الفصل الحادي والعشرون: صدى المأساة القديمة
جلس أوزيريس الصغير على العشب الأخضر ونظر إلى مياه النهر الدافقة؛ كانت ألوانها الزرقاء جميلة وغير مألوفة بالنسبة له، حتى بدت له كأجمل مشهد رآه في حياته.
وعلى الضفة الأخرى للنهر، امتدت أفق المدينة المليئة بناطحات السحاب المرتفعة الشاهقة التي كست الأفق روعة وجمالاً، مما جعل المشهد يزداد سحراً في عينيه.
وفجأة.. تقاطرت الدموع من عيني أوزيريس بصمت وهو يتذكر والدته الراحلة، متمنياً في قرارة نفسه لو أنها كانت بجانبه الآن.. لكنها فارقت الحياة منذ عام مضى.
بقيت دموعه تتساقط في هدوء كئيب، وقبضت يده الصغيرة على العشب بقوة حتى تهدأت ثورته، ثم مسح دموعه بظهر يده ونهض.
بدأ يمشي بتمهل على الشريط العشبي المحاذي للماء، واضعاً يديه في جيبي سترته، ونظراته معلقة بالأرض في شرود تام.
صاح صوتٌ مفاجئ من الأعلى:
ـ هييي أنت.. أيها الطفل! هل أنت عالق هناك؟
رفع أوزيريس أنظاره نحو الرصيف المرتفع، ليرى رجلاً في الأربعينات من عمره يمسك بدراجة هوائية.
رد عليه أوزيريس بنبرة هادئة:
ـ لـ.. لا، لستُ عالقاً يا عم.
حدق الرجل فيه بتمعن؛ كان يبدو عليه أنه يعاني من ضعف شديد في النظر، إذ كان يرتدي نظارة طبية سميكة ومع ذلك كان يجهد عينيه لتفحص ملامح الطفل.
وفجأة، اعتلت الدهشة وجه الرجل وهتف مصدوماً:
ـ أهذا أنت.. أوزيريس؟!
تفاجأ أوزيريس من معرفة الرجل باسمه رغم أنه لا يذكره مطلقاً، فرد عليه بتردد:
ـ يا عم.. ربما خُيل إليك أو خلطت بيني وبين طفل آخر، فأنا لم أركَ من قبل.
عدّل الرجل نظارته وأجاب بثقة:
ـ لا، لم أخطئ! ألسْتَ أوزيريس الذي يعيش في دار الأيتام على أطراف المدينة؟
لم يسبق لأوزيريس أن التقى بهذا الرجل، لذا ظن في البداية أنها مجرد مصادفة، لكن بعد كلامه الأخير تيقن أن الرجل يعرفه بالفعل رغم جهله التام به.
وبعد لحظات، كان أوزيريس يسير جنبًا إلى جنب مع الرجل الذي نزل عن دراجته وأخذ يجرها بيده. خيم صمت ثقيل وتوتر ملحوظ على المسير؛ فأوزيريس لم يكن من النوع الذي يختلط بالآخرين، إذ اعتاد عزلة الصمت وعدم الحديث مع الغرباء، مما جعل فتح أي حوار بينهما أمراً معقداً.
قطع الرجل هذا الجمود متسائلاً:
ـ إذن.. كم عمرك يا بني؟
أجاب أوزيريس:
ـ عمري سبع سنوات.. لكنني لا أعرف في أي يوم تحديداً كان مولدي.
همس الرجل:
ـ أوه.. هذا جيد.
هذه المرة، سأل أوزيريس بفضول:
ـ وإلى أين أنت ذاهب؟
رد الرجل بابتسامة دافئة:
ـ إلى أحد المتجر القريبة من الميتم.. وهذا ما جعلني أعرف الجدة «ستيلس» ومعظم الأطفال هناك، وأنت من بينهم بالطبع.
عمّ الصمت مجدداً حتى قطعا مسافة قصيرة، ثم توقف الرجل ونظر إلى الجهة المقابلة من الطريق قائلاً:
ـ حسناً، الميتم أضحى قريباً جداً من هنا.. سأذهب أنا إلى المتجر الآن. حظاً موفقاً لك يا أوزيريس.
