الكوارث المتسلسلة الفصل 14

اقرأ الكوارث المتسلسلة الفصل 14 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الرابع عشر: مسرحية مألوفة.. وجلاد جديد

شعر أوزيريس براحة لم يذق مثلها منذ مدة طويلة. ورغم أنه لم يقضِ في هذا العالم الموحش سوى بضعة أيام، إلا أنها كانت بمنزلة جحيم مطلق بالنسبة له. انعكست ألسنة اللهب المتراقصة في عينيه الصفراوين، وسرى في جسده شعور غريب يمزج بين السكينة المؤقتة والترقب الحذر؛ إذ كان يوقن تماماً أن شيئاً لم ينتهِ بعد. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة باهتة، وأطلق تنهيدة ارتياح عميقة نبعت من أقصى خوالج قلبه.

لكن تلك الابتسامة سرعان ما تلاشت وتبددت حين داهمه الواقع المرير؛ فعليه الآن العيش على حافة هذه الغابة المظلمة، ولم يتبقَ سوى بضع ساعات على غروب الشمس. وجد نفسه يتأرجح بين طمأنينة عابرة وقلق مستعر من المجهول الذي يتربص به في كل زاوية.

رفع نظراته ليتحرى تفاصيل محيطه بشكل أفضل؛ لمح على يساره بضعة أشخاص يتحلقون حول نار بائسة خافتة تقع مباشرة عند حافة الغابة، وتكرر المشهد ذاته على جهته اليمنى. كان معظم الحشد الضخم يتمركز في منتصف البقعة الخالية، وغالبيتهم الساحقة من أصحاب الزي المدرسى الأبيض النظيف، بينما أُجبر الباقون على التجمع عند التخوم المظلمة للأشجار.. كأنهم جدار بشري ودروع حية وُجدت لحماية "السادة" في المنتصف من فتك المسوخ الليلية! والآن، أصبح أوزيريس رقماً جديداً في صفوف هذه الدروع المستهدفة.

لم يكن أوزيريس قلقاً بشأن شح المياه أو الطعام؛ فهؤلاء الأشخاص تكفلوا بتأمينها لثلاثة أيام، وحتى إن انقضت تلك المهلة، فإنه يمتلك مؤنه الوفيرة الخاصة التي خبأها بعناية أعلى الشجرة الشاهقة.

لكن ثمة تساؤل أخذ يطحن عقله بفضول: ما الجدوى من إشعال النيران في وضح النهار برغم أن الطقس ليس بتلك البرودة القارسة؟ نعم، الجو يميل إلى البرودة، لكن ليس لدرجة تستدعي هدر الحطب. أليس من الأجدى الحفاظ على هذا الخشب لإشعاله في الليل الحالك حيث تكون النيران سبيلاً لحماية أكبر عدد من الأرواح؟

أمال أوزيريس رأسه قليلاً وتمتم في سره بنبرة باردة:

«أوه.. يبدو أنني فهمت اللعبة! إنهم يريدون تقليص أعداد البشر في هذا المعسكر.. في الواقع، هذا المخطط الخبيث يصب في مصلحتهم تماماً؛ فموت الضعفاء ليلاً سيقلل حصص الطعام ويخفف من الاستهلاك اليومي للموارد. ورغم أنهم سيخسرون بذلك جزءاً من جدارهم البشري الحامي.. إلا أنه يبدو أنهم يفضلون وفرة المؤن على حياة الآخرين».

بعد فترة وجيزة، بدأت الشمس تقترب من الأفق معلنةً بداية الغروب، واجتاحت الظلمة البقعة التي يقبع فيها أوزيريس قبل أن تغيب الشمس تماماً، وذلك بفعل الأشجار العملاقة المتشابكة التي تحجب خيوط الضوء الأخيرة.

في تلك الأثناء، خبت ناره تماماً وانطفأت بعد أن استنفدت حطبها بالكامل، دون أن يكلف أولئك الذين أوقدوها أنفسهم عناء إحضار قطع خشبية بديلة. كان الطلاب المسترخون في المنتصف يتحدثون بجهارة وضحكات صاخبة، ويلقون بنظراتهم نحو أوزيريس بين الحين والآخر، قبل أن ينهض أحدهم ويتقدم نحوه بخطى ثقيلة. لم يكن الفتى الأشقر الغامض الذي استجوبه سابقاً، بل كان أحد التابعين الذين كانوا يجلسون بجواره حول النار الكبيرة.

