الكوارث المتسلسلة الفصل 25

اقرأ الكوارث المتسلسلة الفصل 25 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الخامس والعشرون: صمت القاعة وندوب الذاكرة

تساءلت لينيا باستغراب:

ـ لماذا صفر بالمائة أيها المعلم؟

غادر الشرطي المكان، بينما رد ساغورو بهدوء:

ـ ستعرفين كل شيء في المحكمة.

تمتمت لينيا بتذمر طفيف:

ـ أنت غريب يا معلم! لماذا لا تخبرني الآن؟ هل سيحدث شيء خطير إن أخبرتني؟

ابتسم ساغورو ابتسامة خفيفة وقال:

ـ لقد قلتُ لكِ عدة مرات، لا يجب عليكِ الاستعجال في مثل هذه الأمور.. لأن الاستعجال قد يكون.. حسناً، لنقل إنه ليس جيداً فحسب.

كادت لينيا أن تضحك، وقالت له بتهكم:

ـ أوووه أيها المعلم! ألا تستطيع حتى إعطاء نصائحك بشكل جيد لتلميذتك؟ أنت غريب حقاً!

كانت لينيا فتاة صغيرة في السن، شعرها بني يصل إلى كتفيها، بينما كان ساغورو في العشرينيات من عمره بشعر أسود حاد. وكانت ملامح لينيا توحي بأن عمرها ثمانية عشر عاماً أو أصغر بقليل.

في تلك الأثناء، مَرّت النقالة التي يحمل عليها المسعفون جثة "غيرين"، مغطاة بقماش أبيض تلطخه بقع حمراء داكنة، بينما كان رأسه مكشوفاً. نظر ساغورو إلى الجثة فشعر بالغضب يتأكل داخله.. ولم يكن وحده، بل كانت النظرة ذاتها تكسو وجه أوزيريس الصغير أيضاً. وُضعت النقالة داخل سيارة الإسعاف وأُغلق بابها بقوة.

تقدم شرطي آخر وبدأ بتقديم تقريره للمحقق:

ـ أيها المحقق ساغورو، لدي تقرير جديد.

ـ ما الجديد لديك؟

أجاب الشرطي:

ـ عدد الضحايا بلغ 27 طفلاً، ومع الجدة "ستيلس" أصبح العدد الإجمالي 28 ضحية.

بدون أن يشعر، بدأت الدموع تتساقط من عيني أوزيريس بصمت كعادته.. وتدفقت في ذهنه الذكريات القديمة؛ تذكر أول يوم دخل فيه إلى هذا الميتم، حين كان طفلاً انطوائياً لا يقترب من أحد ولا ينطق بكلمة واحدة.

كان ممتنعاً عن الأكل والشرب في أيامه الأولى، مما أثار قلق الجدة ستيلس، فامتنعت هي الأخرى عن الطعام والشراب لعدة أيام تضامناً معه! وبعد إصرارها الشديد، أكل أوزيريس أخيراً برغم أنه لم يكن يحبها وقتها. كانت الجدة تبتسم وتضحك دائماً حتى وإن أثار الأطفال الفوضى والمشاكل. ورغم أنه لم يقضِ في هذا الميتم سوى عام واحد فقط، إلا أنه كان أجمل عام مر في حياته القليلة.

اشتعل الغضب مجدداً في قلب أوزيريس، ونظر نحو سيارة الإسعاف التي تحمل جثة القاتل. أخذ ينزع الضمادة البيضاء عن يده اليمنى متوجهاً نحو السيارة. أزال الضمادة بعد عناء؛ كانت يده سليمة ظاهرياً، لكن عضلاتها الداخلية كانت متمزقة ومجهدة من شدة الضرب والضغط.

قبض على يده اليسرى ونزع باقي الضمادة، وتقدم نحو السيارة بغضب عارم، لكن ساغورو اعترض طريقه وأمسك بكتفه الأيسر ليمنعه من التقدم. أثار هذا حنق أوزيريس فصرخ في وجهه:

ـ لماذا تمسكني؟! اتركني!!

قاطعه ساغورو بنبرة هادئة وحازمة:

ـ أوزيريس.. أياً كان ما تريد فعله بتلك الجثة، فلن يفيد في شيء، هل تفهم ذلك؟ وحتى لو كان حياً لمنعتك من التقدم أيضاً.. هل تعرف لماذا؟

بقي أوزيريس صامتاً، فأكمل ساغورو:

ـ لأنك لم تجبني عندما سألتك عما حدث وصمتّ.. لذا سأمنعك من التقدم يا أوزيريس.

كتم أوزيريس بكاءه بجهد مضنٍ بسبب آلام ذراعه اليمنى، وحزنه العارم على الجدة والأطفال الذين، برغم عدم اختلاطه الكبير بهم، إلا أن رحيلهم ترك جرحاً عميقاً في نفسه.

بعد ساعات، وصلت عدة سيارات إسعاف مخصصة لنقل الجثامين ونقلت الجميع.

وبعد انقضاء بضع ساعات.. كان أوزيريس يقف بمفرده في منتصف قاعة المحكمة مكبل اليدين بأصفاد الشرطة. كان القاضي يقرأ تقريراً ختامياً من أوراق أمامه، بينما خيم على القاعة صمت ثقيل وخانق.

جلس المحقق ساغورو بين الحضور عاقداً ذراعيه بتوتر ملحوظ رفقة تلميذته لينيا، وكان يجلس بجانبهما الرجل صاحب النظارات السميكة. همس الرجل للمحقق:

ـ إذن يا سيد ساغورو.. هل تتوقع أن يخرج أوزيريس من هذا المكان براءة؟

رد ساغورو:

ـ لقد قلتُ لك عدة مرات لا تقل لي "سيد"، فأنت أكبر مني سناً يا سيد "ليرين".

أجاب ليرين:

ـ حسناً، ليس من المريح أن تناديني بـ "سيد" أيضاً، هذا غريب بالنسبة لي لكني سأحاول الاعتياد عليه.

كان أوزيريس يرتجف بتوتر غريزي بسبب كثرة الأنظار الشاخصة نحوه؛ فقد كانت القاعة مكتظة بالحضور والأجهزة الإعلامية، وكان حائراً ومذعوراً بشأن مصيره المجهول.

رفع القاضي نظارته وبعد لحظات من الصمت المطبق، نطق بصوته الوقور:

ـ حسناً.. بعد مراجعة الأدلة والتقارير المرفقة، توصلتُ إلى الحكم النهائي. بالنظر إلى السجل الإجرامي الحافل للجاني "غيرين"، وكون أوزيريس طفلاً يبلغ من العمر سبع سنوات فقط، فقد تبين أن ما قام به كان دفاعاً شرعياً عن النفس داخل المأوى الذي يقطنه، بعد أن اقتحمه القاتل وحاول تصفية الجدة ستيلس المسؤولة عن الدار، والتي حاولت إعاقته، ليستغل أوزيريس الفرصة ويدفع الخطر عن نفسه.. وبناءً على ذلك، فإن الحكم النهائي هو...

ساد القاعة توتر شديد، واشرأبت أعناق الحضور لمعرفة القرار الحاسمن برغم ثقتهم بالنتيجة. كان أوزيريس يرتجف، بينما كان ليرين يعض على أصابعه من شدة القلق. أما ساغورو فكان يبتسم ببرود ويقين.

نطق القاضي بصوت هز القاعة:

ـ الحكم النهائي هو…