الفصل التاسع: خاتم الأسرار
بقي أوزيريس واقفاً لبضع لحظات في حالة من الوجوم الحذر، وهو ينظر إلى جسد رينزو الهامد الملقى أمامه على الأرض، قبل أن يرفع أنظاره ببطء ونحو التنين الأزرق الشامخ في كبد السماء.
أنزل ذلك الشخص الغريب يده اليمنى برفق، والتقت نظراته بنظرات أوزيريس، ليردف بنبرة ساخرة:
ـ هاه؟ ألم تتأذَّ قط؟ يا له من أمر مؤسف حقاً! لقد أردت إبادتكما معاً بضربة واحدة، ولكن يبدو أن ذلك الأحمق قد تحول إلى درع بشري لك دون أن يقصد.
لم يظهر أوزيريس أي علامة من علامات الخوف، بل رد بسؤال بارد وجاف:
ـ هل كان هجومك الأخير ضعيفاً ومتهالكاً إلى هذا الحد، أم أنني أتخيل فحسب؟
اتسعت ابتسامة الكائن الغريب مستغرباً، وقال متجاهلاً تهكم أوزيريس:
ـ هذا مثير للاهتمام.. لماذا لم تحزن على موت صديقك؟ أليس من المفترض أن تصرخ ألماً أو تندفع برعونة للانتقام؟
أجاب أوزيريس وعيناه تلمعان ببرود مميت:
ـ ولماذا عليّ أن أحزن على شخص شحذ سيفه وكان يبغي قتلي قبل ثوانٍ؟ بالنسبة لي، أرى أن موته أمر طبيعي وعادل جداً.. لو لم تقتله أنت بنيران برقك، لكنت أنا من فصل رأسه عن جسده بخنجري هذا.
انفجر ذو الكيمونو الأبيض ضاحكاً بقهقهة مجنونة هزت أرجاء المكان:
ـ هاهاهاها! أأنت جاد فيما تقول؟ أتظن حقاً أنك قادر على قتل شخص يمتلك قدرات خارقة للطبيعة، بينما أنت مجرد صعلوك فاقد لأي تيار من الطاقة؟ يا لك من فتى مضحك!
ساد الصمت بينهما لبرهة، لولا حفيف الأشجار وصوت أنفاس التنين المنتظمة، قبل أن ينطق أوزيريس بثقة وثبات:
ـ أظن أنني كنت قادراً على تصفية رينزو بالفعل. والآن، يبدو أن الدور قد جاء عليك؛ فلا تنسَ أنك تلقيت للتو طعنة قاتلة في منتصف صدرك!
رد الرجل بملامح مسترخية:
ـ هاه.. لا تقلق بشأن هذا الخدش البسيط، فقد أخبرتك سلفاً أنني لا أموت بمثل هذه الترهات. لكن لحسن حظك، خضت معركة طاحنة واستنزفت معظم قواي قبل أن آتي إلى هنا، ولو كنت بكامل طاقتي لما بقيت حياً لتتحدث معي الآن.
رفع الرجل يده اليمنى، فبرز خاتم أسود غامض يطوق إصه البنصر، تتوسطه بلورة داكنة بدت وكأنها تمتص الضوء المحيط بها. تمتم بكلمة واحدة خافتة:
ـ خروج!
وفي لمح البصر، انبعث وهج ضعيف من الخاتم، لتظهر في كفه قارورة زجاجية تحتوي على سائل أرجواني متوهج.
اتسعت عينا أوزيريس وتعرف على تلك المادة فوراً؛ لقد كان هذا السائل مطابقاً تماماً للذي وجده داخل الصندوق الأصفر في الكهف، والذي عالج جروحه وكسوره في ثوانٍ معدودة. في تلك اللحظة، تبدد غموض ثقة هذا الرجل؛ فقد عرف أوزيريس السبب الحقيقي وراء يقينه بالنجاة.
نزع ذو الكيمونو سدادة القارورة وجرع السائل دفعة واحدة دون تردد.
سقطت الزجاجة الفارغة من بين أصابعه لتتحطم على صخرة مجاورة، وبدأ جسده يتلوى من الألم فوق ظهر التنين، لكنه رغم المعاناة كان يبتسم بجنون مطلق. انحنى واضعاً كفه فوق صدره، وتحديداً مكان الطعنة النازفة، وانبعث من بين شفتيه أنين خافت ومكتوم كاد لا يُسمع.
قال أوزيريس في خوالج نفسه وهو يراقب المشهد بدقة:
«حتى هذا الكيان المرعب يتألم من مفعوله إذن.. لست الوحيد الذي عانى من هذا العذاب الملحق بالجسد. هذا يعني أنني لست الوحيد الذي عثر على تلك الصناديق السرية في هذا العالم».
