الفصل السادس والعشرون: فجر جديد وعودة إلى أرض الواقع
ضرب القاضي بمطرقته الخشبية بقوة على الطاولة أمامه، ليدوي الصوت في أرجاء القاعة المكتظة، ثم نطق بصوت
عالي:
ـ الحكم النهائي هو... (براءة)!
على الفور، ضجت القاعة بالهمسات والتمتمات المتداخلة بين الحضور. تنفس ليرين الصعداء، وأطلق تنهيدة ارتياح طويلة كان يكتمها في صدره منذ ساعات. كما بدت ملامح أوزيريس أكثر استرخاءً وارتياحاً فور سماعه للقرار، قبل أن يقاطع القاضي همهمات الجمهور بنبرة حازمة:
ـ صمتاً في القاعة!
ضرب بمطرقته مرة أخرى ليعيد النظام، ثم أردف قائلاً:
ـ والآن، سيتم نقل الطفل إلى دار أيتام أخرى ليكمل حياته هناك.. هل من اعتراض؟
ساد الصمت بين الحضور، ولم يعترض أحد. لكن ليرين نهض من مقعده فجأة، وقال بصوت رسمي تخللته رعدة توتر خفيفة:
ـ سـ.. سيدي القاضي، لدي اقتراح.. هل تسمح لي بالكلام؟
رد القاضي وهو يرتب بعض الأوراق الرسمية على الطاولة أمامه:
ـ هممم.. حسناً، ما الذي تريد قوله؟
تنهد ليرين وتحدث بنبرة واثقة:
ـ أقترح أن تضعوا أوزيريس تحت رعاية أخي.
توقف القاضي عن تقليب الأوراق وسأله بجدية:
ـ ولماذا تحديداً؟
أجاب ليرين مسرعاً:
ـ عائلة أخي مكونة من ثلاثة أفراد: أخي، وزوجته، وابنته الصغيرة. وهو يرغب بشدة في احتضان طفل ذكر، وأنا موقن أنه سيكون سعيداً جداً بتبني أوزيريس. لقد حاول سابقاً عدة مرات تبني طفل، لكن محاولاته لم تكلل بالنجاح، حيث كانت الدور تختلق الأعذار وترفض طلبه في كل مرة.
كرر القاضي سؤاله بنبرة أكثر حزماً:
ـ هذه ليست إجابة كافية.. لماذا تعتقد أن هذا هو الخيار الأفضل للطفل؟
أطرق ليرين رأسه لبرهة ثم قال:
ـ إن تم نقل أوزيريس إلى دار رعاية جديدة، أخشى أن المكان الجديد سيعيد تذكيره الدائم بأصدقائه الراحلين في الميتم القديم، مما قد يضر بنفسيته تضرراً بالغاً.. وقد يدفعه ذلك إلى الانهيار أو حتى التفكير في الانتحار.
غرق القاضي في التفكير، وعادت القاعة لتكتسي بالصمت الخانق مجدداً. كان المحقق ساغورو مرتاحاً لهذا الطرح، في حين كان ليرين ممسكاً برأسه بتوتر بالغ بعد جلوسه؛ إذ انتابه الشك والخوف من أن تصريحه قد يبدو غير مدروس أو مبالغاً فيه.
رفع القاضي رأسه أخيراً ونطق:
ـ هذه فكرة سديدة.. لم أفكر بالجانب النفسي بهذه الطريقة من قبل. حسناً إذن، سيوضع الطفل تحت رعاية أخيك، وستتكفل الدولة بصرف مبلغ مالي شهري للطفل ولعائلة أخيك لمساعدتهم في رعاية مستلزماته.
نهض القاضي من مقعده وضرب المطرق بقوة على اللوح الخشبي معلناً:
ـ إذن.. رُفعت الجلسة!
فور إعلان الحكم، بدأ الحضور بالمغادرة دون الاهتمام كثيراً بأوزيريس؛ فالكثير منهم جاءوا لمتابعة قضاياهم الخاصة فحسب. غادر ساغورو وتلميذته لينيا القاعة برفقة ليرين، وتوجهوا نحو البوابة الخارجية بانتظار خروج أوزيريس بعد استكمال الإجراءات الورقية.
بعد دقائق، خرج أوزيريس الصغير وهو يفرك معصميه المحمرين أثراً للضغط القاسي الذي خلفته أصفاد الشرطة. وقف إلى جانبهم صامتاً. كان ساغورو على وشك بدء حديث معه، إلا أن سيارة بيضاء ذات مظهر متوسط ـ ليست بالفارهة ولا القديمة ـ توقفت قريباً منهم.