توقف الفتى أمامه، وقال بنبرة تقطر تعجرفاً وتهديداً:

ـ هيه أنت! اذهب واجمع الخشب من الغابة لنفسك إن كنت ترغب في البقاء حياً هذه الليلة. لا تزال أمامك فرصة ضئيلة لجمع الحطب قبل أن يحل الظلام الدامس وتخرج الوحوش.. إن لم تتحرك الآن، فستضيع فرصتك الوحيدة، ولعلمك.. لن تمنح فرصة أخرى!

رد أوزيريس ببروده المعتاد وهدوء مستنكر:

ـ أليس من المفترض أن تؤمنوا الحطب بأنفسكم؟

ابتسم الفتى بسخرية واضحة وعقب متهكماً:

ـ لقد أعلنا أننا سنؤمن الطعام والماء فقط.. ولم يقل أحد منا إننا سنتكفل بحطبكم أيضاً!

صمت أوزيريس ولم يبدِ أي ردة فعل، ليستدير الفتى مغادراً وهو يرمي كلماته الأخيرة بلامبالاة:

ـ على أية حال، الخشب لك وليس لنا.. إن أردت الموت جوعاً وبرداً فابقَ في مكانك، فلم يجبرك أحد على الحراك، لكن صدقني.. لن تنجو الليلة بلا نار.

غادر الفتى، وبقي أوزيريس جالساً في مكانه يحلل الموقف بتوجس؛ فلم يخبره أحد من قبل وجود هذه القاعدة المفاجئة. لمحت عيناه بضعة طلاب يخرجون من بين الأشجار الكثيفة يحملون حزم الحطب فوق أكتافهم، ليتوجه كل منهم نحو مجموعته الخاصة.

وفجأة، نهض أحد الطلاب المنتمين لطبقة المنتصف، وأخذ يدور بوقاحة حول كل طالب عائد من الغابة، منتزعاً منه نصف الحطب الذي جمعه عنوة كضريبة بقاء جائرة!

انطلق صوت غاضب ومكتوم من الجهة اليمنى لأوزيريس، حيث كان أحد الطلاب يتمتم بحنق عارم:

ـ تباً لهم! رسوم.. رسوم.. رسوم في كل مكان! لماذا يتوجب علينا دفع ضريبة مقابل البقاء لفترة أطول قليلاً في هذا الجحيم؟ هذا الوضع بات لا يطاق أبداً!

كان الصوت قادماً من بقعة لا تضم سوى شخصين؛ نهض أحدهما وكان ضخم البنية بشكل يثير الذهول. ورغم أنه لا يزال طالباً في ريعان شبابه، إلا أن عضلاته المفتولة وجسده العملاق يعكسان قوة بدنية مرعبة.

نظر أوزيريس إليه، وتمتم في سره بابتسامة ساخرة متسلية:

«هههه.. حقاً، لا أدرك كيف استطاع إدخال جسده في تلك الملابس المدرسية دون أن تمزقها عضلاته.. أنا أشفق على القماش الذي يعاني تحت وطأته الكاسحة!».

لكن فكاهة أوزيريس الداخلية لم تدم طويلاً؛ إذ استدار ذلك العملاق وتوجه نحوه مباشرة بخطوات زلزلت الأرض من تحتها! اعتلت أوزيريس ملامح الدهشة الصامتة، بينما لمحت عيناه النار خلف الضخم وهي في نزعها الأخير وتوشك على الانطفاء تماماً.

وصل العملاق إلى بقعة أوزيريس. ظن الأخير أنه سيتوقف على بعد بضعة أمتار تماشياً مع حدود اللياقة، لكن الضخم واصل اندفاعه العنيف حتى وقف بجانبه تماماً، يلقي عليه نظرات غامضة ومريبة، بينما كان أوزيريس يرمقه بطرف عينه بحذر شديد ويقظة تامة.

دون سابق إنذار، امتدت يد العملاق الغليظة لتقبض على ياقة سترة أوزيريس بعنف، رافعةً جسده عن الأرض كأنه ريشة في مهب الريح! تفاجأ أوزيريس من هذا الهجوم المباغت، لكنه سرعان ما استعاد بروده الجليدي وثباته المعتاد. التفتت أنظار الجميع في المعسكر نحوهم بملامح باردة وخالية من الاهتمام، وكأن ما يحدث أمامهم ليس سوى مسرحية يومية مألوفة اعتادوا مشاهدة فصولها المكررة بملل شديد!