الكوارث المتسلسلة الفصل 32

اقرأ الكوارث المتسلسلة الفصل 32 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الثاني والثلاثون: خطيئةُ الأجداد: لغزُ عام 1500

سأل الفتى الذي ألقى به المتعجرفُ أرضاً بنبرة مترددة مشوبة بالحيرة:

ـ عذراً.. أودّ أن أسألك أيها الحاكم؛ لماذا أجدادُنا هم السبب؟ وما الذي اقترفوه تحديداً؟

ارتسمت علامات السرور على ملامح العجوز مالاكاي؛ فقد أثلج سؤاله صدره بعدما ظن أن أحداً من هذا الحشد المذعور لا يلقي بالاً للتاريخ. ونطق بنبرة وقورة:

ـ أتحبّون معرفة الحقيقة؟ إذن سأروي لكم ما حدث كلياً.. في عام 1500، لم يكن العالم الذي نشأتم فيه كما أدركتموه؛ فلا تطور تكنولوجي، ولا مدن حديثة، ولا منازل فاخرة.. في ذلك الزمان الغابر، كانت معظم المساكن مشيدة من القش والحجارة وحتى الطين البسيط.

كان الطلاب يعرفون هذه الحقائق التاريخية مسبقاً من مناهجهم الدراسية، لكن أحداً منهم لم يجرؤ على مقاطعة العجوز أو استعجاله.

مضى مالاكاي يُكمل بصوت ينساب كالهمس عبر الفضاء الأبيض:

ـ في ذلك العهد، كان التعداد البشري لا يتجاوز أربعة مليارات نسمة فقط.. وكان من بينهم مليار شخص يمتلكون قوى خارقة وميولاً قتالية، بينما كانت والوحوش الضارية تقاسمهم العيش على الأرض!

انتابت الدهشة جموع الحاضرين؛ إذ لم يستوعبوا فوراً أن سلالاتهم وأجدادهم كانوا يمتلكون قوى خارقة دون أن يصلهم خبر ذلك في العصر الحديث، غير أنهم آثروا الصمت الخائف. بينما تشجع الفتى ذاته وسأل برغم ارتعاد جسده:

ـ إذن.. كيف اختفت القوى الخارقة والوحوش كلياً من العالم الحديث دون أن يتبقى لها أثر؟

ابتسم العجوز مالاكاي وأجاب:

ـ لا تتسرع.. فالأسرار تُكشف تباعاً كحلقات السلسلة.

تراجع الفتى خطوة وهو يشعر برهبة تقشعر لها الأبدان، ليواصل مالاكاي سَرْدَ التاريخ القديم:

ـ في تلك العصور المظلمة، خاض البشر أصحاب القوى الخارقة صراعات دموية ضد الوحوش التي تمتلك الوعي والذكاء.

ساد الشك نفوس بعض الطلاب وظنوا أن العجوز يسرد خرافات، فبادر طالب آخر من الحشد بالسؤال:

ـ أيها الجد.. كيف تمتك الوحوش وعياً وذكاءً كالبشر؟!

رد مالاكاي بثقة مطلقة:

ـ بالطبع.. كانت هناك نسبة ثلاثين بالمئة من الوحوش تمتلك الوعي والذكاء البشري، ورغم أن بعضها كان يستند إلى الغريزة البدائية، إلا أنها كانت مدركة للواقع والوجود من حولها.

كانت نبرة مالاكاي الواثقة تجبر المستمعين على تصديق كلماته؛ إذ لم تكن نبرة شخص خرف، وبدأ الكثيرون يتطلعون لشغف لمعرفة سر اندحار تلك المخلوقات.

واصل العجوز حديثه:

ـ وعندما طغى ظُلم الكيانات الشيطانية الشرسة، بدأت الوحوش تتقدم على حساب البشر؛ فاستغلت غياب الفرسان أصحاب القوى الخارقة وهاجمت القرى الآمنة لسفك دماء المدنيين الأعزل. ورغم أن أربعين بالمئة من الوحوش السابقة ذات الوعي لم تشارك في تلك المجازر وآثرت الاعتزال وعيش حياة هادئة بالتغذي على الكائنات الأضعف، إلا أن الحظر البشري فرض نفسه.. فبالرغم من كره تلك العشائر الشائبة للبشر، قررت خطوة غير متوقعة: المبادرة بتقديم المساعدة للبشرية!

