الفصل السابع: تكوين ودمار
كان هذا الماضي الأسود هو أحد الأسباب الرئيسية وراء عزلة أوزيريس وانطوائه عن البشر.
صرخ رينزو، الفتى ذو العينين الزرقاوين، بنبرة تقطر حقداً:
ـ منذ ذلك الحين وأنا أمقتك! أكرهك! وكم تمنيت لو أستطيع تمزيق جسدك إرباً إرباً!
ثم نظر إليه بجنون مطبق وأكمل:
ـ لقد تحقق حلمي أخيراً.. الشيء الذي لطالما تمنيته بات قاب قوسين أو أدنى من يدي!
رد أوزيريس بابتسامة خفيفة باردة استقرت على شفتيه:
ـ لماذا أنت واثق هكذا من أنك لن تلقى المصير ذاته الذي واجهته قبل أربع سنوات؟ أنتم ثلاثة أشخاص حالياً، وفي الماضي كنتم ثلاثة أيضاً، وانتهى الأمر بمأساة مروعة لكم.. هذا يعني أن ما سيحدث الآن لن يختلف كثيراً عما حدث سابقاً.
وقبل أن يرتد حوارهم، خرج أربعة أشخاص آخرين من بين الأشجار الكثيفة خلف أولئك الثلاثة. كانوا يتحدثون فيما بينهم بصوت صاخب، لكنهم توقفوا فجأة وتجمدت نظراتهم بذهول نحو أوزيريس.
التفت رينزو نحوهم، وانفرجت أساريره عن ابتسامة خبيثة وهو يصرخ:
ـ هاه! لقد أتيتم في الوقت المناسب تماماً! هيا تعالوا وانظروا كيف سألقن هذا الصعلوك درساً لن ينساه طوال حياته!
لوح أحدهم بيده مقترباً وصاح:
ـ قادمون يا أخي رينزو!
لكن قبل أن يستوعب أي منهم ما يحدث، لمحوا شيئاً أزرق اللون يشق عنان السماء من بعيد، قادماً بسرعة خاطفة من جهة أوزيريس اليمنى. لم يدركوا ماهيته في بادئ الأمر، ولكن مع اقترابه اتضحت هيئته المرعبة.. لقد كان تنيناً أزرق ضخماً!
«ما هذا الكائن؟!» تمتم رينزو بذعر وعيناه متسعتان، بينما بقي أوزيريس متسمراً في مكانه يراقب المشهد بذهول، وهتف في خوالج نفسه: «هل هذا تنين حقاً؟ كنت أعلم أن هذا العالم غريب، ولكن ليس إلى هذه الدرجة الفجة! لطالما ظننت أن التنانين مجرد أساطير في بطون الكتب، ولم أتوقع البتة أن أرى واحداً في الحقيقة!».
في ثوانٍ معدودة، حلق التنين فوق رؤوسهم، وبدأ يدور ببراعة فائقة فوق البقعة المجاورة لهم. وفي تلك الأثناء، لمح أوزيريس والبقية جسد شخص يقف بثبات أسطوري فوق ظهر التنين يراقبهم من الأعلى، لم تكن ملامحه واضحة بعد بسبب الارتفاع، كل ما أدركوه أنه بشري.. وفجأة، اختفى ذلك الجسد في لمح البصر!
«مرحباً...»
انبعثت هذه الكلمة الهامسة، الباردة كالموت، مباشرة في أذن رينزو اليمنى! التفت رينزو برعب وحركة خاطفة إلى الخلف، لكنه لم يجد أحداً وراءه. تفاجأ أوزيريس من ردة فعل رينزو المفاجئة والمضطربة، لكنه التزم الصمت يترقب بحذر.
«يا لضعفكم المهين.. لم يدرك أحد منكم حتى أنني أقف بجانبكم!»
دوى صوت آخر، لكن هذه المرة من الجانب الأيسر، وكان مسموعاً بوضوح للجميع. التفت رينزو والبقية بسرعة البرق نحو مصدر الصوت، ليروا شخصاً يقف بهدوء على بعد عشرة أمتار تقريباً.
