الفصل الثاني والعشرون: ولادة الظلام
لكن القاتل توقف فجأة في مكانه! انحرفت أنظاره المذعورة نحو قدمه ليجد يداً مرتجفة تقبض على كاحله بإحكام شديد.. كانت تلك اليد للجدة «ستيلس»، والتي كانت تقاوم أوجاعها القاتلة قدر المستطاع لتمنع السفاح من الوصول إلى أوزيريس!
ترددت رعدة التعب في يد الجدة العجوز، لكنها واصلت التمسك به ببسالة.. أخذ القاتل يحرك قدمه اليسرى بعشوائية واضطراب، إلا أن الجدة، ورغم وهنها وإصابتها البالغة، رفضت إفلات كاحله.
بدأ التوتر يلتهم القاتل؛ فأخذ يركل العجوز بقدمه اليمنى بقسوة، أملاً في أن تخور قواها وتفلت قدمه، لكن دون جدوى!
كان وجه «ستيلس» ملطخاً بالدماء، وعيناها تبدوان كعينين لجسد فارق الحياة، إلا أن رغبتها المستميتة في حماية أوزيريس غدت أخر وأعظم غايتها قبل أن تغمض عينيها إلى الأبد..
وقف أوزيريس الصغير مشلول الحركة، والدموع تنهمر من عينيه كالسيل، حتى تناهى إلى مسامعه صوت مبحوح وخافت جداً يكاد لا يُسمع قادماً من جهة الجدة:
ـ أُو... أوزيـ..ـريس.. اهـ..ـرب.. بسرعة..!!
ازداد توتر القاتل، ورغبةً منه في الفرار السريع، ألقى بالسكين جانباً متخلياً عنه، وحاول التوجه نحو الباب الخلفي للميتم؛ إذ يبدو أنه درَس المكان جلياً قبل الاقتحام. لكنه غيّر رأيه فجأة، وجلس فوق بطن العجوز يضغط على عنقها بكلتا يديه، كمحاولة أخيرة لخنقها وتصفيتها سريعاً قبل أن يهرب!
استقر السكين الملطخ بالدماء على الأرضية بجانب العجوز المنهوكة..
وفجأة، امتد صوتٌ متهكم وساخر في أرجاء الغرفة:
ـ هل ستستمر في البكاء فقط..؟ لماذا لا تتحلى بالشجاعة ولو لمرة واحدة في حياتك يا أوزيريس؟ أم أنك مجرد ضعيف عاجز، لا يجيد سوى الانتحاب والصراخ وهو يرى جثث أصدقائه تتساقط أمامه؟! لماذا تكتفي بالبكاء فقط..؟ لماذا لا تقتله؟! هل أنت خائف؟
كان المتحدث هو نسخته الأخرى!
كان يرتدي الثياب ذاتها ويمتلك القامة ذاتها، ووقفت النسخة خلف أوزيريس الصغير، والشر والاسفتزاز يطفحان من ملامح وجهها. وضع ذراعه على كتف أوزيريس المنهار وقال بصوت ينبثق منه الخبث:
ـ انظر يا أوزيريس.. تلك العجوز تحتضر الآن أمام عينيك، ألا تريد إنقاذها؟ ألسْتَ تعتبرها أمك الثانية؟ إذن فلتتشجع وتقتله..!! انتقم لرفاقك وأصدقائك وأنقذ الجدة.. ولكن حذار، عليك أن تسرع وتتخذ قرارك قبل أن تزهق «ستيلس» روحها على يديه، فأنت لا تملك متسعاً من الوقت!
توقف أوزيريس عن البكاء فجأة، وتحولت نظراته العاصفة إلى سواد قاتم، وحدث نفسه ببرود:
«أجل.. الأمر بسيط جداً. كل ما عليّ فعله هو سفك بعض الدماء وإنهاء هذه المأساة.. ولكن كيف أقتله؟ إن تقدمتُ نحوه بيدين فارغتين فسوف يقتلني بسهولة».
أخذ أوزيريس يدير عينيه يميناً ويساراً في أنحاء الغرفة بحثاً عن أي شيء يفتك به بهذا المجرم. التفت نحو الباب الخشبي خلفه، فلاحظ وجود قطعة أُجُر (طابوقة ثقيلة) كانت تُستخدم لتثبيت الباب ومنعه من الإغلاق.
