الفصل الثلاثون: البعد الأبيض وتلاشي الكارثة
استحالت القطة كائناً قبيح المظهر بشدة؛ إذ تمددت العروق الدموية على وجهها حتى غطته بالكامل، بينما انبعثت أربع أذرع متعفنة من خلف ظهرها، وانتفخت ملامحها بشكل مرعب.
ولم يتوقف التحول عند هذا الحد؛ بل طالت مخالبها لتتجاوز المتر الكامل، وتمزق فمها ليصل إلى وجنتيها، كاشفاً عن أسنان متعفنة وغير منتظمة.. لقد غدا كل شيء فيها قذراً ومروعاً إلى أقصى حد.
توقف المسخ عن الصراخ المدوّي، ونقل نظراته الشائهة نحو الطلاب القريبين منه.
وفجأة.. انبعث في المدى صوت عزف ناعم على "ناي"، صوت لم يسمعه أحد إطلاقاً! لا كارثاس، ولا أوزيريس، ولا لينيان، ولا أيٌّ من الحضور المتجمهرين..!
كانت هذه القطة المشوهة هي الكائن الوحيد الذي استمع لترنيمة هذا الناي الغامض!
ولم تكن تسمعه لأنها الأقوى أو الأفضل، بل بفضل حاسة السمع المطلقة التي حظيت بها؛ فالقطط تمتلك بالعادة حاسة سمع حادة، لكن هذا الكائن الهجين ورث تلك الحاسة بأضعاف مضاعفة، مما جعله يلتقط الذبذبات الخفية في الهواء.
كان كارثاس هو أول من استطاع رفع رأسه والنظر إلى هذا المسخ، وعلى الفور أصابته الغثيان وتقيأ قسراً، وتلاه العديد من الحضور الذين لم يتحملوا بشاعة المنظر.
رفع أوزيريس أنظاره هو الآخر، لكنه تمنى في سريرته لو أنه لم يرفع رأسه قط؛ فقد كان المشهد يفوق الاحتمال!.
لسانها طويل يتدلى من فمها، وساق نحيلة تتناقض مع الساق الأخرى الضخمة والمشوهة.. غير أن ما أجبرهم جميعاً على التقيؤ كان منظومة الأذرع المتعفنة والقذرة الممتدة من ظهرها!
وقبل أن يستوعب الطلاب الفاجعة، تحركت القطة المشوهة بعشوائية وسرعة بطريقة غريبة نتيجة عدم التوازن بين ساقيها المتفاوتتين،
ولوحت بمخالبها باتجاه أقرب مجموعة من الطلاب، لتقطع أجسادهم في لحظة واحدة إلى شرائح متناثرة!
عم الذعر المكان مجدداً، وفي حين استطاع أوزيريس كبح جماح رغبته في التقيؤ سابقاً، إلا أنه الان لم يستطع السيطرة على معدته وسقط يتقيأ كبقية الطلبة من حوله.
التفت المسخ فجأة نحو كارثاس، واقتحم المساحة بينهما بهجوم مباغت.
أصايب كارثاس بالذعر، فارتد إلى الخلف مسرعاً في محاولة للنجاة، وركض بأقصى ما يملك من قوة وهو مذعور بالكامل.
أدار كارثاس رأسه ليجد أن المسخ بات على بعد مترين فقط منه، يلوح بمخالبه الشاهقة محاولاً إنهاء حياته!
وفي آخر ذرات طاقته، لمعت فكرة في ذهنه وسارع لتنفيذها فوراً؛ إذ علم أنه إن لم يخاطر الآن فسيقتل محالة! وجّه تركيزه الكامل وشعوره الداخلي نحو قدميه؛ فلم يكن متأكداً إن كان هناك شيء سيتغير في جسده، لكنه راهن بآخر ما يملك.
فعل ذلك لأنه منذ لحظة حصوله على القوة الخارقة، كان يشعر بتيار غريب يسري في عروقه، واستنتج أن هذا هو تدفق الطاقة لديه.
انبثقت شرارات البرق الأصفر حول قدميه، وازدادت سرعته بشكل ملحوظ، ليبدأ بالابتعاد عنها. أخذ يدور حول المنطقة المفتوحة التي يقعون فيها، ولم يجرؤ على الاقتراب من أطراف الغابة المظلمة؛ خوفاً من أن يخرج له كائن آخر ينهي حياته بلا شك.
