الفصل الثامن: سقوط الجليد
صرخ رينزو بغضب عارم شق سكون المكان:
ـ كيف تجرؤ على قتل أصدقائي؟! سوف أجعلك تدفع الثمن غالياً!
ثم اندفع نحو خصمه كالإعصار وهو يكمل صياحه الهستيري:
ـ سأقتلك مهما كلفني الثمن!
لكن ذلك الكيان ذو رداء الكيمونو لم يحرك ساكناً، بل اكتفى بنظرة باردة يملؤها تهكم صامت، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مستفزة. لوح رينزو بسيفه بكل ما أوتي من قوة، لكن نصله في كل مرة كان يشق الهواء الفراغ فحسب.
كان صاحب الكيمونو يتلاعب به ببراعة؛ إذ يختفي فجأة ويظهر على بعد شبر واحد فقط من النصل الجليدي، كأنه يتعمد استفزاز رينزو ودفعه نحو الجنون المطبق.
هوى رينزو بسيفه عمودياً بضربة حاسمة، لكن الرجل تفاداها برشاقة مائلاً نحو اليسار. وفي اللحظة ذاتها، غيّر رينزو مسار النصل ليضرب أفقياً، ليتكفل النصل بشق الهواء كالعادة دون جدوى! وفجأة، ظهر الرجل خلف رينزو مباشرة، ومد يده التي كانت على وشك لمسه، بيد أن ارتطاماً عنيفاً بجسد رينزو جعله يتراجع إلى اليسار مجبراً..
كان ذلك أحد أصدقاء رينزو المتبقين؛ إذ اندفع بكل قوته مضحياً بجسده ليتلقى الضربة بدلاً من زعيمه، بعد أن توقع المصير المرعب الذي ينتظره لو لمسه ذلك الغامض.
لكن الثمن كان فادحاً! لمست يد صاحب الكيمونو جسد الفتى؛ فتجمد التلميذ في مكانه لكسر من الثانية، وقبل أن يستوعب رينزو ما يحدث، انفجر رأس صديقه بوحشية مروعة، لتتناثر الدماء والأشلاء في الهواء!
ترنح الجسد بلا رأس لبرهة قبل أن يسقط جثة هامدة على التراب. حتى صاحب الكيمونو نفسه بدا متفاجئاً لثوانٍ من شجاعة هذا الفتى واستبساله لإنقاذ حياة صديقه. التفت رينزو نحو الجثة الممزقة، فالتهم الجنون ما تبقى من عقله.
اتسعت عينا رينزو بشكل مرعب وصاح بنبرة هستيرية وهو يتمتم بوعيد قاتل:
ـ سأقتلك.. سأقتلك! سأقتلك أيها الوغد اللعين! سأقتلك أيها القذر!
في تلك الأثناء، كان أوزيريس يراقب هذا المنظر الدموي بهدوء مرير وعقلانية حذرة. وبخطوات خافتة متسارعة، بدأ يتراجع إلى الخلف ببطء، مستتراً بجذوع الأشجار الكثيفة حتى اختفى تماماً عن الأنظار وسط عتمة الغابة.
استغل رينزو لحظة ذهول خصمه، واندفع بلمحة بصر ملوحاً بسيفه بسرعة هائلة، لتمر الشفرة الحادة وتحدث خدشاً دقيقاً في مقدمة عنق صاحب الكيمونو! هذه المرة، لم يتمكن الرجل من الانتقال؛ إذ تشتت تركيزه للحظة. تراجع إلى الوراء والانزعاج الواضح يكسو ملامحه لأول مرة، مستخدماً كلتا يديه ليتحسس عنقه المصاب.
رفع الرجل رأسه باحثاً عن خصمه، لكن رينزو كان قد قفز ليكون فوقه تماماً! هوى بسيفه أفقياً في الهواء متوجهاً نحو الأرض، لكن صاحب الكيمونو انحنى إلى الأسفل بسرعة فائقة، مانعاً عنقه من الانفصال عن جسده بالكاد. وحين أراد الرجل تسديد ضربة مضادة، فوجئ بهجوم رينزو العمودي المتتالي، مما أجبره على التراجع بخطوات سريعة متفادياً النصل الذي ضرب الأرض بقوة جعلت الصخور تتشقق تحت وطأته.
رفع رينزو نظره الحاد، لتتلاقى أعينهما في نظرة تصادمية حبست الأنفاس.
في حركة مباغتة، أفلت رينزو يده اليمنى عن مقبض السيف، وشكّل خنجراً جليدياً قاذفاً إياه مباشرة نحو وجه الشخص الغريب. انصبت أنظار صاحب الكيمونو نحو النصل الطائر، وأمال رأسه نحو اليمين ليمر الخنجر بمحاذاة وجنته. لكن، بمجرد أن أعاد نظره نحو رينزو، وجد نصل السيف مستقراً أمام رقبته تماماً! تمكن من تفاديه مجدداً بإمالة جسده بالكامل نحو اليمين حتى كاد يفقد توازنه ويسقط، إلا أن رينزو غيّر اتجاه السيف ببراعة ليتتبع عنق الرجل.
