الفصل السابع وثلاثون: ألقابُ الفرسان
وضّح فانيتاس كلامه قائلًا:
ـ لقد فهمتم الأمر بشكل خاطئ؛ أنا لا أقصد أنهم سيموتون فورًا، بل بعد انقضاء زمن..
كانت آثار الغضب لا تزال جليّة على وجه ليفيان، وكان دراكاريس محتقنًا بالحنق، بينما التزمت الفتاتان الصمت.
واصل فانيتاس شرحه ببرود:
ـ الأطفال سيموتون بالفعل، لكن بعد مرور وقت.. فالأطفال الذين لا يزالون في أرحام أمهاتهم سيعيشون عشر سنوات على الأقل، بينما الأطفال الذين ولدوا بالفعل سيعيشون فترة أطول، ويعتمد ذلك على العُمر الذي ولدوا فيه..
استفسرت ديميترا باستغراب، وهي تقف كعادتها في مؤخرة المجموعة:
ـ ماذا تقصد؟ لم أعد أفهم شيئًا..
ردّ فانيتاس سريعًا موضحًا:
ـ الأطفال حديثو الولادة سيعيشون على الأغلب أحد عشر عامًا، وكلما كان عمر الطفل أكبر عند الاستخلاص، كلما عاش سنوات أطول.. هذا ليس مصادفة؛ الصغار أجسادهم ضعيفة، وعملية سحب القوة خطيرة، غير أن أثرها الفتاك لا يظهر إلا بعد مرور الوقت..
فهم الأبطال الأمر أخيرًا؛ ورغم شروط الجهاز القاسية، إلا أنه يظل الحل الأمثل في هذا الوضع المأساوي.
ساد الصمت من جديد، وكان هذه المرة أثقل من سابقه؛ إذ لم يعرف أحد ماذا يقول، واختفت الكلمات في حناجرهم، بعدما لم يعد هناك ما يتحدثون عنه..
كسر فانيتاس هذا الصمت الخانق متسائلًا:
ـ هل اتفقنا.. أم لا..؟
في تلك اللحظة، اتجهت أنظار الجميع نحو ليفيان، القائد الملقب بـ «الفارس الأسود». لم يكن هذا اللقب عشوائيًا، بل اختاره السكان بعدما رأوه يقاتل في الساحات، ولأنه لا يتخلى عن ردائه الأسود مطلقًا.
وكان لكل بطل من الخمسة لقبٌ منحه إياه الناس، بناءً على طبيعة قدراتهم الخارقة والألوان التي يرتدونها:
ديميترا: «روح الغابة الخضراء» (قدرة الخشب)
فالكيرا: «حاكمة الماء الزرقاء» (قدرة الماء)
دراكاريس: «رجل الأرض الأصفر» (قدرة الأرض)
كايزر: «النار المبتهجة الأحمر» (قدرة النار)
ليفيان: «الفارس الأسود» (قدرة الطاقة المظلمة)
كانت قدرة ليفيان تُعد من الأنواع النادرة جدًا بين سائر القوى الخارقة.
وقف ليفيان صامتًا لبرهة، بدا وكأنه يتأمل، لكن الأفكار في داخله كانت تتطاحن وتغلي بالتوتر:
«ماذا عليّ أن أفعل في هذا الموقف؟ هل أوافق.. أم أرفض؟ ولماذا أرفض من الأساس؟ هل اتخاذ القرار المناسب ممكن هنا..؟ أعتقد أن عليّ الموافقة؛ فهذا هو الخيار الأفضل حاليًا..».
كان التوتر يعصف بليفيان من الداخل؛ فقد اعتاد اتخاذ القرارات الحاسمة شجاعة ودون تردد، لكن هذا القرار تحديدا يمسّ مصير البشرية جمعاء، ولا يتعلق به وحده. بالإضافة إلى أنه يتوجب عليهم الذهاب إلى جميع التجمعات البشرية المتفرقة للعمل بالجهاز، لأنه لو أفلت شخص خارق واحد وتمت تغطيته، فسيكون كل ما يفعلونه بلا فائدة حتى لو قتلوا قائد المنطقة الغربية.
تنفس ليفيان بعمق وقال:
ـ حـ.. حسناً، سأناقش هذا الأمر مع بقية الأبطال، وبعدها أرد عليك..
ابتعد الأبطال الخمسة مسافة قصيرة وشكّلوا دائرة ليدور النقاش بينهم. وكانت ديميترا أول من سأل:
ـ أيتها القائد، لماذا لم تتخذ القرار بنفسك هذه المرة؟ أنت تفعل ذلك دوماً..
تنهد ليفيان وأجاب:
ـ لأن الأمر غاية في الخطورة ويتعلق بستمرار الجيل البشري ونجاته، وهذا قرار مصيري لا يمكنني حسمه بمفردي..
كان جوابه منطقياً ومقنعاً لبقية الرفاق. فسألت فالكيرا:
ـ إذن، ماذا سنفعل؟
رد دراكاريس بثبات:
ـ أظن أنه يتوجب علينا الموافقة..
أيده كايزر قائلاً:
ـ أجل، أعتقد ذلك أيضاً.. إن وافقنا فسننقذ البشرية، رغم أننا سنفقد مليار شخص من أصحاب القوى الخارقة والعديد من الأطفال.. لكن، هل تتذكرون تلك اللحظات الماضية؟ حينها فقدنا الأمل في نجاة البشرية تماماً، واتفقنا على تهريب شخصين فقط، ذكراً وأنثى، لننقذ السلالة من الإبادة المحتومة.. لكننا وجدنا جثتيهما في اليوم التالي ملقاتين في الغابة ومقتولين بوحشية!
كانت تلك الذكرى الأليمة هي الحافز الأكبر الذي يدفع الأبطال للاستمرار في القتال والتضحية بكل شيء تجنباً لإبادة جنسهم.
سألهم ليفيان بصوت جاد:
ـ إذن.. حسمنا قرارنا، أليس كذلك؟
أجابوه بالترتيب:
ـ أجل.
ـ يمكننا فعل ذلك.
ـ هذا هو الخيار الأفضل.
ـ لا بأس بذلك.
اتخذ الأبطال الخمسة قرارهم النهائي، والتفتوا نحو فانيتاس الذي كان ينظر إليهم بابتسامة خبيثة، وكأنه كان يعلم جوابهم مسبقاً..