتاج على الأقل إلى إرسال ملفات كاملة عما يحتاجه كل مكان حتى لا أضيّع وقتي في جمع المعلومات أولاً. لو توفر لي ذلك لكنت واثقاً تماماً من أن هذا كله كان سينتهي في اليوم الثاني بدلاً من جرّه إلى اليوم الرابع هكذا".
أخبره ميراد: "سأصدر توجيهات لرفع تقارير دقيقة عما تتطلبه مهام البناء في المستقبل إذاً. حقاً، لقد بلغت مرحلة بات فيها وقتك يُعتبر أكثر قيمة من أي شخص سيقوم بكتابة ذلك التقرير، حتى وإن كنت لا تعامله على هذا النحو بالشكل المناسب".
"اعذرني، أنا أعرف أن وقتي ثمين؛ ولهذا السبب أحسب حساب كل دقيقة منه تقريباً".
"بالتاكيد، لكنك تفعل بعد ذلك أموراً كتجنّب متدربة لتدريبها في نهاية العالم".
"مهلاً، إن لم تكن ترغب في ذلك، كان يجدر بك إخبار ساكيل ألا يصحبها حين أتيا إليّ".
"ساكيل مؤمن عزيز، لا أستطيع أبداً".
"ألتقط تلميحاً خفياً هنا يجعلني أرغب في كسب مستوى تدنيس آخر".
"ومثل هذه التهديدات الصغيرة هي ما يمنعك من أن تكون محبوباً هنا".
"إن توقف السادة الآخرون عن استحقاق التهديدات، فسأتوقف عن إطلاقها. الأمر ليس بهذه الصعوبة حقاً".
قال سيّده بجفاف: "أنا متأكد. على ذكر ذلك، أيعود أي حظ بالنفع على تلك الجبهة حتى الآن؟"
تنهد بن: "لا، ما زلت أقوم بالنحت فحسب. ربما يستغرق الأمر أسبوعاً أو أسبوعين آخرين حتى مستوياتي التالية. أمر سيء للغاية حقاً".
أشار هيلوري: "لقد بلغت مرحلة، حتى وإن لم ترغب بعض السادة الأخرين في الاعتراف بذلك، إن متّ اليوم وحصلت على قدر متوسط من الإيمان، لتكون السيّد الأقوى على الإطلاق. لا أستطيع تخيل كيف تظن أن أسبوعاً أو أسبوعين فقط لقوة أكبر قد يكون أمراً سيئاً بأي شكل".
"لأنه يستغرق وقتاً أطول في كل مرة، ونفدت مني السادة المحرمة للتبديل إليها. على حال الأمور، هناك احتمال ألا أبلغ مستوياتي التاسعة لتلك المهارات الثلاث قبل قدوم الموجة الثالثة، وبصراحة، أنا معتمد عليها عاطفياً إن كنت سألقي بنفسي في هلاك محقق تقريباً".
بدأ ميراد: "... أنت تعلم يا بن، هناك ما يُدعى بالإفراط في الاستعداد".
"ليس في دفاتري".