الفصل الثالث والأربعون: ظلالُ الجشع
نظر إيلون إلى الفتى التابع له بذهول لفترة، قبل أن يصرخ بوجهه بغضب:
ـ ماذا تقول يا هذا..؟! من حاول الانضمام إلى من؟! أليست أنت من تطوع ونظم لنا دون أن يجبرك أحد؟! لقد أنقذناك من وحش ضعيف وأنت من طلب الانضمام إلينا بكامل إرادتك!
ثم خفض نبرته وتغيرت ملامحه إلى ازدراء بارد متابعاً:
ـ هل تعلم شيئاً..؟ لقد كنت ساذجاً حقاً لأنني صدقتك أيها الجبان البكاء! هذا هو كل ما تجيد فعله.. البكاء كالرضع فقط!
لوح إيلون بخنجره الحجري بسرعة نحو الفتى، لكنه شق الهواء فقط؛ إذ تحرك ليفيان بسرعة خاطفة وأمسك بملابس الفتى وسحبه إلى الخلف قبل أن يقتله إيلون.
في تلك اللحظة، خطى فانيتاس خطوة إلى الأمام وقال بنبرة جافة ومليئة بالتململ:
ـ هذا يكفي.. لقد مللت الانتظار! أريد قتلهم الآن، ولن تستطيع إيقافي يا ليفيان!
ـ فانيتاس.. أظن أن بإمكانك الصفح عنهم هذه المرة؛ فالأمر ليس بالشيء الكبير بما أننا أوقفنا الكارثة قبل أن تحدث.
سخر فانيتاس مرجعاً رأسه إلى الخلف:
ـ ماذا..؟! هل تمزح معي؟ هل تظن أن هذه القمامة البشرية قادرة على إحداث كارثة؟!
ـ أنا لا أقصد هؤلاء الفتيان يا فانيتاس.. بل أقصدك أنت؛ أنت من سيحدث الكارثة هنا!
صمت فانيتاس وضيق عينيه المشتعلتين بالحمرة، ثم أردف بعد لحظات من الصمت الثقيل ابتسامة مرعبة:
ـ إذن.. لنجعل الكارثة تأتي أسرع!!
تحرك فانيتاس بسرعة خاطفة تعجز العين عن تتبعها، وقبل أن يدرك أحد ما يحدث، كان قد قبض بأصابعه على عنق إيلون ورفعه عن الأرض!
ضغط فانيتاس على عنقه بقوة مرعبة، فسقط الخنجر الحجري من بين أصابع إيلون العاجزة.
صرخ ليفيان بوجه فانيتاس برعب وهو يهمّ بالاندفاع:
ـ فانيتاس..!! اتركه! ما الذي تحاول فعله—؟!
قاطع كلام ليفيان صوتٌ مرعب يبعث القشعريرة في الأبدان.. صوتُ تكسرِ عظامِ الرقبة!
لقد كسر فانيتاس عنق إيلون بدم بارد!
كان الصوت وحده وحشياً بما يكفي ليتوقف الزقاق عن التنفس. توقف إيلون عن الحركة تماماً، وذراعه التي كانت تحاول الإمساك بمعصم فانيتاس جاهدة، أُفلتت وهوت دون حراك.
ـ هل تعلم شيئاً يا ليفيان..؟ أظن أنني سأصفح عن البقية وأكتفي بهذا الفتى فحسب.
ـ ماذا..؟! هل.. هل تقول أنك كنت تخطط حتى لقتل الآخرين؟!
رد فانيتاس بابتسامة متكلفة:
ـ أجل، وما الغريب في ذلك؟ هل نسيت من أكون؟ أنا قائد عشيرة فاليريون.. الشخص الذي يهتم بمصالحه الخاصة فقط ولا يكترث بحياة الآخرين!
