الكوارث المتسلسلة الفصل 27

اقرأ الكوارث المتسلسلة الفصل 27 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل السابع والعشرين: زحف الدمى وظلال الخطر

شعر أوزيريس بكتلة من الغضب تشتعل في صدره بعد سماع كلمات الفتى نيرون، لكنه كتمها بجهد، وأخذ نفساً عميقاً يهدئ به روعه، ثم سأل نيرون بنبرة خفيضة:

ـ نيرون.. هل كان كارثاس ولينيان يتقاتلان طوال الساعات الثلاث الماضية أيضاً؟

تأتأ نيرون وهو يبتلع ريقه:

ـ أ.. أجل، كانا يخوضان قتالاً محتدماً طوال الوقت تقريباً! فبعد أن تجمدتَ أنت في مكانك كالصخرة، اندلعت المواجهة بينهما فوراً.

في تلك اللحظات، نهضت الفهدة المجهدة ووقفت على قدميها بتثاقل، لتتحرك فوراً الشفرات السوداء الخمس المحلقة خلفها؛ حيث أخذت تدور حولها بسرعة خاطفة وكأنها شفرات منشار مستعدة لتقطيع أي جسد يعترض طريقها إرباً إرباً.

كانت لينيان سليمة لم تصب بأي خدش ظاهر، غير أن الإرهاق الشديد كان يكسو ملامحها إثر استنزاف معظم طاقتها السحرية. أما كارثاس، فكان مجهداً هو الآخر لكنه أفضل حالاً منها بكثير. وقف يحدق بلينيان بسخريته المعتادة، ونطق بعد لحظات من الهدوء والصمت الخانق:

ـ ماذا الآن؟ هل سترجعين قطتك المصابة إلى مخبئها؟ قد تموت فوراً وعندها ستصبحين مجرد عبء بلا أدنى فائدة تذكر.. هذا محزن جداً، أليس كذلك؟

وفجأة، اشتدت الرياح وانبعث منها صفير قوي ومزعج يثقب الآذان. ومن لا شيء، ظهرت فتاة غامضة تقف عند أطراف الغابة المظلمة، تحديداً في المساحة الخافتة التي يقع فيها ضوء القمر، بينما يتمدد ظلام الغابة الدامس خلف ظهرها وكأنها انبعثت من جوف العتمة!

كان شعرها أسود طويلاً جداً، وترتدي ثياباً بيضاء مهلهلة كأنها طيف شبح. وقف الجميع يحدقون بصدمة وذهول نحو تلك الفتاة؛ إذ كان شعرها المسترسل يغطي كامل ملامح وجهها، مما أضفى رعباً ورهبة شلت الحشد بأكمله. كانت تشبه تماماً تلك الكائنات الشبحية التي تظهر في أفلام الرعب، مما بث التوتر في نفوس الحاضرين، بمن فيهم كارثاس الذي كان الأقوى بينهم جميعاً.

ولم تكن وحدها..!

إذ بدأت فتيات أخريات يخرجن تباعاً من الظلمات؛ يتشابهن كلياً في المظهر، والثياب البيضاء، والشعر الأسود الطويل، والطول الشاخص.. تطابق مخيف وجامد كأنها نسخ مكررة! لم يخرج ثلاث أو أربع، بل خرجت العشرات منهن متدفقات من الشجر!

كانت أيديهن بيضاء شاحبة تميل إلى الزرقة، وكان الخوف يشتد لأن جميع الفتيات كنّ حافيات الأقدام، مما جعل المشهد مرعباً إلى أقصى حد.

ازدادت العاصفة شدة، وأخذت أغصان الأشجار تتمايل باضطراب، بينما واصلت تلك الفتيات الغامضات التقدم بخطى ثقيلة. حينها انطلقت أصوات البكاء والصراخ الخائف تملأ أرجاء المكان، مما أثار حنق كارثاس؛ فهو يكره ضعفاء النفوس الذين يبكون في الأزمات. التفت نحو الحشد خلفه وصاح فيهم بتهديد مرعب:

ـ اصمتوا أيها الأوغاد! وإلا سأكون أنا من يجهز عليكم ويقطع ألسنتكم!!

عندها كتم الجميع صراخهم، وحاولوا البكاء بصمت دون إصدار أي صوت يُذكر. أما لينيان فظلت صامتة، تراقب المشهد دون أن تنطق بكلمة.

تقدم كارثاس بثبات نحو تلك المخلوقات الشبحية القادمة من الظلام، ومر بجانب لينيان دون أن يمسها بسوء. اشتعلت شرارات البرق الأزرق من يده اليسرى، وارتسمت على شفتيه ابتسامة غرور وفخر.

اندفع كارثاس فجأة نحو إحدى الفتيات وضربها بقبضته المشحونة على رأسها بكل قوته، فسقطت على الأرض وصريعة فوراً بعد تحطم رأسها! تفاجأ كارثاس من سهولة القضاء عليها، فالتفت إلى الخلف وصاح بصوت عالٍ يشحذ همم الحشد:

ـ هييي! هيا تعالوا واهجموا! إنهم ضعفاء جداً ويمكن لأي شخص عادي أن يصرعهم بسهولة!

