الفصل التاسع عشر: ثمن البقاء والضوء الذهبي
لم تكن هناك أي طريقة ليتملص بها من هذا المأزق! نظر رينزو إلى الخنجر الجليدي بحدقة متسعة؛ وكان بلكاد يلمحه وسط عتمة الليل الخانقة. تسارعت أنفاسه وأصبحت أثقل، بدت وكأنها تحمل ثقلاً جليلاً لا يُرى بل يُشعر به في أقصى حنايا الصدر.
وفجأة.. اتخذ قراراً جنونياً وسوداوياً، لكنه كان الخيار الوحيد المتبقي للنجاة في هذا العالم الذي لا يرحم.
سحب شهيقاً طويلاً وكتمه في صدره، ثم مد يده اليسرى السليمة نحو الخنجر الجليدي المغروس في ذراعه العالقة.. كانت يده ترتجف برعشة خفيفة، لكن عينيه فضحت إصراراً مرعباً على عدم التراجع. وبحركة خاطفة، سحب الخنجر من ذراعه!
ارتجفت يده الأخرى بسبب البرودة القارسة للنصل التي لامست اللحم الحي الساخن للتو؛ عندما كان النصل غائراً في لحمه لم يكن يشعر بالبرد بل بحرارة كاوية تنبثق من جرحه. تصبب العرق البارد من جبينه، ولم يستطع حتى زفر أنفاسه؛ لأنه لو فعل ذلك لصرخ بأعلى صوته، وهذا بدوره سيجذب وحوش الغابة إليه لتنهي حياته.. بل ربما تكون تلك المفترسات في طريقها إليه الآن بالفعل أثراً لصرخته الماضية، وهو مدرك لذلك الخطر تماماً.
تناسى الألم.. تناسى الجرح المفتوح في ذراعه؛ ربما بفضل القرار الصارم الذي اتخذه للتو. ارتجفت يده الممسكة بالخنجر الجليدي، واتسعت حدقتاه بجنون..
ثم لوح بالنصل الحاد بكل ما أوتي من قوة!
لم يضرب كتلة الجليد الصلبة..
ولم يضرب الهواء الخالي..
بل ضرب ذراعه العالقة بالكامل!
تدفق الدم الدافئ بغزارة كالشلال، ورغم محاولاته الاستماتة لكتم صرخاته، إلا أن الألم لم يُهزم قط ولم يهدأ؛ فالألم هو الوسيلة التي تدفع معظم البشر للابتعاد عن دروب الخطر، ولكنه في الوقت ذاته الدافع الرئيسي لبعضهم لخوض الأهوال هرباً من الموت!
استقر رينزو في مكانه يلهث بخفوت؛ كان نصف ذراعه المقطوع يقطر دماً داخل كتلة الجليد، بينما كان الجزء المتبقي من ذراعه يتدفق منه الدم كأنبوب مياه انفك محبسه!
بعد لحظات من مقاومة الألم القاتل بصمت وصرخات مكتومة خرجت رغماً عنه، أثبت رينزو أنه لن يستسلم لليأس بسهولة. لو كان أحد غيره في هذا الموقف لاستسلم للموت ونام إلى الأبد، لكن رينزو كان متمسكاً بالحياة بأسنانه وأظافره؛ لأنه يخشى الموت وما بعده منذ صغره.. ولأنه كان يخشى الموت، أصبح هو من يجلب الموت للآخرين!
قطع بضعاً من ثيابه الممزقة، ولفها حول الجزء المتبقي من ذراعه المبتورة. أمسك طرف القماش بأسنانه والطرف الآخر بيده السليمة، واعتصر أسنانه وهو يشد الضمادة بقوة ليوقف النزيف المتدفق ثم عقدها بإحكام.
