الكوارث المتسلسلة الفصل 34

اقرأ الكوارث المتسلسلة الفصل 34 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الرابع وثلاثون: شرطُ الغابةِ وميثاقُ الظلال

وقف "ليفيان" مصلوباً في موقعه؛ تمزقه الحيرة واللوعة.. هل يضحي بتلميذه الذي يرقد في غيبوبة عميقة؟ لقد قطع عهداً قاطعاً لأخيه المتوفى بأن يرعى ابنه ويحميه بحياته، فكيف له الآن أن يستل الخنجر ويغرزه في قلب ابن أخيه باسم نجاة العالم؟!

مسح ليفيان دموعه الساخنة بظهر يده، ثم استدار بخطى ثقيلة نحو أحراش الغابة المظلمة التي اختفى فيها المسخ "فانيتاس".

شاهد رفاقه الأبطال مغادرته دون أن يتحرك منهم أحد أو ينطقوا بكلمة لمنعه. كانوا يعلمون أنهم إن أيدوا موقفه، فسيخسرون الغاية الأسمى التي ينزفون من أجلها؛ وهي حماية البشرية وتأمين مستقبل آمن للأجيال القادمة. أما إن وقوفوا ضده، فسيُفهم أمرهم على أنه خيانة وإجبار قاسٍ لرفيق دربهم، وكأنهم يهمسون في أذنه: "دع تلميذك يموت وحيداً لينجو ملايين الغرباء، فلو عاش هو فسنموت نحن جميعاً!".

لذا، كان الصمت الخانق هو الملجأ الوحيد في هذه اللحظة الحساسة.

توغل ليفيان بين أشجار الغابة الكثيفة، ومشى مسافة قصيرة قبل أن يتوقف ويرفع صوته بنبرة قاطعة:

ـ قل لي.. ما الذي تبغي الوصول إليه حقاً؟ هل تهدف حقاً لإنقاذ شعبك من الوحوش الثائرة، أم أنكم تسعون خلف "سامايل" لتسخيره لأهدافكم المظلمة؟! هيا.. أجبني!

أمال ليفيان رأسه لنحو الأعلى؛ وهناك، فوق غصن شجرة أثيلة، كان فانيتاس يقف متكئاً ببرود، ينظر إليه بابتسامة تهكمية ساخرة، ثم قال بصوت يقطر استهزاءً:

ـ ماذا الآن؟ ألن تعتذر لي كما زعمت؟ "هل عليّ حقاً الاعتذار من ذلك المسخ؟!"

قلّد فانيتاس صوت ليفيان المنكسر ونبرته الباكية قبل أن ينفجر ضاحكاً بقهقهات مجنونة هزت جنبات الغابة:

(ههههههه! هاههاهاها! هههه!)

ترددت ضحكاته المستفزة بين الأشجار، بينما التزم ليفيان الصمت التام، وشخصت عيناه بنظرة قاتمة وباردة تحبس الأنفاس.. نظرة مشحونة بنية قتل كتمت أنفاس الفضاء وجعلت قشعريرة باردة تسري في جسد فانيتاس رغماً عنه!

تلاشى الاستهزاء تدريجياً من وجه المسخ، فنطق ليفيان ببرود:

ـ ماذا الآن؟ ألن تنزل لإكمال المفاوضات، أم أنك فضلت نكث العهد؟

رمقه فانيتاس لبضعة ثوانٍ، ثم قال وهو يضبط نبرته:

ـ بل سنكمل المفاوضات.. ورغم أنك لم تقدم اعتذارك الشفهي بعد، إلا أنني سأتجاوز ذلك؛ فهناك ما هو أعظم وأهم من كبريائك المكسور.

قفز فانيتاس من أعلى الشجرة بسلاسة، ليهبط على قدميه دون أن يصدر أدنى صوت، وأردف:

ـ وسنتجاهل بطبيعة الحال اقتراح تلك الفتاة ذات الشعر الأزرق الطويل أيضاً.. أليس كذلك؟

تذكر ليفيان فوراً كلمات فالكيرا الهمسية: (ليفيان! إنها فرصتنا الذهبية لنهجم عليه ونقتله!).