كانت الصدمة هي التعبير الوحيد المرتسم على وجه ليفيان؛ فلم يتوقع أبداً أن يقتل فانيتاس فتىً يبدو من ملامحه أنه لم يبلغ السادسة عشرة من عمره بعد. أما الفتيان المتبقيان، فلم يجرؤ أي منهما على النطق أو الحراك أو إصدار أي صوت؛ إذ ظنا أن فانيتاس سيقتلهما فوراً إن تفوها بكلمة، فكتم أحدهما بكاءه برعب قاتل.
مشى فانيتاس ببطء من جانب ليفيان لكي يخرج من الزقاق المظلم، وقبل أن يغادره تماماً، مال وهمس في أذن ليفيان بصوت خفيض:
ـ ليفيان.. تذكر دائماً؛ كل ما يجمعنا هو المصالح المشتركة فقط..
غادر فانيتاس المكان بخطى هادئة، تاركاً ليفيان يقف في أقصى درجات الصدمة والذهول.
وكان فانيتاس يشعر براحة كبيرة وسعادة غامرة بعد أن أفرغ كل ما كان في قلبه من حقد وغضب جراء حادثة سكب العصير.
مرت الاحتفالات في القرية بسلاسة ظاهرياً؛ فقد عاد ليفيان إلى رفاقه والقرويين لكنه كان تعيساً ومشتت الذهن، يشرد كثيراً وهو يفكر فيما حدث بالزقاق، بينما كان فانيتاس يجلس بعيداً على إفريز مرتفع يراقبه بابتسامة رضا خبيثة.
[مرّ اليوم الأول من الاحتفالات]
[اليوم الثاني من الاحتفالات]
لا يزال ليفيان تحت تأثير الصدمة والذهول، بينما يستمتع فانيتاس برؤية انكساره. ولم يثق فانيتاس بالبشر مطلقاً طوال هذه الأيام؛ فلم يمس أي طعام أو شراب قدموه. فالوحوش من سلالته تستطيع العيش دون طعام لمدة شهر كامل، ولهذا كان من السهل عليه قضاء هذه المدة ممتنعاً عن أكلهم.
[اليوم الثالث من الاحتفالات]
مرّ اليوم بشكل جيد. في هذا اليوم كان ليفيان لا يزال تحت أثر الصدمة، لكنها كانت أقل حدة من الأيام الماضية، وبدأ يتفاعل قليلاً مع من حوله. ولم يشعر بقية الأبطال بأي تغيير جوهري على ليفيان لأنهم كانوا مستغرقين في الاستمتاع بالحفلة والأجواء.
[اليوم الرابع - انتهاء الاحتفالات]
في ليلة الأمس انتهت الاحتفالات رسمياً، لكن أثرها الجميل كان لا يزال قائماً على القرويين الذين يتحدثون عنها بابتهاج باستمرار. وأصبح ليفيان يتفاعل أكثر ويبتسم معهم، متجاوزاً أزمة الحادثة تدريجياً.
[اليوم الخامس]
لا زال الحماس واضحاً على وجوه القرويين وهم يترقبون وصول الأجهزة. وفي هذه الأثناء، كان فانيتاس يدرس حالة الشاب سامايل بدقة لمعرفة ما إذا كان جسده قادراً على الصمود في لحظة امتصاص نواة الوحش أم لا.. ولم يتبقَ سوى 25 يوماً فقط على اندلاع الحرب الطاحنة!
[اليوم السادس]
استعاد ليفيان طبيعته بالكامل وتكيف مع فكرة موت الفتى إيلون، وأصبح يتحدث مع فانيتاس بهدوء وكأن شيئاً لم يكن!
وهذا بالذات ما أثار حنق فانيتاس وغضبه الشديد؛ فقد كان يرغب في رؤية ليفيان مكتئباً وحزيناً طوال الوقت، وكان هذا هو السبب الرئيسي الذي دفعه لقتل الفتى أمام عينيه. والآن، بعد أن عاد ليفيان لثباته، خسر فانيتاس المتعة التي كانت تسعده، فعادت تعابير وجهه إلى اللامبالاة والغضب المكتوم في معظم الأوقات.