اتجه أوزيريس نحو قطعة الأُجُر وأمسك بها؛ كانت ثقيلة الصلابة وقاسية الملمس. قابضاً عليها بيده اليمنى بقوة عاتية حتى انغرست حوافها الحادة في أصابعه الصغار، فنزفت منها قطرات الدماء دون أن تتغير نظراته الصارمة.
غدت ملامح وجهه مظلمة كلياً، وكان جلياً أنه اتخذ قراره النهائي الذي لا رجعة فيه، بلا خوف ولا تردد.
تقدم بخطى ثقيلة نحو الرجل، ثم رفع قطعة الأُجُر وهوى بها بكل قوته على رأسه!
سقط القاتل جانباً على الأرض وهو يتلوى من شدة الصدمة، قابضاً على رأسه بكلتا يديه. لمحت عينا أوزيريس الجدة «ستيلس» وهي تغالب الموت؛ إذ بدأت الرغوة البيضاء تخرج من فمها وهي تفقد وعيها تدريجياً، مما أدى إلى اشتعال غضب عارم وشرس في أعماق أوزيريس!
خطا أوزيريس بضع خطوات ثقيلة، ثم قفز وجلس فوق بطن الرجل بالطريقة ذاتها التي كان يجلس بها السفاح فوق الجدة!
كان الرجل لا يزال يحمي وجهه ورأسه بيديه، فتلقى ضربة أخرى عاتية بالطابوقة أصابت يديه ووجهه. لم يكتفِ أوزيريس بذلك، بل واصل الضرب بجنون.. صرخ القاتل متألماً، لكن صرخته كُتمت بضربة ثالثة متتالية كسرت أصابعه التي تحمي رأسه!
توالت الضربات القاسية، وكان القاتل يحرك يديه في كل اتجاه محاولاً الاتقاء بضراوة، حتى اخترقت ضربة حاسمة دفاعه وأصابت رأسه مباشرة، فتشبث الجمود بجسده وتوقف عن الحركة، بينما تلطخت قطعة الأُجُر بالدماء الداكنة حتى صُبغت بالكامل.
توقف أوزيريس لثوانٍ، وإزاح يدي الرجل عن وجهه؛ كان القاتل مغشياً عليه، والدماء تغمر القناع الأسود الذي تشربها حتى النخاع.
رفع أوزيريس قطعة الأُجُر وهوى بها مجدداً ومجدداً.. مرتين، ثلاثاً، أربعاً! ومع كل ضربة عاتية، كانت قدما القاتل ترتفعان عن الأرض لبرهة من شدة الصدمة، بينما تطايرت الدماء القانية في كل اتجاه لتلطخ وجه ثياب أوزيريس.
ارتفعت ضحكات النسخة المظلمة القابعة بجانبه، وأخذت تشجعه بحماس وشر يتطاير من عينيها:
ـ أحسنت! أحسنت! هيا اضرب.. اضرب! هههه.. مجدداً، مجدداً حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة! كيكيكيكي!
لاحظ أوزيريس أن صدر الرجل لا يزال يرتفع وينزل ببطء، مما يعني أنه ما زال يتنفس؛ فقوة جسده الصغير وضربه بالطابوقة لم تكن كافية لتحطيم جمجمة رجل بالغ.
أدار أنظاره نحو جثة الجدة، فلاحظ السكين الملقى بالقرب منها. ترك قطعة الأُجُر، وزحف ليمسك بالسكين، ثم نظر إلى القاتل فاقد الوعي وقال بنبرة باردة كالموت:
ـ كم تمنيتُ لو أنك تسمعني الآن وأنا أقول هذا الكلمات.. ولكن للأسف أنت غائب عن الوعي، ومع ذلك سأقولها على أي حال: أنت كائن قذر.. ما هو شعورك الآن وأنت مستلقٍ كالجثث التي ستصبح واحداً منها بعد قليل؟.. مؤسف أنك لا تسمعني.
قبض أوزيريس على مقبض السكين بكلتا يديه ورفعه إلى الأعلى..
ثم أنزله بكل ما أوتي من قوة نحو صدر الرجل! لكن النصل الصغير لم يخترق الجسد بعمق، بسبب قساوة عظام الصدر، وضعف جسد أوزيريس الصغير، ولكون سكين المطبخ ذاك غير مخصص للاختراق العميق إطلاقاً..