تصبب العرق الخفيف على جبين ليفيان؛ لقد أدرك أن فانيتاس سمع كل كلمة قيلت بفضل حواسه السمعية الخارقة التي تمكنه من التقاط أطراف الحديث الهامس بين شخصين على بعد كيلومتر كامل! كانت هذه الحقيقة غائبة عن أذهان الأبطال الخمسة، وتعمّد فانيتاس كشفها ليفرِض هيمنته ويُفهمهم أن الغدر به أمر مستحيل.

غير أن ليفيان تحكم بثباته ونقل مجرى الحديث مباشرة:

ـ إذن.. لدي شرطان لا تنازل عنهما.

ـ وما هما؟

صمت ليفيان لبرهة يستجمع فيها إرادته، ثم واصل بثبات:

ـ الشرط الأول: عندما يستعيد "سامايل" وعيه —وبما أنك من سيشرف على إيقاظه— فسأسأله بنفسي أمام الجميع إن كان يرغب بالتضحية بحياته من أجل البشرية أم لا. إن قال "لا"، فستدعونه وشأنه وتنسون أمره للأبد! أما إن قال "نعم"، فسأتركه يقرر مصيره بنفسي برغم عدم موافقتي الضمنية، وأفضل حينها أن تغذوا جسده بنواة وحش أسطوري ليتعافى دون أن يفقد حياته.

صمت فانيتاس وضيّق عينيه بحدة، ثم أردف بعد لحظات:

ـ هذا الشرط يجحف بحقنا كثيراً.. لكنني مضطر للموافقة عليه. إذن، ما هو شرطك الثاني؟

رد ليفيان بعينين ثابتبين:

ـ شرطي الثاني هو أن ترتحلوا بكافة عشائركم مع الوحوش الثائرة إلى ذلك العالم الآخر الذي تتحدث عنه، وأن تجلوا عن هذه الأرض بالكامل!

خيم صمتٌ خانق بين الاثنين.. صمتٌ شحنه التوتر حتى أوشك الفضاء على الانفجار، قبل أن يكسره فانيتاس بابتسامة غامضة ومراوغة:

ـ موافق! لكن في المقابل.. لدي شرطٌ واحد، ليس لك بمفردك، بل موجه للأبطال الخمسة جميعاً!

اندهش ليفيان من سرعة موافقة فانيتاس؛ فقد توقع أن يثور المسخ غضباً أو يبدأ قتالاً ضارياً بسبب شرط الجلاء الكامل، غير أنه أبدى مرونة مريبة!

على الطرف الآخر من الغابة، كان بقية الأبطال الخمسة يجلسون عند حافة منحدر صخري يطل على قرية بشرية وادعة. كانت المساحات الخضراء والمروج تحيط بالمكان من كل جانب دون وجود أشجار كثيفة، وتنتشر فيها نحو تسعمئة منزل مبني من الطين والحجارة.

كان الأبطال يجلسون بوجوم، والغابة تقبع خلف ظهورهم. نطق "كايزر" بصوت خفيض وكسير:

ـ هل تعتقدون أن ما فعلناه ووقوفنا صامتين كان صواباً.. أم أننا اقترفنا خطيئة بحق ليفيان؟

ردت "ديميترا" وهي تضم ركبتيها إلى صدرها:

ـ لا أعلم.. كل شيء يبدو مشوشاً ومظلماً في ذهني.

بينما لزم الآخرون الصمت

دراكاريس: " ————"

فالكيرا: "————"

غرقت نظراتهما في المدى البعيد.

وفي تلك اللحظة.. انشقت أغصان الأشجار خلفهم، وخرج ليفيان رفقة فانيتاس من ظلال الغابة! لم يفصح فانيتاس لليفيان عن طبيعة شرطه الجديد، بَل فضّل أن يلقيه صراحة على مسامع الأبطال الخمسة مجتمعين!