الفصل الحادي والأربعون: أسرارُ الأعين الحمراء
تظاهر فانيتاس بالحزن الشديد فور سماعه لكلمات ديميترا، ووضع يده على صدره وقال بنبرة درامية:
ـ لا.. لا.. لا.. إن هذا يجرح قلبي حقاً! لا يجب على البشر أن يفعلوا هذا بي، فأنا من أتى لساعدتهم بتقديم هذا الجهاز.. أليس هذا محزناً للغاية..؟!
كان كل شيء ينبع منه يصرخ بالخداع إلا الحزن؛ فقد امتزجت نبرته بين السعادة الساخرة والحزن المصطنع.
في تلك اللحظة، لاحظ دراكاريس عيني فانيتاس اللتين تلمعان بشدة بلون أحمر قاني.
اعين عشيرة «فاليريون» تمتلك الكثير من المزايا المرعبة:
أولاً: تمنح صاحبها زيادة هائلة في القوة الخارقة وقوة التحمل وسرعة الاستشفاء.
ثانياً: كلما زاد توهج العين، ازدادت قوة الفرد الشاملة بشكل مضاعف.
ثالثاً: تساعد العين على رؤية وتتبع الأشياء الخارقة السرعة التي لا يمكن للعين العادية رؤيتها أو ملاحظتها.
رابعاً: تمكن المستخدم من ملاحظة أدق التفاصيل والأشياء الصغيرة التي لا ينتبه لها معظم البشر والوحوش.
لكن لهذه القوة ثمن باهظ؛ كلما زادت مدة استخدام العين، كان المجهود والضغط على الجسد أعظم.. ويستمر ذلك الإجهاد بالتراكم حتى يضعف الجسد تماماً ويموت صاحبه. لقد كان موتاً بطيئاً لا يقتل فوراً ولكنه يعذب صاحبه بشدة، ولهذا السبب لجأت عشيرة فاليريون إلى إعدام وقتل كل من تضعف حالته الجسدية جراء العين، واعتبروا ذلك مجرد "إنهاء لمعاناته"!
أدرك ليفيان وبقية الأبطال فوراً أن فانيتاس كان يمثل وينسج مسرحية هزيلة؛ بطبيعة الحال كان الأمر واضحاً للجميع إذ إن فانيتاس لا يجيد التمثيل إطلاقاً.. هذا ما دار في عقولهم جميعاً.
وكان الأبطال يظنون أن فانيتاس لن يفعل عينيه في هذا المكان ولهذا السبب اختبأوا خلف الجدار على أمل أن يسمعوا منه كلمات أو أسراراً مهمة لم يخبرهم بها ليفيان من قبل؛ فرغم أن ليفيان لم يحجب عنهم شيئاً قط، إلا أنهم استغلوا الفرصة فور إتاحتها مصادفة.
بعد مرور عدة ساعات، كان كل شيء قد أُعد بدقة عالية..
تم تسليم الأجهزة إلى أشخاص موثوقين من البشر رفقة خمسة من أقوى مستخدمي القوى الخارقة لحمايتهم. وجُرّب الجهاز بالفعل على أطفال هذه القرية الرئيسية، ونجح بتفوق في سحب القوة الخارقة من الأطفال ومن الأجنة التي لم تولد بعد دون أي أضرار.
وعلى إثر هذا النجاح، أرسل ليفيان الأشخاص الحاملين للأجهزة إلى بقية القرى البشرية في رحلة قد تستغرق خمسة أيام للوصول وخمسة أيام أخرى للعودة إلى هذه القرية، لسحب القوة الخارقة من جميع أطفال البشر. كما حرصوا على اختيار الأشخاص ذوي السرعة الخارقة العالية ليتولوا مهمة الذهاب إلى القرى النائية والبعيدة.
كان استعمال الجهاز بسيطاً للغاية:
تمسك الجهاز وتضغط على زر أحمر صغير ليتم تفعيله.
تضع حافة الجهاز على بطن المرأة الحامل وتضغط على زر أخضر بجانب الزر الأحمر، ليقوم بسحب القوة السحرية دون إلحاق أدنى ضرر بالأم أو الجنين.
تستغرق العملية دقيقة واحدة فقط لكل امرأة حامل لضمان سحب القوة بالكامل، أما بالنسبة للأطفال المولودين فيستغرق الأمر 30 ثانية فقط لسهولة عملية الاستخلاص.
وكانت هناك ميزة أخرى إضافية؛ فالجهاز يمتلك قدرة على تخزين القوة السحرية المسحوبة داخله عن طريق دمج الخاتم المكانِي مع وعاء سحري يوفر مساحة كبيرة لحفظ الطاقة. كان هذا الأمر مستحيلاً في العالم المادي لأن القوة الخارقة لا يمكن حبسها في أوعية تقليدية، لكن بما أن المساحة داخل الخاتم ليست مادية بل أبعاد سحرية.. فقد أصبح ذلك ممكناً!
كان الأهالي في غاية السعادة والابتهاج بهذا الإنجاز التاريخي الكبير الذي عجزت البشرية لقرون عن تحقيقه، والآن أصبح على وشك أن يكتمل. وكان الوقت المقدر لبدء الهجوم الشامل على المنطقة الغربية هو "سبتمبر 1573".. أي بعد شهر واحد فقط من الآن!
ملأت أجواء القرية أصوات الاحتفالات والأغاني، وزُيّنت بعض المتاجر والمنازل بألوان ساحرة وجميلة.
أما فانيتاس، فكان يقف بعيداً عن كل هذه الفوضى والصخب، ينظر إلى أولئك القرويين الذين يرقصون ويصرخون فرحاً. كانت تعابير وجهه غريبة، أمتزجت بين الصدمة والدهشة، وسأل نفسه:
ـ أ.. هؤلاء الأغبياء.. ألا يعلمون أنه خلال شهر واحد فقط ستحدث مجزرة مروعة ويختفي معظم البشر عن بكرة أبيهم...!!
وفي تلك الأثناء، واثناء استغراقه في تفكيره، اصطدم رجل عجوز بفانيتاس دون أن يقصد، فانسكب عصير العنب الداكن على ملابسه البيضاء النظيفة!
سقطت الأكواب الخشبية على الأرض وصدر عنها صوت عالٍ كسر ضجيج الاحتفال.. تسمر الرجل العجوز في مكانه من شدة الرعب، وعلى أثر ذلك الصوت التفت جميع الحاضرين نحو المصدر.
رمق فانيتاس العجوز بنظرة مرعبة تحمل نية قتل لا يمكن إطفؤها.. وفي تلك اللحظة، امتدت أصابع فانيتاس واستقامت كأنه على وشك أن يشق جسد العجوز إلى نصفين بضربة خاطفة!
لم يكن ليفيان وبقية الأبطال في الساحة الخارجية حينها، فقد أخذهم بعض القرويين إلى داخل أحد المتاجر للاحتفال هناك.
حرك فانيتاس يده اليمنى بسرعة متجهاً نحو رأس العجوز الخائف، لكنه فور أن لمسه، قال بنبرة هادئة:
ـ لا تقلق.. كن حذراً في المرة القادمة، أو.. لا شيء، انسَ الأمر.
كان فانيتاس يربت على رأس العجوز برفق مع ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه.
في تلك اللحظة بالذات، كان ليفيان يقف عند باب أحد المتاجر القريبة ينظر نحو فانيتاس برعب شديد ويده على سيفه، لكنه عندما رأى ذلك المنظر الهادئ، تنفس الصعداء وأرتاح قلبه.