وفجأة، بدأت عروق سوداء داكنة تبرز بوضوح على بشرة الرجل الغريب، ممتدة من عنقه وصدره لتغطي أطرافه بالكامل؛ كانت شبيهة تماماً بتلك التي ظهرت على جسد أوزيريس سابقاً. بقيت تلك الخطوط المظلمة تنبض لبضع ثوانٍ قبل أن تتلاشى تدريجياً، وعادت بشرته نقية وصافية كما كانت.
رفع ذو الكيمونو رأسه ببطء، وأخذ نفساً عميقاً بينما يتصبب العرق بكثافة من جبينه. حدق في وجه أوزيريس، وعادت الابتسامة الخبيثة ترتسم على محياه وهو يصيح:
ـ لقد أخبرتك بأنني لن أموت، وها أنا ذا أقف أمامك حياً أرزق! انظر إلى جسدي ملياً.. هل تجد ذلك الثقب الذي صنعته بنصلك القصير؟ لا، لن تجده لأنه اختفى ولم يعد له وجود من الأساس! هاهاهاها!
تسببت ضحكته الهستيرية في سريان قشعريرة باردة داخل جسد أوزيريس، الذي اعتلت ملامحه أمارات الانزعاج الشديد. مسح الرجل دمعة فرت من عينه اليمنى إثر الضحك، وأردف:
ـ آه.. إنه لشعور رائع حقاً أن تحطم آمال الآخرين وتجعلها تتلاشى كالأوهام!
أنزل يده وتغيرت نبرته إلى الجدية الكاحلة وهو يكمل:
ـ دعني أقدم لك نصيحة ثمينة قد تكون سبباً في إنقاذ حياتك يوماً ما. لا تظن أنني أفعل هذا بدافع الشفقة أو الرحمة، بل لأنني أريد التلذذ بقتلك بيدي لاحقاً حين تشتد قواك! لذا، إن كُتب لك العيش حتى ذلك الحين، سأكون أنا ملك موتك. نصيحتي لك: لا ترفع سقف آمالك في البقاء، فالموت يتربص بك في كل زاوية من هذا العالم!
رد أوزيريس بابتسامة ثقة خفيفة، متحدياً نظراته:
ـ لا تقلق كثيراً بشأن هذا الأمر، فلن أموت بسهولة. لقد وصلت إلى هذا العالم الغامض حديثاً وواجهت الموت وجهاً لوجه منذ اللحظات الأولى، لكني ما زلت واقفاً على قدمي، وهذا بالضبط ما سيحدث مستقبلاً.
عقّب الرجل بنبرة متهكمة:
ـ آمالك وثقتك مرتفعتا السقف.. أتمنى فقط ألا تكون هذه الثقة العميقة هي السبب في تقصير حبل حياتك.
سأله أوزيريس متهرباً من الجدال العقيم:
ـ دعنا من هذا.. أخبرني، لماذا لا يقوم هذا التنين الأزرق بمهاجمتي أو قتلي؟ أنت حالياً مستنزف الطاقة ولا تمتلك أي قوة للسيطرة عليه، فما القصة إذن؟
أنزل الغريب أنظاره نحو الوحش الضخم وقال:
ـ أوه، أجل.. التنين! ببساطة شديدة؛ لأنه ليس ملكي ولا يخضع لأمري.
عقد أوزيريس حاجبيه بتعجب واستفسر:
ـ ماذا تعني بأنه ليس لك؟ إذن لماذا تقف فوق ظهره وتتنقل به كما تشاء؟
أجاب الغريب دون تفكير:
ـ إنه يعود لزميلتي في المنظمة.
تكررت الكلمة في ذهن أوزيريس كالصاعقة، وتمتم متسائلاً في نفسه: «منظمة؟!».
في تلك اللحظة، أدرك الكيان الغريب فداحة ما نطق به. وضع كفه اليسرى على وجهه وضغط على أسنانه بغضب عارم، وقال في سره معاتباً نفسه: «تباً لي! لقد زلّ لساني أمامه!».
رفع صوته مجدداً، ليعود البرود الحاد والمهدد إلى نبرته وهو يوجه سبابته نحو أوزيريس بصيحة حاسمة:
ـ هيه أنت! انسَ كل ما سمعته لتوك، وإياك أن تذكر هذه الكلمة لأي كائن كان.. وإلا، أقسم أنك ستندم أشد الندم الذي لم تختبره طوال حياتك!!!