عندها، اضطر صاحب الكيمونو لاستخدام يديه؛ وضع كفه اليمنى أمام السيف وسندها بيسراه من الأسفل. ضرب النصل الحاد يديه بقوة تسببت في تفجر الدماء، لكن ملامحه بقيت جامدة وخالية من الألم. قبض أصابعه على الشفرة بقوة مرعبة حتى بدأت الشفرة الجليدية تتشقق!
دفع رينزو السيف بكل ما يملك من قوة لإكمال القطع، لكن الخصم لم يتأثر، بل بدأ يدفع السيف المكسور نحو رينزو ببطء وإصرار. بدأت قدما رينزو تتزحزحان إلى الخلف متأثرتين بقوة الدفع الغاشمة، وفي تلك اللحظة الحرجة، انتشر جليد مفاجئ وثقيل ثبت قدمي رينزو بالأرض، مانعاً إياه من التراجع مجدداً.
فجأة، أفلت ذو الكيمونو السيف وتراجع إلى الخلف بخطوات خاطفة مستقراً عند أطراف الغابة. تفاجأ رينزو من هذا الانسحاب المفاجئ؛ إذ اندفع سيفه إلى الأمام بفعل قوة دفعه الخاصة، حتى كادت أذرعه تنخلع من كتفيه بسبب الفراغ. ابتسم الرجل الغريب مستعداً لإنهاء حياة رينزو مستغلاً هذه الثغرة القاتلة..
ولكن... اخترق نصل قصير حاد صدر ذي الكيمونو من الخلف!
اندفع الدم بغزارة من فمه، وظلت عيناه شاخصتين نحو رينزو بصدمة عارمة. انخفضت أنظاره نحو النصل البارز من صدره، والتفت برأسه قليلاً نحو اليسار ليرى هوية من تجرأ على طعنه في مقتل..
لقد كان أوزيريس! الذي كان يحدق بمقبض خنجره المنغرس في جسد الخصم ببروده وهدوئه المعتاد.
تمتم الشخص الغريب بنبرة متقطعة يملؤها الذهول:
ـ ماذا.. ماذا حدث؟!
قال أوزيريس بنبرة جافة وصارمة:
ـ كان يجب أن تصب تركيزك نحوي، وألا تهمل أحداً أثناء المعركة.. وإلا ستندم، كما حدث الآن.. برغم أن ندمك هذا لن يتكرر مجدداً لأنك ستموت.
رغم النصل المستقر في صدره، تملكت الرجل نبرة مستفزة وهو يجيب:
ـ سيحدث ذلك مجدداً، لا تقلق! كل ما عليك فعله هو الانتظار.. وصدقني، سوف ألتزم بنصيحتك هذه، فستكون مفيدة لي مستقبلاً.
في تلك اللحظة، تحطم الجليد أسفل قدمي رينزو، وركض نحو الرجل وهو يصر على أسنانه بجنون مستغلاً ثغرة انشغاله بأوزيريس، ملوحاً بسيفه بشكل أفقي لقطع رأسه ورأس أوزيريس معاً! لكن في جزء من الثانية، اختفى ذو الكيمونو تماماً من بينهما، لتتجه ضربة رينزو القاتلة نحو عنق أوزيريس مباشرة!
اتسعت عينا أوزيريس، وبحركة غريزية في اللحظة الأخيرة، رفع خنجره ليصد سيف رينزو المرعب؛ قبض بيده اليسرى على أسفل النصل ويده اليمنى على المقبض لتدعيم الصد. تلاقى السيف والخنجر بشرر متطاير.
صرخ أوزيريس بوجه رينزو بغضب:
ـ أيها الوغد! أنا أساعدك، هل أنت غبي أم ماذا؟! لولاي لكنت جثة هامدة الآن!
رد رينزو بنظرات باردة ومظلمة:
ـ لا يهمني أنت أم ذلك الشخص.. كلاكما كنتما هدفي من الأساس.
وقبل أن يستوعب كلاهما الموقف، انشقت السماء خلف رينزو عن صاعقة برق صفراء مرعبة، ضربت ظهره مباشرة بقوة تدميرية هائلة! كان الشخص الغريب يقف شامخاً على رأس تنينه الضخم الذي برز من بين الأشجار، يبتسم بجنون مطلق وهو يمد إصبع السبابة الخاص بيده اليمنى نحوهم!
بصق رينزو كمية ضخمة من الدماء، وقبل أن تخور قواه تماماً، سقط جسده متهاوياً على الأرض الصلبة بلا حراك.