الفصل العاشر: الفخ الأخير
تمتم أوزيريس بنبرة يملؤها التعجب:
ـ هاه.. منظمة سرية إذن؟ ولماذا ترغبون في إخفائها؟ والأهم من كل هذا، كيف تمكنتم من تشكيل منظمة بهذه السرعة؟ لم يمضِ على وصولنا إلى هذا العالم سوى بضعة أيام فحسب!
رد الرجل ذو الكيمونو بنبرة باردة كصقيع الغابة:
ـ لا شأن لك بهذا الأمر، كل ما عليك فعله هو التزام الصمت التام حيال ما سمعته لتوّك. نحن لا نريد لأي كان أن يعلم بأمر المنظمة، لذا إن تفوهت بهذا السر خارج هذه البقعة.. صدقني، ستندم أشد الندم.
أجاب أوزيريس ببروده المعتاد مستخفاً بالتهديد:
ـ لا تقلق، فهذا الأمر لا يعنيني على أية حال. لكن، أريد منك أن تخبرني؛ كيف يمكنني الحصول على القوى الخارقة؟
أمال ذو الكيمونو رأسه قليلاً وتمتم:
ـ همم، قوى خارقة؟ آه، صحيح.. أنتم مجرد لاعبين جدد في هذا العالم، ولهذا فإن معظمكم لا يفقه شيئاً عن كيفية الحصول على تيار الطاقة أو امتلاك القوى.
وفجأة، ارتسمت على شفتي الكائن الغريب ابتسامة خبيثة ومريبة، وتحركت عيناه الصفراوان نحو الأرض وهو يتابع بنبرة متهكمة:
ـ هيه أنت.. لماذا لا تنهض وتخبر صديقك بنفسك عن طريقة الحصول على القوى الخارقة؟
ردد أوزيريس الكلمات في خوالج نفسه لكسر من الثانية قبل أن يستوعب الفخ: «لماذا لا تنهض؟!».
وفي اللحظة ذاتها التي أدرك فيها عقله الكارثة المحدقة به، اندفعت غريزته بقوة لتقذف بجسده إلى الوراء بسرعة خاطفة، ليمر نصل حاد وشفاف بمحاذاة عنقه، كاد أن يفصل حنجرته عن جسده تماماً!
تراجع أوزيريس وثبت قدميه على الأرض، ليحدق إلى الأمام بصدمة حقيقية تملأ عينيه الصفراوين، وصاح:
ـ أنت! كيف ما زلت على قيد الحياة؟ أليس من المفترض أنك ميت؟!
من كان يقف أمامه لم يكن سوى رينزو! كان حياً يرزق، واقفاً على قدميه المهتزتين، والدم يتدفق بغزارة من فمه إثر ضربة البرق المدمرة التي تلقاها سابقاً.
بصق رينزو الدماء من فمه وقال بحقد دفين:
ـ تباً.. كل ذلك التمثيل المتقن وجعل جسدي هامداً كان لأجل فرصة واحدة مباغتة، لكن هذا الوغد أفسد كل شيء واكتشف أمري! حقاً.. كنت أتمنى لو استطعت غرس هذا النصل في عنقك وتصفيتك الآن.
كان رينزو يقبض بيده المرتعشة على شفرة جليدية حادية وصغيرة الحجم، لكنها كانت كفيلة بإنهاء حياة أي شخص لو أصابته في مقتل.
قاطع لحظة شحن الأجواء صوت صاحب الكيمونو الشامخ فوق تنينه، وهو يوجه سبابته بتهديد حاد:
ـ هيه أنت أيضاً! الكلام موجه إليك كذلك؛ إياك والبوح بشيء مما سمعته اليوم، وإلا فأنتم تدركون جيداً ما ينتظركم، أليس كذلك؟
رد رينزو بنبرة تقطر سخرية يائسة وهو يتنفس بصعوبة:
ـ أجل، أجل.. فهمنا الأمر تماماً، لن يخرج هذا السر لأي أحد.
بقي صاحب الكيمونو صامتاً، يراقب رينزو بنظرات غامضة ومستقرة دون أن يعلق على سخريته.