تنفّست الجماهير بصعوبة وشخصت الأبصار نحو العجوز، مستمعة لكل تفصيلة بتركيز شديد.

في ذلك الحين.. تقدم أحد قادة الوحوش النبلاء؛ كان يمتلك جسداً بشرياً ممشوقاً، ويرتدي ثياباً بيضاء ناصعة. تميز بأذنين طويلتين حادتين، وشعر أبيض مسترسل، وعينين يتوهج فيهما الأحمر القاني..

وقف بمفرده دون حراس أمام أقوى خمسة أبطال بشر في ذلك العصر!

سأله أحد الأبطال الخمسة، وهو فتى ذو شعر أسود حاد ونظرات ثاقبة:

ـ أعلنتَ أنك تبحث عن تحالف معنا.. لماذا؟

رد المسخ النبيل بنبرة جافة:

ـ نحن لا نُكنّ المحبة لفصيل الشياطين الثائرة، ولا نحبكم أنتم البشر أيضاً.. ولم نكن نرغب في الاقحام في شؤونكم المزعجة. لكن ذلك الثعلب القذر تجاوز حدوده وأصبح يهدد وجود عشيرتنا بأكملها..! ولتعلموا جيداً أن شعبي يتمنى موتكم أيها البشر بأبشع الطرق وأكثرها شناعة.

ساد الصمت بين الأبطال الخمسة، ولم يبادر أحد بالرد.. باستثناء بطل واحد!

ـ ونحن نكرهكم ونمقُت وجوهكم الغبية أيضاً أيها الوحوش!

كان ذلك الصوت الصارخ نابعاً من البطل الثاني؛ فتى يتدلى شعره الأحمر الناري ليغطي فكيه من الأمام ويمتد مغطياً عنقه من الخلف، بينما تتدرج أطرافه الشقراء باللون الأصفر الشمسي. لم تكن صرخته تنضح بالكره أو الضغينة، بل كانت صرخة حماس وفرح ينبع من أعماق قلبه القتالي!

انزعج المسخ من نبرته المرتفعة، غير أنه كتم غيظه، ومد يده نحوهم أفقياً وقال:

ـ سنساعدكم في دحر الوحوش الثائرة.. بشرط واحد فقط أيها البشر!

ثقُل الهواء في المكان، وارتسمت الجدية الصارمة على وجوه الأبطال الخمسة.

أكمل المسخ كلماته بصوت خفيض ومرعب:

ـ أعلمُ أن بينكم شخصاً يمتلك القدرة على شق الفضاء البعدي وفتح بوابة نحو عالم آخر، برغم أنه لا يتقن السيطرة على قواه حالياً.. أليس كذلك؟

اتسعت عينا أحد الأبطال؛ فتى ضخم البنية ذو شعر أشقر مصفف للأعلى، يرتدي درعاً ذهبياً يغطي صدره فقط، وسأله بصدمة:

ـ كيف عرفت بوجوده؟!

ابتسم المسخ ابتسامة استفزازية، وتألق الأحمر في عينيه بوميض حاد:

ـ أيها البطل "دراكاريس".. أنت تستهين بشعبي وبفرق الاستخبارات التي أنشأتها! ألم يصل إلى مسامعك أن عشيرة "فاليريون" هي أعتى وأقوى عشيرة استخباراتية في هذا العالم؟

وفي هذه الأثناء، تدخلت البطلة الأنثى بين الخمسة، وقالت بسخرية لا ترحم:

ـ حقاً؟ يبدو أن المسوخ والوحوش باتت تتشدق بأسماء العشائر والفرق الاستخباراتية..! حقاً، يبدو أن القذارة أصبحت تمتلك تنظيماً يتفوق على البشر في كل شيء!

استشاط المسخ غضباً مكتوماً، واستحالت نظراته الباردة إلى نيزك من المقت الموجه نَحْوَ الفتاة ذات الشعر الأزرق الساطع والأحداق الزرقاء الشبيهة بالياقوت! حدق بها وكأنه على وشك شق جسدها بنظراته الخالية من الرحمة..

وعلى الفور.. تأهب الأبطال الخمسة لاتخاذ وضعيات القتال، مستعدين لصد أي هجوم مباغت من قائد عشيرة فاليريون!