الفصل الخامس والأربعون: قانون القتل
أدار فانيتاس رأسه نحو سامايل، ثم أمسك بتلك النواة الأرجوانية الداكنة برفق، ووضعها على كفّ سامايل، تلميذ ليفيان...
خيم توتر ثقيل على الأبطال، وكان ليفيان أكثرهم اضطراباً وقلقاً؛ لكنه وقف مقيد اليدين لا يملك من أمره شيئاً. لم يكن بوسعه منع فانيتاس لعدة أسباب؛ أولها أمله في استيقاظ تلميذه الراقد، وثانيها ذلك العقد الصارم الذي يكبله...
ورغم أن العقد لم يذكر سامايل بالاسم، إلا أن رفض ليفيان وتدخله في هذه اللحظة كان سيُعد خيانة صريحة... والخيانة لا تعني سوى شيئاً واحداً: الموت.
بدأت النواة تذوب ببطء شديد فوق كف الفتى، وأخذ يتسرب منها سائل أرجواني مائل إلى السواد، يماثل تماماً لون النواة بعد أن امتصت القوى الخارقة للبشر...
***
ـ عفواً... لكن هل من الممكن أن يتم سحب كل قوى البشر؟ ربما كان هناك عدة أطفال هربوا، أو حتى بالغين...
قاطع فتى من بين الحشد المترقب كلام مالكاي، فانسابت الهمسات والتكهنات بين الحضور كالنار في الهشيم:
ـ هل جن هذا الفتى؟ ألم يقل العجوز إن أحداً لا يجب أن يقاطعه؟!
ـ أجل، أظن أن الأمر لن يمر مرور الكرام...
ـ يبدو أنه فقد عقله!
ـ كيف يجرؤ على السؤال في منتصف الحديث؟
ـ حتى أنا راودتني الكثير من التساؤلات، لكني لم أجرؤ على فتح فمي بكلمة واحدة...
بعد أن تسربت تلك الكلمات إلى مسامع الفتى، شعر بوطأة التوتر والحرج تعصر قلبه، وتمنى لو أنه بلع لسانه ولم يطرح ذلك السؤال من الأساس.
في هذا المكان الغريب، حين يتحدث أحد من الحشد، كان صوته يتردد بجهارة ووضوح يماثل صوت مالكاي نفسه؛ ولهذا كان صوت الفتى مسموعاً لدى الجميع بلا استثناء.
قهقه مالكاي بصوت رنان، وقال بنبرة ضاحكة ومسامحة:
ـ لا بأس، لا بأس... لقد استرسلتُ في الحديث واندمجتُ مع القصة حتى نسيتُ أن أخصص فقرة للأسئلة!
ـ فقرة للأسئلة...؟
ـ أجل، هذا أفضل بكثير.
ـ أشعر أن رأسي كان على وشك الانفجار من كثرة المعلومات المتدفقة...
طوال المدة التي قضاها الحشد في هذا المكان، لم يشعر أي منهم بوطأة التعب أو الألم. لقد وقفوا لسطور وساعات طويلة وكان من المفترض أن تتخدر سيقانهم على الأقل، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث!
كان هذا التساؤل تحديداً هو كل ما يدور في عقل أوزيريس في تلك اللحظة.
أجال أوزيريس بنظراته الصفراوية الحادة فيما حوله، فلاحظ خطوطاً داكنة أسفل أعين بعض الأشخاص الذين يبدو أنهم طلاب أيضاً... لكنه لم يستطع التعرّف عليهم أو تذكر ملامحهم، إذ لم يقابلهم من قبل، وهو ما أثار حيرته وعمّق شكوكه.
كانت تلك الخطوط الأسفل الأعين ليست سوى آثار دموع جافة... دموع انسكبت من بعضهم قبل مجيئهم إلى هذا المكان.
تمتم أوزيريس في سره:
«هل كانوا يبكون...؟ ولماذا يبكون أصلاً؟»
كانت الإجابة جليّة وسهلة: لأنهم عانوا وانتقلوا إلى عالم مجهول دون أن يفهموا السبب.
في تلك اللحظة، أدرك أوزيريس شيئاً في غاية الأهمية. أنزل رأسه وغرق في تفكير سوداوي عميق:
«هم يبكون لأنهم انتقلوا إلى هذا المكان... إذاً، لماذا لم أبكِ أنا؟ ألم أعانِ مثلهم تماماً؟ ألم تنكسر ساقي ويدي؟ أنا أيضاً ذقت العذاب... لكنني لم أبكِ، هل لأنني عشت طفولة قاسية وجافة أعدتني لهذه القسوة. هذا كل ما في الأمر على ما يبدو...».
استمر عقله يغوص في أعماق أفكاره وتحليلاته:
«عندما قتلتُ ذلك الضخم في المعسكر... ما كان عذري؟ أجل، كان عذري أنه كان يحاول قتلي... هذا فقط! لكن، هل رأيته يرفع يده حقاً للقتل؟ لا. هل شعرتُ يقيناً أنه سيزهق روحي في تلك اللحظة؟ لا أعلم... إذاً، لماذا قتلته؟ لا أعرف...».
بدأ هذا الشريط الذاتي يفتح لأوزيريس أبواباً من الأسئلة الأعمق والأقسى:
«الشخص الذي قتل الأطفال في الميتم... قُتل. والطفل الذي أباد العائلة التي تبنتني... قُتل أيضاً. إذاً، لماذا لا أكون قاتلاً مثلهم؟ هذا ما كان يدور في ذهني تماماً عندما أزهقتُ روح ذلك الضخم... إذاً، أنا على حق! لا يجب عليّ الندم على أي شيء فعلته أو سأفعله في حياتي. عليّ فقط الاستمرار في التقدم والعيش».
رفع أوزيريس نظره بثبات، وسرت في جسده راحة غريبة لم يعهدها... لقد بدأ يفهم القوانين الحقيقية الصارمة لهذا العالم: إن لم تَقْتُل... تُقْتَل.
هذه هي القوانين التي حَكمت الماضي، وهي ذاتها القوانين التي تحكم الحاضر الآن.
قاطع مالكاي شريط أفكاره بنقله صريحة، وصاح بصوتٍ عالٍ هزّ أركان المكان:
ـ والآن، حان وقت فقرة الأسئلة! أطلقوا العنان لأسئلتكم واطرحوا كل ما حيركم في هذا المكان!
لوّح أحد أفراد الحشد بيده حماساً وقال:
ـ أنا! أنا! أنا! لدي سؤال!
التفت مالكاي نحوه وسأله بابتسامة:
ـ ما هو سؤالك أيها الفتى؟
تساءل الفتى بنبرة متطلعة:
ـ النواة التي ذكرتها في القصة... هل ترفع من قوة الأشخاص الذين يمتلكون قدرات خارقة بالفعل؟
كان نبرة ذلك الصوت مألوفة جداً بالنسبة لأوزيريس... مألوفة لدرجة أثارت قشعريرة خفيفة في جسده، لكنه لم يستطع أن يتذكر بدقة صاحب هذا الصوت.
في تلك اللحظة، ابتسم مالكاي ونطق بمباشرة:
ـ أجل... إنها ترفع القوة وترتقي بها للأشخاص الذين يمتلكون قدرات خارقة... يا "رينزو!"