في هذه الأثناء، كان رينزو يحدث نفسه بغيظ وحنق: «لو أنني جعلت هذه الخناجر أطول قليلاً، لكان رأس أوزيريس يتدحرج على العشب الآن! لكن للأسف، لو أطلت النصل لكان قد لاحظ تشكله قبل أن أقتله.. تباً، كيف استطاع ذلك الوغد الذي يقف فوق التنين اكتشاف أنني لا زلت حياً بالأساس؟!».
تحرك رينزو خطوة نحو اليسار محاولاً الابتعاد، لكن ساقه المصابة خانته فبدأ يعرج بخطى ثقيلة ومؤلمة؛ لم يكن يسير ببطء برغبته، بل لأن هذا كان أقصى ما يمكن لجسده المتهالك تحمله بعد الصدمة الكهربائية الكاسحة التي تعرض لها.
راقب أوزيريس تراجعه ببرود، وقرر في نفسه عدم ملاحقته أو تصفيته؛ ففي حالة رينزو الجسدية المزرية هذه، وموجة الإصابات البليغة التي تجتاح جسده، لن يصمد طويلاً؛ إما أن يموت جوعاً وعطشاً، أو تلتهمه المسوخ المفترسة عاجلاً أم آجلاً.
ترنح رينزو، ثم صرخ بنبرة لاهثة متهالكة وهو ينظر نحو الغابة:
ـ هيه.. تعال إلى هنا! لا يمكنني السير بمفردي، أنا متعب للغاية..
بعد ثوانٍ من صياحه، انشقت الأشجار الكثيفة ليخرج منها فتى يرتدي بقايا الزي المدرسي؛ لقد كان هذا التلميذ هو الشخص السابع الناجي من مجموعتهم! فصاحب الكيمونو أباد خمسة أشخاص، وكان رينزو السادس، بينما كان هذا الأخير مختبئاً بين الجذوع طوال فترة المعركة يترقب بذعر، وضائعاً بين خيارات التضحية والهرب.
ركض الفتى نحو رينزو وأسند ذراعه فوق كتفه الأيمن بحرص، وبدأ الاثنان في التحرك ببطء نحو جهة الغرب، دون أن يجرؤ أي منهما على الالتفات خلفه ولو لمرة واحدة.
حدق أوزيريس في أثرهم لفترة وجيزة، قبل أن يدير ظهره ويتحرك بثبات نحو جهة الشرق. وقبل أن يغادر البقعة، تلاقت أعينهما مجدداً؛ نظر أوزيريس نحو صاحب الكيمونو وقال بنبرة جافة:
ـ أتمنى ألا تتقاطع طرقنا مجدداً.
ابتسم ذو الكيمونو ببرود ولم ينطق بكلمة، بل اكتفى بالإشارة لتنينه الأزرق، الذي بدأ يرفرف بأجنحته الضخمة ببراعة، صانعاً زوبعة من الرياح العاتية والأتربة بفعل حجمه الأسطوري، قبل أن يشق عنان السماء ويختفي في أعالي الأفق.
أشاح أوزيريس بنظره نحو الأمام، ودس يده اليمنى داخل جيب بنطاله الجديد، مكملاً سيره الهادئ بين الأشجار.
بعد مسيرة طويلة ومضنية في عمق الغابة، توقف أوزيريس في مكانه ورفع رأسه نحو السماء؛ لاحظ أن لون الأفق قد تحول إلى البرتقالي الداكن الممتزج بالحمرة، معلناً حلول وقت الغروب وبداية ليل جديد. التفت يساراً فلم يجد أي كهف أو جحر آمن يقضي فيه ليلته، لكن حين نظر يميناً، وقعت عيناه على شجرة عملاقة، ليست ضخمة بشكل مفرط، لكنها كانت أكبر وأعلى بكثير من بقية الأشجار المحيطة بها.
توجه نحو الجذع وبدأ يتسلقها بمرونة وخفة مستغلاً شفاء جسده الكامل. جلس فوق أحد الأغصان العريضة المرتفعة، وأسند ظهره المتعب إلى جذع الشجرة القاسي ليضمن عدم سقوطه إن غلبه النوم.
أخرج من جيب سترته ما تبقى من رقائق البسكويت المجفف التي احتفظ بها من الصندوق الأصفر، وبدأ يأكلها بهدوء حتى سد رمقه. وبعد أن انتهى، انكمش على نفسه قليلاً، وأغمض عينيه الصفراوين مستسلماً للنوم، تاركاً المجهول لليوم التالي…