الفصل السادس عشر: صدى البرق المستبد
صرخ أحد أولئك الذين نصبوا أنفسهم قادة بنبرة حادة:
ـ كفّوا عن هذا الهراء وعودوا إلى أماكنكم حالاً!
ولكن رغم محاولاته البائسة لإخافة الحشد، إلا أن صخب الطلاب بدأ يكثر ويعلو شيئاً فشيئاً، كاسراً حاجز الخوف الذي كبلهم لأيام.
ـ هيا تقدموا معنا! لماذا أنتم خائفون إلى هذا الحد؟ ألا تريدون أن تصبحوا قادة؟ إذن هيا، إنها فرصتكم الوحيدة!
كان هذا صوت أحد الفتيان المتمردين وهو يخاطب فئة من المجموعة التي رفضت الوقوف ومواجهة الظلم؛ إذ كانوا يجلسون على مسافة متباعدة، يأكلون بعض الفاكهة ببرود ونظراتهم خالية تماماً من أي أمل، وكأن الأمر لا يعنيهم. ولكن رغم رفض هؤلاء اليائسين للمشاركة، إلا أن معظم الحشد وقف وثار، رافضين الانصياع لأوامر الفتية المستبدين.
كانت الفتاة الشقراء التي أثارت هذا الهياج تنظر إلى المجموعة التي كانت تسمي نفسها قادة بابتسامة خفيفة يملؤها التهكم. وفي خضم تلك الجلبة، صرخ أحد الطلاب بصوت هادر بدا مسموعاً للجميع:
ـ أيها الأوغاد الذين تسمون أنفسهم قادة! أنتم لستم قادة، بل مجرد حثالة لا قيمة لها! بمجرد أن حصل أحدكم بالصدفة على قوة خارقة، نصبتم أنفسهم أسياداً علينا!
وصلت تلك الكلمات إلى مسامع أوزيريس، فاتسعت عيناه بصدمة ألجمته لثوانٍ:
«قوة خارقة؟! هل يعلمون بوجودها؟ والأهم من ذلك، كيف حصلوا عليها؟ ظننت أنني الوحيد الذي يعرف بوجود هذه القدرات في هذا المكان الغريب!».
كان هذا هو صوت أوزيريس الداخلي. صرّ على أسنانه بحنق وقال في نفسه مجدداً: «تباً! يبدو أن الجميع هنا عرفوا كيف يحصلون على القوى بينما أنا لم أستطع.. تسك، هذا مزعج للغاية! كيف سأحصل على قوة خارقة بحق السماء؟».
في تلك الأثناء، كان الفتى الأشقر ينزل رأسه بجانب جذع الشجرة الكبيرة، ومن حوله يلتف أفراد مجموعته المقربون، محاولين باستماتة منع الناس الثائرين من الاقتراب أكثر.
استغل أوزيريس انشغال الجميع، فنهض من مكانه وتوجه بهدوء نحو الشاب الصغير الذي كان يجلس بجانب العملاق المقتول سابقاً. جلس أوزيريس في البقعة ذاتها التي كان الضخم يشغلها تماماً. لم ينتبه الفتى لوجوده في بادئ الأمر؛ إذ كان ينظر نحو الحشد الهائج بذهول وصدمة. عندما كان العملاق حياً، كان هذا الفتى يولي ظهره للحشد مطمئناً، لكنه الآن كان يرقبهم بعجز تام عن فعل أي شيء.
وفجأة، أدار الشاب رأسه جانباً، ليتجمد الدم في عروقه وتتسع حدقتاه رعباً؛ إذ كان نصل خنجر أوزيريس الأسود يستقر بمحاذاة عنقه تماماً!
تصبب العرق البارد من وجه الفتى، ولم يجرؤ على رمش عينيه أو إتيان أي حركة قط. كان ينظر إلى أوزيريس برعب صاعق، بينما بقي أوزيريس يثبت أنظاره الصفراء الحادة عليه بلا رحمة. أنزل الفتى بصره قليلاً ليجد قبضه أوزيريس اليمنى تحكم الإمساك بالمقبض..