أراد زيادة سرعته أكثر، فضخ كل ما تبقى من طاقة في قدميه ليصنع مسافة عشرات الأمتار بينه وبين المسخ. غمرته الفرحة لهذا الابتعاد، غير أن هذه السعادة لم تدم طويلاً..
فلأنها المرة الأولى التي يضغط فيها على قوته بهذا الشكل، تعثر بحجر صغير ملقى على الأرض! وكان هذا الحجر الضئيل كافياً لخلل توازنه وطرده أرضاً!
تدحرج جسده على التراب، وأصيب بجروح طفيفة في أجزاء متفرقة من جسده. وقف على الفور، لكنه شعر بأن العالم بأكمله بدأ يدور من حوله بحدة.
ترنح وسقط مجدداً، ممسكاً برأسه وهو يعاني من تشوش شديد في أفكاره.
غير أنه قاوم الدوار ونهض فوراً عندما تذكر المسخ المندفع نحوه. وجد الكائن الشاذ على بعد أمتار قليلة فقط يركض بافتراس؛ حاول تجمع البرق في قدميه مجدداً، إلا أن الطاقة كانت قد نفدت تماماً من جسده، وكان المسخ أسرع منه بكثير!
تجمد كارثاس في مكانه، واقتنع كلياً بأن هذه هي نهايته المحتومة.
أغمضت لينيان عينيها ودموعها تنهمر، أما أوزيريس فشاح بنظره عن المشهد وأطرق رأسه نحو الأرض مفكراً:
«لقد أنقذته سابقاً لأنه مفيد بقوته الخارقة.. إن مات كارثاس الآن فسينهار نظام المجموعة ويموت الجميع، ورغم تكبره إلا أنه حافظ على استقرار الأمور بقوته.. لكن كل ذلك سينتهي الآن!».
حدق كارثاس مطولاً في الوحش المتجه نحوه بضراوة، وأدرك أن الموت بات يحاصره من كل جانب، فأغلق عينيه مستسلماً لمصيره المحتوم.
كان جفناه يرتجفان، والدماء تنزف من جرح على وجهه أحدثته السقطة.. أغمض عينيه لفترة وظل ينتظر الضرب الفتاكة، لكن شيئاً لم يحدث!
فتح عينيه ببطء شديد، لتتسع حدقتاه بذهول مطلق مما يراه الآن!
كل شيء حوله كان أبيض بالكامل! لا توجد جدران، ولا يوجد سقف!.
أول فكرة خطرت بباله هي أنه قد مات بالفعل، لكنه استبعد الفكرة فوراً عندما رأى جميع الأشخاص الذين كانوا معه بما فيهم أوزيريس ولينيان والآخرون يقفون في المكان ذاته ينظرون حولهم بصدمة وتفحص!
عم الصمت المطلق، واختفى الصخب والذعر؛ إذ صمت الجميع، سواء من كان يصرخ أو يبكي.
لم يعرف أحد ماهية هذا الفضاء الغريب، لكنهم كانوا الوحيدين فيه للوهلة الأولى. حاول كارثاس التفكير ملياً:
«أين أنا؟! وما هذا المكان العجيب؟!».
كانت هذه التساؤلات هي ذاتها التي تجول في أذهان جميع الطلاب. أما أوزيريس، فقد شعر بغضب مكتوم؛ لأن كل شيء بات يتحول إلى ألغاز معقدة تتطلب حلاً، وهو يفضل الأمور البسيطة بدلاً من فك الشفرات والعيش في هذه الظروف القاسية!
وفجأة ومن اللاشيء.. ظهر أشخاص غريبون انبعثوا من الفراغ! واستمر ظهورهم المتتالي حتى امتلأ المكان الأبيض الفسيح بهؤلاء الغرباء؛ حيث باتت كل بضعة أمتار تضم ثمانية أشخاص أو أكثر لا يعرفون بعضهم البعض إطلاقاً! ظن بعض الذين كانوا نائمين أنهم فارقوا الحياة أثناء نومهم، قبل أن يتراجعوا عن تلك الفكرة وهم يتأملون هذا العالم الغريب..