الكوارث المتسلسلة الفصل 15

اقرأ الكوارث المتسلسلة الفصل 15 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الخامس عشر: شرارة التمرد

حاول أوزيريس كتمان غضبه الداخلي المتصاعد، متستراً وراء قناع البرود المصطنع الذي يكسو ملامحه. ابتسم العملاق بسخرية خبيثة، وأردف قائلاً بتهكم:

ـ هيهيهي.. ما بالك لا تذهب إلى الغابة وتحضر بعض الأخشاب لتدفئ جسدك قليلاً؟ فالجو بارد جداً وقد نموت هنا حتماً! هلا فعلت هذا رجاءً؟ أنا أخاطبك بهدوء وروية، ولم أكن قاسياً معك.. أليس كذلك يا.. يا من لا أعرف اسمه حتى؟

رغم محاولته البائسة لادعاء اللطف، إلا أن تصرفاته الهمجية ونبرة التهديد الصريحة كانت تعكس عكس ذلك تماماً. رد أوزيريس وعيناه تلمعان بوميض بارد ومستفز:

ـ هه.. ولماذا لا تذهب بنفسك؟ أنت تطلب هذا الأمر من شخص نحيل بالكاد نجا من فتك الوحوش المفترسة. أنت ضخم البنية، وتستطيع إشباع الوحوش.. أقصد، جلب الحطب من الغابة بسهولة. ألسْتَ قوياً أم أنك تدعي القوة فحسب؟

وقعت الكلمات كالصاعقة على مسامع الضخم، وشعر بإهانة بالغة حطمت كبرياءه الأجوف. صمت لبرهة متبسماً بغيظ، لكن عروق وجهه البارزة والمحتقنة فضحت غضبه الأعمى؛ لم يستطع التحمل أكثر، فصرخ بوجه أوزيريس بنبرة هزت أركان المعسكر:

ـ كيف تجرؤ على إهانتي أيها الحثالة؟! هل تعتقد أن هذا الأمر سيمر بهدوء؟ صدق أو لا تصدق، سوف أقتلك بيدي هاتين أيها الصعلوك!

عمّ صمت مطبق أرجاء المكان فور انتهاء صرخته المتوعدة.. لم يتحرك أحد من أولئك المسترخين في المنتصف؛ بل بقوا يحدقون بملامح جامدة وتعتلي وجوههم ابتسامات متسلية. ولم يكن "السادة" في المنتصف وحدهم، بل كانت تلك نظرة أغلبية الطلاب الذين يترقبون العرض بملل كأنه تسلية يومية.

عندها تيقن أوزيريس تماماً أن أحداً لن يتدخل لإيقاف هذا العملاق، ولم يكن ينتظر مساعدتهم من الأساس؛ فهذا أمر مألوف بالنسبة لفتى لم يعش طفولة جيدة، ولم يمد له أحد يد العون يوماً. تحولت نظرات أوزيريس في رفة عين؛ من عيون متفاجئة إلى نظرات خالية تماماً من المشاعر والأحاسيس، كأنها عيون ميت عاد للحياة!

وفي حركة خاطفة تفوق سرعة البديهة، استغل أوزيريس سترته الواسعة وأخرج خنجره الأسود، واتسعت عيناه بجنون مطلق شق عتمة الموقف؛ لوح بنصله الحاد أفقياً في الهواء، ليمر الخنجر في جزء من الثانية.. ويقاطع عنق الضخم تماماً!

تطايرت الدماء بغزارة مستعرة، وسقط الجسد العملاق على الأرض ليجثو جثة هامدة بلا حراك، بينما وطئت قدما أوزيريس الأرض بثبات مرن. كان هادئاً جداً وببرود جليدي، كأنه لم يزهق روح بشر لتوّه. تدحرج رأس الضخم على العشب بخط مستقيم حتى توقف بعيداً، في حين صبغت الدماء الساخنة أجزاء من ملابس أوزيريس الجديدة.

تقدم أوزيريس نحو الجثة الهامدة والخنجر لا يزال يقبع في يده اليمنى يقطر دماً، وانحنى ليمزق قطعاً من الملابس الحمراء للقتيل، ثم عاد إلى مجلسه فوق الجذع بكل هدوء، وبدأ يمسح نصله الأسود بملابس القتيل بملامح لا مبالية.