لكن أحداً لم يتحرك فوراً؛ بل خيم التوتر والخوف مجدداً، وأخذ الطلاب يتهامسون بتردد:

ـ هل علينا الذهاب حقاً؟

ـ لماذا يتوجب علينا قتالهم؟

ـ هل سنموت إن لم نتقدم؟

ـ هل هذا أمر منه أم مجرد تهديد؟

ـ ربما الأمر سهل بالنسبة له فقط لأنه يمتلك قوى خارقة!

توالت الأسئلة والهمسات دون توقف، في حين كان كارثاس يضرب رأس إحدى الفتيات بالأرض مراراً وتكراراً حتى تهشم بالكامل، ثم رفع رأسه ومسح قطرات الدم الملتصقة بذقنه.

في تلك الأثناء، تقدم خمسة أشخاص من بين الحشد وانضموا إلى كارثاس؛ وكانوا هم أصدقاءه الذين كان يجلس معهم سابقاً:

الفتى الذي طلب من أوزيريس جلب الحطب وكان يدعى "كاي".

والفتى الذي أخذ الحطب من القادمين من الغابة وكان اسمه "توريس".

والفتى الذي حاول تهدئة الحشد سابقاً وكان يدعى "ليست".

بالإضافة إلى التوأمين "باني" وا"باوني".

كان "كاي" هو أول من بادر بالهجوم؛ إذ وجه ضربة بقبضته بكل قوته نحو بطن إحدى الفتيات الشبحيات وهو يغمض عينيه برعب. فتح عينيه بتوتر، ليجد تلك الفتاة ملقاة على بعد أمتار وهي تنزف دماً أزرق من بطنها.. وهو اللون ذاته للدم الذي ينزف من الجثث السبع التي صرعها كارثاس.

عندها تحمس باقي الأصدقاء، واندفعوا يضربون تلك الفتيات اللاتي تبين أنهن أشبه بـ "الدمى الخشبية" أو الآليات الضعيفة؛ إذ كان قتلهن سهلاً للغاية كأنك تسحق نملة تحت قدمك!

تراجع كارثاس إلى الخلف قليلاً يراقب أصدقاءه وهم يقاتلون بضراوة، ثم التفت نحو بقية الطلاب المترددين وصاح بصوت عالي:

ـ أرايتم الآن لماذا نصبت نفسي قيادياً عليكم؟ أنا وأصدقائي من يحميكم! انظروا بتمعن ولا تفوتوا تفصيلاً واحداً…!!

أشار بيده نحو أصدقائه وهم يجهزون على الدمى، ثم أكمل بغرور:

ـ هل عرفتم الآن سبب تصرفي؟ هذا أفضل من أن قادة جبناء لا يستطيعون حماية أنفسهم!

وجه أنظاره النارية نحو لينيان، وفهمت هي المغزى الساخر من كلماته، لكنها كتمت غيظها والتزمت الصمت لعدم قدرتها على الرد في ظل وضعها المجهد.

اقتربت الفهدة "ليا" من لينيان وقالت لها بنبرة خفيضة:

ـ لا تهتمي لكلماته الساخفة، فهو يتعمد إذلالك وتقليل شأنك.. لذا لا تجيبيه.

تشكلت البوابة السحرية التي خرجت منها الفهدة سابقاً خلف ظهرها مباشرة، فالتفتت لينيان نحو الفهدة وقالت بهدوء:

ـ حسناً.. أظن أن هذا يكفي يا ليا. لا يمكنني الاعتماد على الآخرين طوال حياتي، وسأحاول تدبر أمري بنفسي دون مساعدة من أحد. أنا آسفة حقاً على تلك الجروح البالغة التي سببها لكِ كارثاس.. يمكنكِ الآن العودة للاستراحة وشفاء جراحكِ.

لم تعترض الفهدة، وبدأت البوابة تجذبها وتسحبها إلى الداخل مجدداً، لكن قبل أن تختفي بالكامل التفتت وقالت للينيان:

ـ حسناً إذن.. استدعيني فوراً إن مررتِ بظرف حرج يا لينيان.. وكوني حذرة جداً!

انغلقت البوابة السحرية واختفت، وفي تلك اللحظة بالذات، توقفت الشفرات السوداء الخمس عن الدوران وسقطت على الأرض بلا حراك.

تشجع معظم الطلاب بعد ذلك واندفعوا نحو تلك الدمى يقتلونها بسهولة ويسر. غير أن حدثاً مريباً وقع دون أن ينتبه له أحد؛ إحدى الدمى الشبحية تسللت من الخلف ونفذت إلى ظهر إحدى الطالبات، وكأنها دخلت إلى داخل جسدها واختفت تماماً دون أثر!

انتهت الموجة الأولى وماتت كل الدمى المهاجمة، وظن الجميع أن الخطر قد زال كلياً.. لكن فجأة، خرجت فتيات شبحيات أكثر بكثير من ظلمات الغابة؛ بأعداد مضاعفة وأضعاف ما قتلوه للتو!