الفصل العشرون: أطياف الماضي المريرة
شعر رينزو أن ثمة شيئاً ما داخل جسده قد بدأ يتغير، لكنه لم يدرك ماهيته بدقة؛ فقد ذاب ذلك الجوهر بأكمله ليتحول إلى خطوط عروق صفراء تتوهج لبرهة قبل أن تختفي تحت جلده.
وبينما كان يحاول استكشاف ما طرأ على جسده من تحول، قطع حيرته دوي زئير الوحوش الذي بدأ يقترب بحثيث من جهات عدة! تحرك رينزو على الفور نحو الغرب؛ ولحسن حظه أنه لم يفقد البوصلة ولم ينسَ الاتجاهات، فركض بجهد مضاعف للفرار من تلك البقعة المميتة مهما تكلف الأمر.
وفجأة، لاحظ رينزو تغيراً حاسماً في قدراته الفيزيائية:
«هل زادت سرعتي بالفعل، أم أنني أتخيل ذلك فقط؟».
ولم يقتصر التغير على السرعة فحسب، بل شعر بأن طاقته الاستشفائية وقوته البدنية بدأت تعود إليه بمعدل أسرع بكثير من السابق، مما قد يمنحه تفوقاً وأفضلية حاسمة في المستقبل.
وفي المعسكر، كانت لينيان تحدق في أخيها بغضب مكتوم، بينما تقدمت الفهدة الرمادية ذات الفرو الأبيض الكثيف عند العنق ووقفت إلى جانبها بثبات.
همست لينيان للفهدة بنبرة يعلوها الأسف:
ـ أنا آسفة يا «ليا».. ولكنني بحاجة ماسة لمساعدتكِ الآن.
ردت الفهدة الأنثى بنبرة رخيمة وفصيحة:
ـ لا عليكِ يا لينيان، فأنا كائن الاستدعاء الخاص بكِ، ولا مانع لدي في مواجهة هذا الخطر؛ فقد أبرمنا عهداً سابقاً، أليس كذلك؟
ابتسمت لينيان بخفوت وأجابت:
ـ أجل.. بالتأكيد.
قهقه كارثاس بسخرية لم يحاول إخفاءها مطلقاً، وقال بنبرة تقطر تهكماً:
ـ ماذا الآن؟ هل أحضرتِ قطة أليفة لكي تموت نيابة عنكِ؟ أوه.. كم أنتِ قاسية القلب يا لينيان!
في تلك الأثناء، كان أوزيريس يقف صامتاً.. لكنه لم يكن يتابع تلك الدماء الثائرة بين كارثاس وأخته، بل كان يثبت أنظاره الشاخصة نحو يساره؛ وتحديداً نحو الجذع الخشبي الذي كان يجلس عليه عند وصوله المعسكر أول مرة وقبل أن يقطع رأس العملاق.
كان هناك شخصٌ ما يجلس هناك!
لم يكن غريباً، بل كان شخصاً يعرفه أوزيريس حق المعرفة.. بل هو أكثر كائن يعرف أسراره في هذا العالم!
كان ذلك الشخص القابع على الجذع هو.. (أوزيريس نفسه!)
بقي أوزيريس يحدق في نسخته الثانية، والتي كانت ترتدي الثياب ذاتها وتطابق ملامحه كمرآة صافية. نهضت النسخة ببطء وخطت خطوات ثقيلة نحو أوزيريس، ثم سألته بابتسامة تهكمية:
ـ ما هو شعورك الآن يا أوزيريس؟
رد أوزيريس بنبرة خالية تماماً من المشاعر:
ـ شعوري؟ ماذا تقصد بأي شعور؟
ردت النسخة بنبرة ينبثق منها الشر المطلق:
ـ أقصد شعورك وأنت تزهق روح شخص آخر لتوك؟ هذه المرة أنت لا تنتقم لأحد.. بل تدافع عن نفسك فقط، أليس كذلك؟ أجبني.. هيا!
