الفصل التاسع والعشرون: طنينُ التحول وصرخة الشؤمعم صمتٌ خاضع للذهول؛ صمتٌ أخرس حتى الصرخات، وشل حركات الهاربين في منتصف الميدان، وجمّد دموع الباكين في أحداقهم.كل ذلك حصل لمجرد أن يتأكدوا من حقيقة ما سمعوه: هل نطقت تلك القطة الشبحية لتوها؟! كان الأمر مفاجئاً ومروعاً للجميع دون استثناء.سأل كارثاس بصوت ارتعشت فيه نبرة الصدمة والغضب:ـ هل.. هل نطقتِ لتوكِ..؟! وكيف تعرفين أساساً عن أمور مثل "التكنولوجيا"؟!صمتت الكائنة ذات هيئة القطة للحظة، يتوهج الأحمر في عينيها بصمت، ثم أردفت بنبرة مقطعة:ـ أجل.. أنت.م أيها الب.شر لا تعر.فون شي.ئاً عن هذا الع.الم.. وإن كن.ت تر.يد أن تعر.ف ذلك ف.لن أم.انع على أي حا.ل..نقرت مخالبها على رأسها مرتين متتاليتين، وأكملت موضحة:ـ هذا.. بسب.ب.. الذكر.يات..!دارت الأفكار في عقل كارثاس بذهول:«أجل.. هذا منطقي! حين تستولي تلك الكيانات على جسد بشري، فإنها تمتص ذكرياته وخبراته كاملة! لم تكن تعرف الكلام سابقاً، لكنها تعلمته فوراً من ذكريات تلك الفتاة، وعرفت مفهوم التكنولوجيا من عقلها!».لكن أوزيريس كان يحلل المشهد من زاوية أخرى أكثر عمقاً، مفكراً في سريره:«بما أن الشبح استولى على جسد بشري وانتقلت الذكريات إليه، فهذا يفسر التغير.. تلك الأشباح تتحرك في مجموعات، وتستنزف قوة العدو بالتدريج عبر إرسال كشوفات صغيرة.. وحتى لو تكبدت خسائر، فإن الاستيلاء على بشري واحد يعوض كل ما فقدوه بالمعرفة والوعي. لكن.. لماذا قامت بالاندماج مع بقية الدمى رغم أنهم يعتبرون حلفاء لها؟! أظن أن ذلك يرجع لتدني ذكائها الفطري أو اندفاعها الغريزي للسيطرة..».التفت أوزيريس ينظر نحو الموضع الذي كان يفترض أن يتواجد فيه نيرون، لكنه لم يجده.نقل نظره يبحث عنه بين الحشد المتردد على أطراف الغابة، فلم يلمحه. نظر نحو الوحش بتمعن، ثم نحو الشجرة الضخمة في المنتصف ولم يجد له أثراً هناك أيضاً. وأخيراً، أدار رأسه نحو الظلال الخلفية البعيدة.. وهناك كان نيرون يتكور على نفسه بين عتمة الأشجار وضوء القمر الخافت، ينبض قلبه رعباً من أن تلتهمه الوحوش من الخلف أو تباغته القطة، في خفاء الظلام ليتسنى له الهرب فور حدوث أي خطورة حاسمة.تفاجأ أوزيريس من قدرة نيرون على التسلل من خلفه دون إحداث أدنى صوت، وفكر باستخفاف:«ماذا يفعل هذا الغبي هناك؟».تأكد أوزيريس أن هذا الفتى شديد الجبن ولا يصلح لمواجهة هذه الفضائع، لكنه آثر الصمت ولم ينطق بحرف، إذ كان هو الآخر يود لو لم يطأ هذا المكان من الأساس.أعاد أوزيريس نظره نحو الحشد، ومضى في تحليل المشهد:«حسناً.. على ما يبدو فإن هناك المزيد من تلك الدمى قادمة، وحسب ما أتوقع يجب أن يظهروا الآن بأعداد أكبر؛ مما يعني وجود زعيم خفي يدير هذه القطعان ويرسلها إلينا..».وكان حدسه في محله؛ إذ انبثقت من قلب الظلمات دفعة جديدة من الدمى، لكنها لم تكن بأعداد غفيرة كما توقع، بل وردت أعدادهم أقل على نحو غير متوقع، ناهزت الثلاثين دمية فقط.كانت القطة على وشك التفوه بشيء جديد لاستفزاز كارثاس، لكنها تجمدت في مكانها فجأة! اتسعت عيناها على مصراعيهما كأن سلكاً خفياً كبلها.