كان الجميع في حالة من الصدمة والذهول الشديد؛ لم يتوقع أحد أن طالباً نحيلاً ومجهولاً قادر على إنهاء حياة شخص يفتل عضلاته وأضخم منه بمراحل عدة بضربة واحدة خاطفة. أما الطالب الذي كان يجلس بجانب الضخم، فقد تسمر في مكانه، يحدق تارة بالجثة الممزقة وتارة أخرى بنظرات أوزيريس الصفراء الشاخصة؛ وتحولت مشاعره من الرعب الصاعق إلى راحة غامضة لم يفهم كنهها في داخله.

قاطع هذا الذهول حركة أحد أفراد طبقة المنتصف، والذي أخذ يمشي نحو أوزيريس بخطى ثقيلة والغضب المستعر يكسو وجهه بالكامل؛ توقف أمامه وصاح بغضب عارم:

ـ كيف تجرؤ على قتل شخص في المجموعة التي احتوتك وحمتك من بطش الوحوش؟! لولانا لكنت الآن جثة مأكولة على يد إحدى تلك المسوخ، لم أتوقع..

قاطع أوزيريس كلامه بنبرة حادة وجافة، دون أن يكلف نفسه عناء رفع رأسه أو النظر في وجهه وهو يتحدث:

ـ لقد كان يحاول قتلي علناً.. ألم تره أم أنك أعمى وأنا لا أعرف؟

برزت عروق الفتى الحاكم بغيظ، وعقب بصوت يرتجف من الغضب:

ـ حقاً أنت وحش لا تستحق البقاء بيننا! يجب أن تغادر هذا المعسكر حالاً، هل تفهم ما أقوله أيها الوغد؟

وفي تلك اللحظة الحرجة، نهضت إحدى الفتيات من أصحاب الرداء الأبيض النظيف، كانت تجلس مع مجموعة أخرى متباعدة أسفل الشجرة العملاقة؛ تقدمت بخطى ثابتة وواثقة نحو الفتى الثائر، وقالت بنبرة صارمة حطمت كبرياءه:

ـ أنت.. من تكون لتحدد من يبقى ومن يغادر هنا؟ بل من أنتم لتدعوا لأنفسكم قيمة أكبر؟ لم يوافق أحد منا على تنصيبكم كقادة على هذه المجموعة!

التفت الفتى نحوها وكاد أن يكسر أسنانه من فرط الغيظ، لكنه لجم لسانه وكتم غضبه مرغماً بمجرد أن رأى هوية المتحدثة. أكملت الفتاة كلامها وهي توجه نظراتها الحادة نحو الحشد:

ـ كم شخصاً رأيتموه يموت على يد ذلك الضخم ولم يتحرك منكم أحد؟

ساد صمت مطبق، لتردف الفتاة بحدة:

ـ دعوني أجب نيابة عنكم.. الإجابة هي (لا)، لم يتحرك أحد! ليس هو فحسب، بل هناك عدة أشخاص ماتوا أمام أعينكم وقتلوا بعضهم البعض ووقفتم تتفرجون بدم بارد. ليس هذا فقط، بل قمتم بإشعال النيران في وضح النهار لتقليل أعداد الذين يتوجب إطعامهم وخلق دروع بشرية تموت ليلاً! أنتم لستم سوى مجموعة من الحمقى والمستغلين.

بعد أن أنهت الفتاة كلماتها القاسية، انكسر جدار الصمت التام، وبدأ الطلاب يتهامسون ويتناقشون بحِدة وجلبة سرت كالنار في الهشيم:

ـ أجل.. لماذا علينا البقاء تحت حكمهم برغم أنهم طلاب مثلنا تماماً؟!

ـ صحيح! حتى المعلمون لم ينتقلوا معنا لأنهم لم يكونوا في ردهات المدرسة أثناء الكارثة!

ـ هيا انهضوا.. نحن لسنا عبيداً ملزمين بطاعتهم وتأمين دفئهم!

ـ أجل هيا بنا.. بمقدورنا أن نصبح نحن قادة أنفسنا أيضاً، أليس كذلك؟!