وفي تلك اللحظة، تدفقت الذكريات كالسيل في رأس أوزيريس، ليتذكر مشهداً قديماً وهو في السابعة من عمره.. حين كان يعيش في دار للأيتام على أطراف المدينة، يقضي أيامه بسعادة دافئة بين أصدقائه الأوائل.
كانت الدار تحت إدارة عجوز طيبة تدير المكان بمفردها؛ وكانت حياتهم ملونة بالضحكات والمرح والسعادة البكر، فلم يعرف أحد من أولئك الأطفال يوماً معنى الموت أو ما يحمله من قسوة ورعب.
وفي إحدى الليالي، وفي وسط الأسرّة المصطفة في الغرفة الكبيرة، كان الأطفال يجلسون يتبادلون أطراف الحديث ويلعبون فرحين، قبل أن تدخل الجدة العجوز وتخاطبهم بحنان:
ـ أيها الأطفال الصغار، هيا ناموا الآن فقد حان وقت الراحة.. يجب أن تستيقظوا غداً بكامل طاقتكم لأداء التمارين الأسبوعية.
استقبل الأطفال كلامها بخيبة أمل طفولية طفيفة، ثم اتجه كل منهم إلى سريره وافترش غطاءه.
كان أوزيريس ينام على السرير الأخير الملاصق للجدار، وكان يحاول دائماً النوم قبل بقية الأطفال كعادته اليومية لإظهار الاحترام والتقدير لتلك العجوز التي يعتبرها بمثابة أمه الثانية؛ فلم يكن يغضبها، ولم يحزنها، ولم يحمل لها في قلبه إلا المحبة.
أطفأت الجدة الضوء وغادرت، وقبل أن تغلق الباب ألقت نظرة حنونة أخيرة على الأطفال.
وفي صباح اليوم التالي، وتحديداً في تمام الساعة السابعة صباحاً، كان الأطفال ينظفون أسنانهم أمام الأحواض، وهم يتمتمون بتذمر طفولي:
ـ تمارين.. تمارين.. تمارين! هذا متعب جداً! لماذا علينا أداء هذه التمارين كل أسبوع؟ إنها بلا فائدة، أليس كذلك يا «ليو»؟
كانت المتحدثة فتاة صغيرة شقراء يبدو عليها الانزعاج الشديد من الرياضة، فرد عليها فتى ذو شعر بني بحماس:
ـ لا يا «ليليا»! التمارين مفيدة جداً لأجسادنا لكي لا نمرض، ولكي لا نجعل الجدة «ستيلس» تحزن علينا!
انتهت ليليا من تنظيف أسنانها وغادرت المكان دون أن تجيب، بينما كان أوزيريس يستمع لكل الحديث دون أن يبدي اهتماماً، وما إن انتهى من تنظيف أسنانه حتى خرج بهدوء.
في المساحة المخصصة للرياضة داخل المنطقة الآمنة للأطفال بالمدينة، كان جميع الصغار يرتدون بدلات رياضية حمراء؛ يركضون، ويرفعون الأوزان الخفيفة بصعوبة طفولية، ويقيمون مسابقات التنس وتناول الطعام.. كان كل شيء يبدو مثالياً ومسلياً.
وعند الساعة الرابعة عصراً، كان الأطفال عائدين إلى الدار يسيرون بجانب ضفة نهر هادئ تحيط به الأعشاب الخضراء، وكان أوزيريس يسير في آخر الصف بجانب الجدة «ستيلس».
توقف أوزيريس عند المنحدر العشبي اللطيف الذي يقود نحو مياه النهر؛ لم يكن المنحدر حاداً، ومن السهل النزول والعودة منه دون خطر السقوط في الماء. نظر أوزيريس إلى الجدة بنظرات رجاء دافئة، ففهمت العجوز مغزى نظراته، وهزت رأسها بابتسامة موافقة.
نزل أوزيريس بخطى صغيرة ووقف عند حافة النهر يتأمل انعكاس الضوء على المياه الجارية، بينما واصل بقية الأطفال طريقهم نحو المنزل.. كان أوزيريس يبحث فقط عن لحظات من السكينة الخاصة، ليستمتع بالمشهد بديع الهدوء..