تمتم الفتى بنبرة مرتجفة مليئة بالخوف والرجاء:
ـ فقط.. فقط قل لي ماذا تريد مني؟ هل فعلت لك أي شيء سيء؟
رد أوزيريس بصوت خافت وصارم:
ـ لا تقلق، أنا لن أقتلك! ولكن بشرط واحد.. إن نفذت ما أطلبه منك بحذافيره، فسوف أتركك وشأنك، هل فهمت؟
ابتلع الفتى ريقه المتيبس وسأل:
ـ ما.. ما هو طلبك؟
حين سمع أوزيريس إجابته المستسلمة، انفرجت أساريره عن ابتسامة غامضة وقال له:
ـ فقط أخبرني كيف؟.. كيف حصل ذلك الشخص على قوته الخارقة؟ أريد أن أعرف هذا الأمر بشدة، هيا أخبرني حالاً!
بدا التوتر والارتباك واضحين كليا على محيا الفتى، وبدأ يتمتم بكلمات متقطعة غير مفهومة:
ـ أنا.. أنا لاـ فقط.. كـ.. كيف أخبرك.. بهذا الـ...
قاطعه أوزيريس بحدة وقد اعتلت ملامحه أمارات غضب حقيقي:
ـ لا تماطل وأخبرني كيف حصل ذلك الوغد على قوته!
أصبحت نظرات أوزيريس أكثر حدة وسوداوية. وعندما التقت عينا الفتى بعيني أوزيريس، تجمد في مكانه من فرط الهلع؛ فلقد رأى هذه النظرة ذاتها قبل دقائق معدودة.. تحديداً عندما فصل أوزيريس رأس الضخم عن جسده.
نطق الفتى بكلماته وهو يرتجف بالكامل:
ـ أنا.. أنا حقاً..
ثم صرخ بيأس:
ـ لا أعلم!
سقط الفتى على الأرض ممسكاً برأسه بكلتا يديه، وأغمض عينيه بقوة مكملاً حديثه بنبرة بكاء ونحيب:
ـ "كارثاس" لم يخبرنا قط كيف حصل على قوته الخارقة! صدقني، أنا لا أكذب عليك!
عقد أوزيريس حاجبيه وتمتم بنبرة مستفسرة:
ـ "كارثاس"؟ من هذا؟
توقف الفتى عن البكاء ورفع رأسه ببطء، ليرى أوزيريس وهو يعيد الخنجر الأسود إلى جيب سترته الداخلي. عندها فقط تنفس الصعداء، وركبه شعور بالارتياح، ثم أردف قائلاً:
ـ إنه ذلك الشخص الأشقر الذي استجوبك عند دخولك المعسكر لأول مرة.. هو نفسه يُدعى "كارثاس".
كان أوزيريس على وشك الرد ومتابعة الاستجواب، ولكن.. قاطعه دوي صوت مرعب وقوي للغاية!
التفت أوزيريس بسرعة خاطفة نحو مصدر الصوت، لكنه سرعان ما غطى وجهه بظهر يده اليسرى إثر وميض ضوء ساطع أعمى الأبصار. وفي لحظات، أصبح صفير الرياح العاتية هو الصوت الوحيد الذي يُسمع في أرجاء المكان، بعد أن اختفى صخب الحشد الذي كان يطغى على المخيم تماماً.
بعد عناء ومقاومة للضوء المبهر، تمكن أوزيريس من النظر نحو المنتصف. وكان سبب كل هذا الضوء الخارق هو برق.. برق أصفر هائل ومستعر ينبثق بعنف من جسد "كارثاس" نفسه! أما الحشد المتجمع حوله فقد دب الذعر في قلوبهم، وبدؤوا يركضون يمنة ويسرة محاولين الهرب والنجاة بأنفسهم، وتفاصيل الرعب مرسومة على وجوههم الشاحبة. كانوا يصرخون بأعلى صوت، بيد أن صرخاتهم اليائسة كانت تتلاشى وتتحطم تماماً أمام صوت الصواعق والرياح العاتية التي فرضت سيطرتها المطلقة على المكان.