كان رجلاً ذو عينين صفراوين وشعر أصفر ساطع كالشمس، يرتدي كيمونو أبيض أنيقاً من الطراز التقليدي، ويحدق بنظرات باردة مسترخية، ويميل شفتيه بابتسامة هادئة غامضة. صُعق رينزو من ظهور هذا الشخص الذي انبعث من العدم، وتيقن أن الصوت الذي هس في أذنه قبل لحظات يعود لهذا الكيان المرعب.
تمتم أوزيريس في سره بصدمة عارمة: «كيف؟.. كيف ظهر من العدم هكذا؟ هذا يتحدى المنطق!». ثم ربط أوزيريس الأحداث بذكائه المعتاد؛ مستنتجاً أن الشخص الذي كان فوق ظهر التنين واختفى هو نفسه هذا الرجل الواقف أمامهم الآن.
سأل رينزو بصوت ترتعش نبراته من شدة الخوف:
ـ من أنت؟!
لكن الرجل الغامض تجاهل سؤاله تماماً، ونطق بسؤال واحد حاد كالشفرة:
ـ هل تملك جوهر الصقيع؟
ارتجف فك رينزو وهو يتمتم بمحاولة بائسة للتماسك:
ـ لا.. لا أعرف عن ماذا تتحدث!
أطلق الرجل ضحكة خفيفة مستهزئة وقال:
ـ هاهاهاها.. لا يهمني من تكون، لكنك مضحك حقاً. أنا أستطيع استشعار تيار القوة بوضوح، فلا تحاول إخفاء الأمر عني.
صرّ رينزو على أسنانه بقوة حتى كادت تتحطم، وتملكه غضب عارم أعمى بصيرته وهو يصيح:
ـ ولماذا أخفيه؟ أنت مجرد شخص ضعيف يمكنني قتله في أي وقت! أنت فقط تمتلك بعض المهارات السريعة، لِذا سلمني رأسك بهدوء!
رفع رينزو يده اليمنى نحو السماء وهتف بصوت مدوٍ:
ـ تكوين!
في تلك اللحظة، تحول العشب الأخضر تحت قدميه إلى اللون الأزرق الجليدي تدريجياً، وانبعثت برودة حارقة شكلت في يده اليمنى سيفاً ضخماً بطول متر ونصف من الجليد الخالص، وبعرض شبر كامل! تجمدت الأرض تحت محيطه تماماً، ثم انطلق كالسهم نحو الرجل الغامض وهو يصرخ بجنون:
ـ مت! فقط مت!
هوى رينزو بسيفه الجليدي بكل قوته، لكن السيف شق الهواء الفارغ فقط!
وفي الأجزاء من الثانية التالية، دوى صوت ارتطام قسري بالأرض.. لم يكن صوت السيف، بل كان صوتاً قادماً من المجموعة الخلفية المكونة من الأشخاص الأربعة. سقط اثنان منهم فجأة، وكانت رؤوسهم تتدحرج على العشب بعد أن قُطعت من الأعناق بشكل نظيف ومرعب!
بمجرد أن رأى الطالبان المتبقيان رؤوس أصدقائهم تدور على الأرض، تملكهم رعب هستيري وحاولوا الركض للهرب، لكن في غضون رفة عين، قُطعت أجسادهم إلى خمس قطع بشرية متناثرة إثر شعاع أصفر خاطف وسريع كالبرق!
المرعب في الأمر أن ذلك الرجل ذو الكيمونو الأبيض لم يتحرك خطوة واحدة من مكانه، بل كان يكتفي بتوجيه أصبعه السبابة ببرود نحو الجثث الممزقة.
تجمد أوزيريس في مكانه، وضربت الفظاعة والوجل أركان قلبه وهو يتمتم في داخله: «هل هذه هي القوى الخارقة؟ سيف من جليد.. وشخص آخر لا أدرك مدى حدود قوته الملعونة! والأهم من ذلك، كيف قتل أربعة أشخاص بهذه السهولة الساحقة؟ لم ألمح حتى لحظة اختفائه وظهوره خلفهم، قطع الرؤوس بسرعة لا تراها العين، ثم أباد البقية بإصبعه فقط!.. إنه خطير.. خطير ومميت جداً!».