الفصل الرابع والأربعون: الشفرةُ الخفيّة
[اليوم السابع]
كان كل شيء يسير بانتظام وركود. وقبل أن تغادر الفرق السابقة القرى، كان من المخطط استخدام الجهاز على أطفال هذا المكان الرئيسي بعد عودة حاملي الأجهزة الآخرين من مهمتهم الشاقة.
وبدون أن يدرك أحد، مرت ثلاثة أيام أخرى في انتظار وحبس للأنفاس.. حتى حلّ ذلك اليوم.
[اليوم العاشر]
كان الجميع في حالة ترقب شديد؛ إذ كان من المفترض أن يصل حاملو الأجهزة بعد دقائق معدودة من الآن.
وقف الأبطال الخمسة عند المدخل الرئيسي للقرية، يرسلون أنظارهم نحو الأفق البعيد الذي اكتسى بوشاح أخضر زاهٍ بفعل العشب الممتد.
وفجأة، قطع الصمت صوتُ أحد القرويين وهو يلوح بيده ويصرخ بحماس:
ـ ها قد أتوا.. انظروا! إنهم هناك!
اطمأنت قلوب الأبطال وأراحوا صدورهم بعد أن ساورهم الشك طوال الأيام الماضية في أن وحوشاً قوية ربما قتلت حاملي الأجهزة في أطراف الغابات.
كان الأشخاص المكلفون يركضون بسرعات عالية، وخلال ثوانٍ معدودة، وقفوا عند مدخل القرية المتهالك. تقدم أحدهم في المقدمة وهو يلهث بصعوبة جراء الإرهاق، ونطق بقطع:
ـ سـ.. سيد ليفيان.. أقصد.. البطل ليفيان! لقد وصل أربعون فرقة.. من حاملي الأجهزة.. وقد التقينا بهم.. جميعاً على الطريق!
رد ليفيان بنبرة مطمئنة:
ـ لا بأس.. لا أظن أن هناك وحوشاً قوية في مناطق البشر؛ فمعظمها يتمركز في المنطقتين الغربية والجنوبية وبعضها في الشمالية.. لكن لا أحد منا كان مطمئناً في هذا الوقت على كل حال. الآن يمكنك الارتياح في بيتك، لقد أبليتم بلاءً حسناً.
وبعد مرور ساعات قليلة، اكتمل وصول كافة الفرق بأمان تام دون خسارة أي فرد منهم.
كان ليفيان وبقية الأبطال يتجمعون داخل المنزل الصغير الذي يرقد فيه سامايل فاقداً للوعي. كانت أنظارهم معلقة بفانيتاس الجالس على الأرض الترابية، بجانبه مئات الأجهزة المكدسة.
نظر فانيتاس إلى ليفيان ثم نطق بنبرة هادئة:
ـ ليفيان.. هل تعلم شيئاً؟ كانت هناك ميزة أخرى في الجهاز لم أخبرك بها.
انعقد حاجب ليفيان وسأل بتوجس:
ـ ماذا..؟! ميزة أخرى؟!
أكمل فانيتاس موضحاً ببرود:
ـ الجهاز لا يستخلص القوة الخارقة فحسب.. بل يستطيع نقلها وإعادة ضخها أيضاً!
اتسعت عينا ليفيان بغضب عارم، وشعر برغبة جامحة في تسديد لكمة إلى وجه ذلك المسخ، لكنه اكتفى بكبح نفسه وقال بحنق:
ـ هل تعبث معي يا فانيتاس...؟!
أمسك فانيتاس بأحد الأجهزة وأزال غطاءً مخفياً بدقة يستحيل على العين العادية ملاحظته، ليكشف عن زر أرجواني صغير أسفله. ضغط فانيتاس على الزر، فانبثق من مقدمة الجهاز أنبوب معدني نحيل يشبه إبرة طويلة.
كانت أمام فانيتاس نواة الوحش القوي ذات اللون الأحمر والتي كانت بحوزة القروي سابقاً. ضرب فانيتاس الإبرة الممتدة من الجهاز في قلب تلك النواة المظلمة!
صرخ ليفيان بذهول:
ـ هل جننت؟! ما الذي تحاول فعله يا فانيتاس؟!
لم يرد فانيتاس بكلمة واحدة، واستمرت علامات الحيرة والدهشة ترتسم على وجوه الأبطال الخمسة وهم يرقبون تصرفاته الغريبة.
ألقى فانيتاس بالجهاز جانباً وأخذ جهازاً آخر، ليُكرر العملية ذاتها: يضغط الزر المخفي، تُبرز الإبرة، ثم يغرسها في النواة ويجعل القوة المسحوبة تنصب داخلها!
مرت ساعة كاملة على هذا الحال؛ فانيتاس يكرر الطقس ذاته بكل هدوء، بينما أجهد الانتظار الأبطال الخمسة وجعل بعضهم يستسلم للنعاس على الأرض.
فعل فانيتاس ذلك مع أربعين جهازاً متتالية، حتى مرت ساعة ونصف أخرى.. حينها ألقى بالأنبوب الأخير جانباً.
تغير لون النواة الحمراء القانية بشكل دراماتيكي، لتتحول إلى اللون الأرجواني الداكن المائل إلى السواد!
نهض ليفيان بحماس فور رؤيته لانتهاء العملية، وعلى إثر حركته الاستثنائية استيقظ رفاقه النيام على الأرض. وكان ليفيان على وشك الاستفسار، لكن فانيتاس قاطعه بحديثه:
ـ ليفيان.. هذا كان السبب الرئيسي لصنع الجهاز منذ البداية؛ نقل قوى البشر المستخلصة إلى هذه النواة لإعدادها لجسد سامايل. هو لن يمتص القوى بشكل مباشر، بل ستعمل قوى البشر على تعزيز وتلطيف طاقة النواة فقط.. لقد كانت هذه مخطوطة غير مكتملة تركها قادة العشيرة السابقون، لكني أكملتها.
تدخل دراكاريس متسائلاً:
ـ هل تقصد أنكم قمت بإنهاء ما عجز عنه أسلافكم فقط؟
رد فانيتاس:
ـ أجل.. هذا ما فعلته. وهل تعلمون شيئاً آخر؟ لقد جربت الجهاز على أحد الوحوش واختبرت استخلاص قوته قبل أن آتي إليكم هنا ونجح الأمر.
رد ليفيان بصدمة واندهاش:
ـ أي أنك لم تكن متأكداً من نجاح عمل الجهاز على البشر أساساً؟!
أجاب فانيتاس بابتسامة غير مبالية:
ـ أجل! لكني نجحت بالفعل، وبما أنني تمكنت من نقل قوى البشر إلى هذه النواة، فالنتيجة مضمونة الآن..
ساد صمتٌ ثقيل بين الأبطال الخمسة، ولم ينطق أي منهم بحرف جراء هذا التهور المرعب؛ فنقل القوة إلى النواة لم يكن مضموناً، ولم يدرك أحد ماذا كان سيحدث لو فشلت العملية أو انفجرت الطاقة!
لكن المخطوطة القديمة التي عثر عليها فانيتاس لدى قائد العشيرة السابق قبل موته – والتي احتوت على المقادير وكيفية الصنع دون أن يوليها القادة السابقون أي اهتمام – أثبتت جدارتها في النهاية على يد هذا المسخ.