في هذه الأثناء، أحكم كارثاس قبضة يده وضرّ على أسنانه بقوة، محاولاً كتم ثورة غضبه من التفجر، وكانت كل أنظاره معلقة بالقطة المتجمدة، ومن شدة حنقه لم يلاحظ الموقف الخطير حوله!إذ كانت هناك دمية تسللت وتجمدت على بعد متر واحد منه فقط، وكانت تمد يدها لتمسكه وتقلبه قتيلاً، لولا أن خنجراً غُرس في منتصف رأسها وأرداها قتيلا ط ! كان أوزيريس هو من تحرك كأسرع ما يكون لينقذه.سحب أوزيريس خنجره وتراجع للخلف بخطوات متزنة، بينما التزم كارثاس الصمت وهو ينظر بصدمة إلى الدمية التي كانت على وشك إنهاء حياته.(أغغغاهغهاهغهغغهه..!)صدر صوت حشرجة مرعب من القطة التي أخذت تمسك برأسها وتتلوى من ألم عظيم! كانت الشقوق الحمراء الدقيقة تنتشر بضراوة وسرعة مرعبة على وجهها، وكأن حريقاً يلتهم ملامحها من الداخل.شعر كارثاس بتوتر جارف وأدرك أن أمراً فضيعاً على وشك الحدوث، بينما ضغط أوزيريس بيده على قبضة الخنجر الملطخ بالدم الأزرق بكل قوة.أما لينيان، فكانت تجثو على ركبتيها على الأرض، تطوق بكلتا يديها الشفرة الحادة وهي تنتحب بصمت. سألت نفسها بحسرة:«لماذا لا أتحرك؟! لماذا لا أقاتل؟! لماذا يكبلي الخوف إلى هذا الحد؟!».كانت تعصر قبضتها على السلاح ودموعها تتساقط فوق المعدن البارد، وأكملت في داخلها:«إن لم أفعل شيئاً الآن.. فسيتفوق كارثاس عليّ كلياً، وحينها سأكون أنا الخاسرة.. لا أريد أن أكون أقل شأناً منه! لا أريده أن يسخر مني دائماً كما اعتاد أن يفعل!».صمتت لبرهة، ثم رفعت رأسها بجمود واتخذت قرارها؛ ستقتل إحدى الدمى حتى لو كلفها ذلك حياتها، فلن تقبل أن تبقى في ظل أخيها الأكبر.قامت ومشت بخطى بطيئة ونحيلة نحو إحدى الدمى التي كانت هي الأخرى تتقدم نحوها بآلية.لم ينتبه لا كارثاس ولا أوزيريس لحركة لينيان، لكن المعركة توقفت فجأة!سقطت لينيان على ركبتيها مجدداً ووضعت يديها بكتم شديد على أذنيها، ولم تكن هي الوحيدة، بل سارع كل الطلاب في الساحة إلى سد آذانهم باستغاثة!كان أوزيريس يضغط على أذنيه بقوة وهو واقف، وكذلك فعل كارثاس ورفاقه الخمسة الموزعون بين الطلبة.كان السبب في ذلك النحيب القادم من القطة؛ إذ بدأت تتحول إلى وحش كاسر وتطلق صرخة غير بشرية على الإطلاق! لم تكن صرخة عادية، بل كانت تشبه طنيناً معدنياً حاداً يثقب الأدمغة.إلا أن أحداً من الطلبة المذعورين لم يسعفه الوقت ليضع يديه على أذنيه.. وفي تلك اللحظة بالذات، انبثقت الدماء بغزارة من أذنيه، وسقط أرضاً يتلوى ويصرخ بأعلى صوته، دون أن يسمعه أحد بسبب قوة الطنين المدوية التي غطت على كل صوت!نجح بقية الطلاب في حماية أنفسهم بوضع أيديهم على آذانهم قبل أن يتفاقم الصوت ويصل لمرحلة الفتك، أما ذلك الفتى المسكين فكان ضحية هذا الإهمال؛ حيث توقف عن الحركة بعد لحظات ولقي حتفه مضرّجاً بدمائه.وفي هذه الأثناء، بدأت تغييرات جذرية ومروعة تعصف بجسد القطة الممسوسة؛ أذرع شاذة وطويلة بدأت تنبثق من خلف ظهرها، ومخالبها زادت طولاً وفتكاً، لتفقد بذلك آخر ملمح من شكلها البشري الشبه جميل، متحولة إلى مسخ !
الكوارث المتسلسلة الفصل 29
اقرأ الكوارث المتسلسلة الفصل 29 باللغة العربية على مانجا تايم.