الفصل الواحد والثلاثون: حُكّامُ الموريم
فجأة، انشقّ الفراغ الأبيض عن اشخاص اخرون من الحضور، غير أن مظهرهم كان شائذاً ومختلفاً كلياً عن بقية البشر!
كان يجلس بينهم رجل عجوز طاعن في السن تحت ظلال شجرة ضخمة ظهرت بالتزامن مع وجوده. وحوله يقف بضعة أشخاص: طفل، وفتاة، وفتى بالغ، وفتاة أخرى.. لكن لم يكن أيٌّ منهم بشرياً طبيعياً على الإطلاق!
الطفل: كان يمتلك شعراً أبيض ناصعاً، ويضع عصابة حمراء على جانبي رأسه. عيناه كنتا بيضاوان، أما يده اليسرى فكانت حمراء متفحمة كأنه جلده ميت، وتنتهي بمخالب سوداء حادة.
الفتاة الأولى: كانت ذات شعر وردي وعينين صفراوين براقتين، ويمتد من خلفها ذيل ثعلب ناعم وتبرز من رأسها أذنا ثعلب حادتان.
الفتى البالغ: شعرُه ناري الأحمر، وعيناه صفراوان تتوسطهما حدقة مشقوقة طولياً كأعين الأفاعي السامة.
الفتاة الثانية: يكسو رأسها شعر أخضر زمردي، ولها عينان خضراوان، ويبرز من جانبي جبهتها قرنان سوداء على كل جانب.
العجوز: كان يمتلك شعراً أبيض طويلاً يتدلى على ظهرِه، وعينين سوداوين كالليالي الخالية من النجوم. وبرغم عدم وجود طفرات ظاهرة على جسده، إلا أن حضورَه كان يفرِض هيبة مرعبة على كل من حوله.
كان الجميع بلا استثناء يرتدون أزياء فاخرة على طراز أبطال "الموريم" (عالم الفنون القتالية القديمة) بألوان متناسقة؛ العجوز بالأبيض، الفتى البالغ بالأحمر، الطفل بالأبيض أيضاً، الفتاة الثعلب بالوردي، والأخرى بالأخضر. وكانت أزياؤهم مطرزة بخيوط الذهَب والألماس التي تخطف الأبصار.
كان هؤلاء الخمسة يقفون بجانب العجوز الجالس على منصة بيضاء دائرية ترتفع خمسة أمتار عن الأرض التي يقف عليها الحشد. وكانت المنصة مغطاة بعشب أخضر تتوسطه شجرة ذات أوراق بيضاء ناصعة.
نطق العجوز بنبرة هادئة، لم تكن جهورية ولا ضعيفة، لكن صوته اخترق آذان الجميع بوضوح تام، رغم اتساع المكان وآلاف الحضور:
ـ إذن.. جرت العادة أن نرحب بهؤلاء الوافدين الجدد إلى هذا العالم.. دعوني اعرفكم على اسمي، اسمي هو "مالاكاي"، وأرحب بكم بصفتي حاكماً لهذا العالم!
همس أحد الطلاب لرفيقه باستخفاف:
ـ حاكم..؟! ماذا يقول هذا العجوز؟ أظن أنه قد خرف أو فقد عقله!
رد عليه الآخر بتردد:
ـ ربما يكون محقاً.. ألم تسمع كيف وصل صوته إلى آذاننا جميعاً برغم هذا الزحام؟!
في تلك اللحظة، انتفخت العروق في جبهة الطفل الواقف بجانب العجوز، واشتعل عينيه غضباً؛ فوضع يده فوراً على مقبض سيف الـ "كاتانا" المعلق على خصره الأيسر، مستعداً للاندفاع وقطع رأس الفتيين المستخفين رغم بعدهم!
غير أن العجوز "مالاكاي" أوقفه بنبرة هادئة:
ـ لا بأس.. اهدأ يا "ريوجين"، لا داعي لإثارة الفوضى من أجل ترهات.. لا تنسَ أن هذا أمر بسيط اعتاد عليه وجودنا منذ 1000 سنة.. لا بل أكثر، فلابد أني نسيت كم من العقود قضيناها في هذا الفراغ!
