المجلد الأول: بداية الكارثة
الفصل الأول: ظلٌّ في زاوية العالم
في عام 2073، وتحت أنوار المدينة التي لا تنام ولا تهدأ، كان هو الصوت الوحيد الشاذ وسط الزحام.
أوزيريس.
يسير بنظرة مطأطأة إلى الأسفلت، يسحب خطاه بثقل كأن. شعره الأبيض الفوضوي. يتحرك مع كل نسمة هواء باردة، مرتدياً تلك السترة التي لا أكمام لها وبنطاله المعتاد—المظهر ذاته، والملابس ذاتها التي لم تتغير. لم تكن مجرد خيارات أنيقة، بل كانت الخيط الأخير الذي يربطه بذكرى أمه الراحلة.
«ما هي الحياة؟»
تردد السؤال في خفوت ذهنه، كما يفعل كل يوم.
«لطالما تساءلتُ عن ماهيتها، لكنني لم أجد جواباً.. أو بالأحرى، لم أجد إجابة البتة. مع من كنتُ أتساءل؟ لا أعلم.. ربما مع هذا الصمت الذي يرافقني».
يداه الغارقتان في جيبيه، وحقيبته السوداء المعلقة على ظهره، وعيناه اللتان تحملان لمعة حزنٍ قديم.. كان يبدو كالروح التائهة وسط جسدٍ حي.
الوحدة بالنسبة لأوزيريس لم تكن مفهوماً يتخيله، بل جداراً سميكاً عاش خلفه حتى ابتلاكه. الخيانة، الموت، الغدر—كلها كانت دروساً تجرع مرارتها مبكراً جداً. لم يصرخ يوماً، ولم يشتَكِ لأحد؛ بل كان يتعلم كيف يتحطم بصمت، يتفتت جزءاً فجزءاً داخلياً كلما ارتطم بالواقع. فكّر في إنهاء كل شيء مراراً، لكن ثمة هدف مبهم، جمر متقد تحت الركام، كان يدفعه للصمود.
وفجأة، ودون مقدمات، تسارعت خطواته. انقلب المشي إلى ركض متواصل، وضغط على أسنانه بقوة حتى كادت تتكسر، كأنما يهرب من وحشٍ يسكن أفكاره.
وصل إلى المنزل أنفاسه متقطعة. أسند ظهره إلى الباب المغلق، وأغمض عينيه بقوة.
الصمت داخل الشقة كان مظلماً وثقيلاً. لا أحد بانتظاره. فكل من أحبهم يوماً، غيبهم الموت في ظروف شتى؛ والداه، وأصدقاؤه القدامى في الميتم. أصبحت الجثث والموت مجرد مشهد مكرر في شريط حياته.
هدأ روعه قليلاً، ثم تقدم إلى الداخل. ألقى بالحقيبة بإهمال على الأرض، وارتمى على السرير بخطوة واهنة، واضعاً يده اليمنى فوق عينيه ليحجب الضوء الدافق من السقف، ثم تمتم بمرارة:
«لقد مللت.. لا يوجد شيء مثير للاهتمام في هذا العالم، كل شيء يبدو مملاً للغاية. لكن لا يهم.. كل ما يعنيني الآن هو أن أعيش بأفضل صورة ممكنة، ولا يجدر بي الاهتمام بأي شيء آخر... سوى قتل ذلك الشخص القذر!».
نهض بتثاقل كمن يجر أغلالاً، وتوجه نحو المطبخ. أمسك بإبريق الماء الساخر، وسكبه فوق علبة "نودلز" سريعة التحضير، ثم أدار ساعة توقيت صغيرة على ثلاث دقائق.
تحرك نحو غرفة المعيشة، وارتمى على الأريكة بتكاسل. مد يده التقاط هاتفه القابع على الطاولة وفتح الشاشة. دخل سجل المكالمات مباشرة.. لم يكن هناك سوى رقم يتيم واحد مسجل باسم "لويس". أغلق الشاشة وعدّل جلسته.
على التلفاز أمامه، كانت الأضواء الساطعة تنعكس برعب؛ المشهد كان ليد بشرية مقطوعة وملطخة بالدماء ملقاة على الأرض. صدى صوت المذيع الجاد كان يتردد في الغرفة، لكن أوزيريس لم يلقِ له بالاً، ولم يلتقط من الحديث سوى كلمات مبعثرة:
«...وقعت جريمة أخرى اليوم، وطريقة القتل مشابهة للجثث السابقة التي عثرنا عليها.. وكالعادة لم نجد أي أثر للقاتل، لذا نرجو من المواطنين توخي الحذر الشديد...».
زفر أوزيريس ببرود: «جريمة أخرى إذاً؟ سمعتُ أن القاتل يضرب في الليل ويترك علامات تدل عليه، رغم تنوع طرق قتله... لا يهم، هذا لا يعنيني».
التقط جهاز التحكم وأطفأ التلفاز، ثم قفل راجعاً نحو المطبخ. لكن في لحظة شرود خاطفة، انزلق الهاتف من بين أصابعه ليرتطم بالبلاط الصلب.. وتتهشم شاشته تماماً.
وقف أوزيريس ينظر إلى الحطام لفترة بجمود مريب، قبل أن يتنهد قائلاً في نفسه:
«لقد انكسر.. حسناً، سوف أشتري هاتفاً جديداً غداً... هذا مزعج، لدي مال بداخله، لقد استلمتُ مالي اليوم والآن خسرته وأنا لا أمتلك المزيد... إذاً كيف أشتري الهاتف؟ وحتى لو استطعتُ شراءه، كيف أسترجع حسابي؟».
في اللحظة نفسها، دوى رنين الساعة الصغيرة معلناً انقضاء الدقائق الثلاث. جلس أمام علبة النودلز، وإلى جوارها الهاتف التهشم. نظر إليه لبرهة، تنهد مجدداً، ثم بدأ يتناول طعامه في صمت مطبق.
«في اليوم التالي»
كان يجلس في المقعد الأخير من الفصل، بجوار النافذة—البقعة الوحيدة التي تمنحه شعوراً بالأمان وتخفف وطأة عزله.
كان غارقاً في أفكاره: كيف سيؤمن قوته والمستلزمات المنزلية؟ وكيف سيحصل على هاتف بديل؟
وفي الصف الأول، التفتت إحدى الطالبَات نحو صديقتها وهمست:
ـ هل ما زال أوزيريس يجلس بمفرده كالعادة؟
ردت زميلتها بنبرة خافتة ملؤها الشفقة:
ـ إنه على هذه الحال منذ أن وطئت قدمه هذه المدرسة. لا أدري أي ماضٍ قاسٍ عاشه ليبقى هكذا.. لكنني أشفق عليه حقاً.