عبر الرجل الطريق وغاب عن الأنظار، بينما وقف أوزيريس مكانه لثوانٍ معدودة بصمت قبل أن يواصل سيره بمفرده.
وصل إلى الحي الخالي بعد خطوات معدودة؛ كانت الطرقات تضيق تدريجياً ولم تكن هناك سوى بضعة منازل متباعدة تجاور دار الأيتام، بينما يمتد النهر خلفها.
دفع أوزيريس الباب الحديدي الخارجي للحديقة ودخل. كانت الحديقة هادئة وجميلة، وهي المساحة التي يتراكض فيها الأطفال عادة. تقدم نحو الباب الداخلي للمبنى، حيث وُضع جرسان؛ أحدهما مرتفع للكبار، والآخر منخفض لمتناول الصغار.
كان على وشك رن الجرس الصغير، لكنه لاحظ أن الباب لم يكن مغلقاً بإحكام بل كان موارباً..
دفعه بيده ودخل، لكنه تجمد في مكانه كأن صاعقة ضربته!!
كانت الجثث الصغيرة للعديد من الأطفال مستلقية على الأرضية بجمود مروع.. كانوا جميعاً قد فارقوا الحياة، والدماء القانية تغمر المكان وتلطخ الجدران!
عجز أوزيريس عن النطق بأي كلمة من هول الصدمة القاتلة. أخذ يدير رأسه يميناً ويساراً بذهول مرعب ينظر إلى جثث أصدقائه المشوهة.. وفي وسط الغرفة، كان هناك شخصٌ يقبع فوق جثة ما، والدماء متناثرة بغزارة أمامه. لم تكن ملامحه واضحة لأنه كان يولي ظهره نحو الباب، وكان يبدو وكأنه يتصارع أو يحرك يديه بانتظام صعوداً وهبوطاً فوق الجثة.
خطا أوزيريس بضع خطوات إلى الأمام ودموعه تتساقط بكثافة دون صوت.
وفجأة، ارتد الباب المفتوح واصطدم بالجدار الخشبي خلفه؛ لم يرتفع الصوت كثيراً، لكنه كان كافياً ليجعل ذلك الشخص يلتفت للتقاط الصوت خلفه!
لم تتضح ملامح وجه القاتل؛ فقد كان يرتدي قناعاً أسود كاملاً يغطي سحنات وجهه كلياً. نهض عن الجثة المضرجة ووقف بجمود يوجه أنظاره النارية نحو أوزيريس!
انحرفت أنظار أوزيريس المذعورة نحو الجثة القابعة أسفل القاتل..
تسارعت أنفاسه بجنون واهتز جسده برعشة خوف وقهر لا تُطاق.. كانت تلك الجثة للجدة «ستيلس»!!
تخضبت ملابسها السوداء بالدماء التي تشربتها بالكامل، بينما كانت اليد اليمنى للقاتل تقبض على سكين مطبخ عادي يقطر بالدماء الحارة؛ سكين بسيط لم يتخيل أحد يوماً أن يغدو أداة لمجزرة بهذه البشاعة.
قال أوزيريس بصوت خافت ومكتوم يرتجف بالبكاء:
ـ لـ.. لماذا؟ لماذا فعلت هذا؟.. فقط أخبرني.. لماذا؟!
انهارت حالة أوزيريس النفسية تماماً في تلك الثواني العصيبة، لكن القاتل لم ينطق بكلمة واحدة، بل ظل يراقبه بصمت مطبق. كان القناع الأسود يحجب كافة تعابيره، فلم يدرِ أوزيريس إن كان هذا السفاح مسروراً بما اقترفت يداه أم محايداً.
صرخ أوزيريس في وجه القاتل بأعلى صوته:
ـ هيا أجبني!! أجبني.. لماذا لا ترد؟!
لكن القاتل واصل صمته المريب، وبدأ يخطو بخطوات ثقيلة ومباشرة نحو أوزيريس!!