فور سماع الفتى "ريوجين" لكلمات العجوز، استعاد هدوءه ورفع يده عن مقبض السيف.
تقدم فتى من بين الحضور كان أقربهم مسافة إلى المنصة، وسأل بتهذيب:
ـ معذرة أيها الجد "مالاكاي".. لكن أين نحن الآن؟ لقد ذكرتَ أنك حاكم هذا العالم، مما يعني أنك تعرف السبب وراء انتقالنا إلى هنا.. أليس كذلك؟
مسد مالاكاي لحيته البيضاء الطويلة، وأجاب بثبات:
ـ أجل..! أعرف تماماً كيف انتقلتم إلى هذا العالم.. وأعرف السبب الخفي وراء ذلك أيضاً!
وفجأة! اندفع فتى متعجرف من بين صفوف الطلاب، ودفع الفتى المتردد بقسوة حتى أسقطه أرضاً، ثم صرخ بوجه العجوز بطيش:
ـ إذن أنت..! أنت هو الوغد الخرف الذي جلبني إلى هذا المكان الملعون، أليس كذلك؟! والدي رجل أعمال مشهور ولديه أموال نفوذ وأشخاص أقوياء جداً! فور عودتي إلى المنزل، سأخبر والدي بكل شيء وسأجعله يرسل رجاله ليلقنوك درساً لن تنساه في حياتك!!
انفجر العجوز ضاحكاً بسخرية عارمة هزت جنبات القاعة، ضحك من أعماق قلبه حتى دمعت عيناه:
(ههههههه! هاههاهاها! هههه!)
هدأ العجوز قليلاً، ومسح الدمعة التي فرت من أحداقه ثم قال:
ـ هل تعرف شيئاً؟ لم أضحك من كلام شخص بهذه الطريقة منذ مئات السنين! أنت حقاً فتى مضحك جداً.. هههه!
رفع رأسه ونظر إلى الفتى المتعجرف وأردف:
ـ عندما تعود إلى منزلك.. أخبر والدك بـ...
توقف عن الكلام يحاول كتم ضحكته التي عادت تتصاعد مع تردد عبارة الفتى في أذنه:
(سأخبر والدي بكل شيء وسأجعله يلقنك درساً لن تنساه!)
غطى مالاكاي فمه بيده اليسرى، وأدار رأسه جانباً وهو يلوح بيده الأخرى ببرود نحو الفتى المتعجرف...
وفجأة.. اختفى الفتى!!
اختفى من مكانه في أطراف المنصة وكأنه لم يطأ هذا المكان قط!
تصلب الحضور في الصفوف الأمامية من الصدمة؛ إذ أدركوا فوراً أن هذا العجوز كائن مهيب لا يمكن العبث معه مطلقاً. وكان بين الشاهدين على هذا المشهد معظم أعضاء مجموعة كارثاس:
لينيان، كارثاس، نيرون، كاي، ليست، باني، باوني، وأوزيريس.
تجمد الجميع في أماكنهم، ولم يجرؤ أحد على الصراخ أو الحركة.
غير أن الفتى المتعجرف لم يمت؛ بل وجد نفسه يسقط فجأة في منتصف الحشد الخلفي المكتظ، ليرتطم بالأرض وهو ينفض رعباً وهلعاً، عاجزاً عن التلفظ بحرف واحد بعد أن تملك الخوف جسده بالكامل!
كسر العجوز ذهول الحشد، ومضى يكمل إجابته للفتى الأول دون أن يتجاهل السؤال كما ظن الجميع:
ـ حسناً إذن أيها الفتى.. هل تعرف من يتوجب عليك لومه على هذا الحال الذي أنت فيه الآن؟ دعني أخبرك.. إنهم أجدادُك! هم السبب الحقيقي وراء وجودك هنا، فلا تلمني أنا؛ فأنا مجرد من يمد لكم يد العون.. بل لُم أجدادك الذين ارتكبوا الخطأة في الماضي البعيد..!