نجح في كبح النزيف، وراقب القماش الأحمر المتشبع بالدماء وهو يلتف حول ذراعه. كان رينزو راضياً عن هذه النتيجة النهائية برغم قسوتها؛ فبرغم أنه فقد ذراعه اليمنى إلى الأبد، إلا أن هذه التضحية جعلته يدرك حقيقة جوهرية: ليس عليه القلق من الوحوش والبشر فقط.. بل من القوة الخارقة ذاتها التي تمنحه الأفضلية!
وبينما كان رينزو يتهيأ للتحرك والفرار من الموقع قبل وصول المفترسات، لمح شيئاً أصفر يلمع بوميض خافت من جوف جثة "الغوريلا" القابعة أمامه!
توتر في حركته على الفور، ظناً منه أن المسخ لا يزال على قيد الحياة، فاتخذ وضعية القتال الحذرة رغماً عن ذراعه المبتورة، متمسكاً بالخنجر الجليدي الملقى على الأرض.
كانت تلك ثوانٍ مرعبة عاشها رينزو.. مرت عشر ثوانٍ.. ثم عشرون ثانية.. ولم يتحرك الوحش قيد أنملة. بدأ الشك يتسلل إلى عقله:
«هل هذا المسخ لا يزال حياً؟ هل هذا كمين؟ هل ينتظر اقترابي ليفترسني؟».
تدفقت الأفكار السوداوية في ذهنه بلا توقف، لكنه تحامل على نفسه وتقدم بحذر. أخذ الخنجر من الأرض وواصل التقدم بجانب الكتلة الجليدية وهو يقبض على سلاحه بكل ما أوتي من قوة متبقية..
كان على وشك غرس الخنجر في جثة الوحش لتأكيد مقتله، لكنه توقف صامتاً؛ فقد كان النور الأصفر المنبعث ينبثق من منتصف صدر "الغوريلا". وأسفل الصدر، كانت الكتل الجليدية التي أطلقها سابقاً قد استقرت في أحشائه وجمدت أعضاءه الداخلية تماماً.
بعد لحظات من التردد، شق رينزو صدر الوحش بضربة عميقة من خنجره، ورغم الشق الكسير، إلا أن الضوء الأصفر لم ينطفئ، بل زاد توهجاً!
تمتم رينزو في سره بذهول:
«ما هذا الضوء الغريب؟ لم أره من قبل في حياتي!».
أدرك رينزو أنه يتوجب عليه الإسراع في اكتشاف سر هذا الضوء والرحيل فوراً؛ إذ بدأ يتناهى إلى مسامعه صوت زئير وحش آخر يقترب من المنطقة. لم يكن قريباً جداً، لكن صوته العالي المدوّي أكد أنه يتجه نحو رائحة الدماء.
مد يده السليمة داخل الشق المفتوح في صدر الكائن، وأمسك بمركز ذلك النور ثم سحبه بقوة إلى الخارج!
لم يكن ذلك الضوء سوى.. "جوهرة"!
كانت تلك الجوهرة ذات شكل غير منتظم، وكأنها حجر خام تم طرقه من كل الجوانب، وحجمها أكبر من كفي اليد المضمومتين، تتوهج ببريق ذهبي مبهر رسم الدهشة على وجه رينزو المجهد.
وفجأة.. بدأت تلك الجوهرة تذوب في كفه!
لم تكن حارة ولا باردة، بل سرى في جسده شعور مبهم وغير مألوف على الإطلاق..
لم يكن ألمًا،
ولا سعادة،
ولا حزناً،
ولا غضباً،
ولم يكن اكتئاباً..
كان رينزو واثقاً في داخله أن أحداً في عالمه القديم ـ الذي تحول الآن إلى مجرد ذكريات غابرة ـ لم يخض هذا الشعور الفريد من قبل!
ذاب نصف الجوهرة الذهبية، وبدت وكأنها تخترق جلد يده السليمة وتنساب في دمه، لتتحول عروقه تدريجياً إلى خطوط صفراء متوهجة تنبض بقوة متناسقة مع نبضات قلبه!