نزل منها رجل في الثلاثينيات من عمره، وفور رؤيته لليرين، أسرع نحوه وعانقه بقوة عارمة وهو يقول بسعادة لا توصف:
ـ شكراً لك يا أخي! شكراً على هذه المساعدة.. أنا.. أنا مدين لك بحياتي!
حاول ليرين دفع أخيه عنه بحرج وتوتر حتى نجح في إبعاده بصعوبة، بينما كان المحقق ساغورو يراقب الموقف بتعابير مشدوهة وغير معتادة على هذا التعبير العاطفي المفاجئ.
انتبه رجل الثلاثينات لوجود المحقق، فنظم افكاره واستعاد هدوءه سريعاً، ثم قال بنبرة رسمية:
ـ أوه، مرحباً بك! أنت محقق القضية السيد ساغورو، أليس كذلك؟ أنا المحقق ساغورو تيراتشي، سررت بلقائك.
ضحك الرجل بخفة وأجاب:
ـ هههه.. أهلاً بك يا سيد ساغورو! أنا أيضاً سررت بلقائك، اسمي هو "راديان".
رد ساغورو وهو يدفع أوزيريس برفق نحو راديان:
ـ حسناً يا سيد "راديان".. سأضع هذا الطفل أمانة في عهدتك.
اشتعل الحماس فوراً في عيني راديان بمجرد رؤيته لأوزيريس الصغير. أما أوزيريس، فكان غارقاً في انزعاج مكتوم، ولم يكلف نفسه عناء النظر إلى وجه راديان أو مبادلته التحية.
بعد وقت قصير، كان أوزيريس يجلس في المقعد الخلفي للسيارة، محدقاً في الكرسي أمامه ببرود تام. كان راديان يلتزم الصمت أثناء القيادة، لكن ملامح الفرح العارم كانت تملأ وجهه. ومع حركة السيارة المنتظمة، غلب النعاس أوزيريس، فاستسلم لنوم عميق...
فجأة، انقشع شريط الذكريات وعاد أوزيريس إلى الواقع!
التفت يميناً ويساراً بحيرة وضياع يملآن عينيه، ليجد الفهدة الشرسة التي استدعَتها لينيان ملقاة على الأرض تعاني من جروح بالغة، وبجانبها خمس شفرات سوداء حادة تحلق في الهواء بتهديد. أما كارثاس، فكان يقف بثبات ودون أضرار تذكر، باستثناء جرح بسيط وسطحي على يده اليمنى.
كانت لينيان تتخذ وضعية القتال الشرس، وتحدق بكارثاس بعينين تنفجران بحقد ومقت لم ينطفئ قط، بل ازداد اشتعالاً.
وقف أوزيريس يراقب المشهد بصدمة وعدم فهم لما آلت إليه الأمور، ثم التفت نحو الفتى القابع بجانبه، وسأله بصوت خفيض:
ـ أنت.. لقد تحدثنا كثيراً من قبل، هلا أخبرتني ما هو اسمك؟
تفاجأ الفتى شديد المفاجأة من سؤال أوزيريس المفاجئ في مثل هذا التوقيت الحرج والمشتعل، لكنه آثر الإجابة فوراً؛ إذ كان الخوف يسيطر على جسده بالكامل بدلاً من الكبرياء. فالخوف قد يكون سبباً للنجاة أحياناً، أما الكبرياء الزائف فهو شيء يتلاشى فور الموت وينساه الجميع.
تأتأ الفتى برعدة:
ـ اسـ.. اسمي هو "نيرون".. هذا هو اسمي أيها الشخص الغريب!
التفت أوزيريس نحوه باستغراب وسأل:
ـ أنا غريب؟ لماذا؟
رد نيرون ورعدته تزداد:
ـ لأنك كنت تتحدث مع نفسك لفترة طويلة، ثم بقيت واقفا لثلاث ساعات متواصلة دون أن تحرك ساكناً !. وبعدها تحركت فجأة وصرت تسأل عن اسمي! أنا أسف لكنك حقاً غريب الأطوار يا هذا..
أخذ أوزيريس يتمتم لنفسه بصدمة وذهول:
«أنا..؟ بقيت واقفاً لثلاث ساعات كاملة بلا حراك؟! لقد شعرتُ وكأنها كانت مجرد دقائق معدودة فقط..!»