الكوارث المتسلسلة الفصل 13

اقرأ الكوارث المتسلسلة الفصل 13 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الثالث عشر: معسكر الغرباء وضريبة الأمان

أمسك أوزيريس بالظرف الأحمر والعملة الذهبية، ودسهما بعناية داخل جيب بنطاله. نهض وتوجه نحو الصندوق الفضي، ثم انحنى ليلتقط العباءة السوداء الطويلة؛ وضع أرغفة الخبز، والتفاح، وقارورة الماء داخلها، ثم لفّ العباءة حول المؤن بإحكام وقبض عليها بيده، مستأنفاً مسيرته نحو الشرق. لم يكن يملك دليلاً قاطعاً يدفعه لجهته تلك، لكن غريزته الحذرة كانت تشير إلى أن هذا الاتجاه هو الخيار الأفضل حالياً.

كانت الغابة شاسعة وعملاقة بشكل يتحدى التصديق؛ إذ مشى لعدة ساعات متواصلة دون أن يلوح له أي أفق لنهايتها. ورغم جفاف حلقه الحارق، لم يشرب قطرة واحدة من الماء، بل كان يضغط على نفسه ويكبح رغبته في الارتواء ليوفر مؤنه لأوقات أكثر حرجاً.

فجأة، تناهى إلى مسامعه صوت حوار بشري ينبعث من بين الأشجار أمامه، فتوقف في مكانه على الفور. اعتلت ملامحه أمارات التوجس الحذر؛ نظر إلى المؤن التي يحملها بين يديه، ثم حدق نحو مصدر الصوت. في هذا العالم الموحش، لم تعد الوحوش المفترسة هي المعضلة الأكبر.. بل كان الخطر الحقيقي يكمن في (البشر).

ركض بسرعة وخفة، متفادياً إصدار أي جلبة قد تكشف أمره، وتسلق جذع شجرة قريبة ببراعة، متوغلاً بين أغصانها العالية وأوراقها الكثيفة. أسند ظهره بصلابة إلى الجذع وثبّت قدمه على غصن مستقيم أمامه، ثم علّق العباءة التي تحوي المؤن على غصن صغير بدا كافياً لتحمل ثقلها.

ترك أوزيريس مؤنه معلقة بأمان، وبدأ يتنقل بين الأغصان نزولاً حتى هبط على الأرض بمرونة فائقة. نفض الغبار عن ثيابه وتوجه بحذر نحو مصدر الصوت، متمتماً في خوالج نفسه بتوجس: «أرجو ألا يكونوا أشخاصاً أعرفهم.. فالذين أتحمل معرفتهم لا يجلبون سوى المصائب من العدم!».

كان التوتر يتسلل إلى أعصابه، لكنه جاهد ليحافظ على هدوئه المعتاد؛ تحسس نصل الخنجر الأسود القابع في جيبه، وشعوره بوجوده منحه جرعة من الارتياح، قبل أن يخطو خارجاً من بين الأشجار الكثيفة ليدلف إلى مساحة واسعة وخالية تماماً من الشجر.

لم يكن الجمع أمامه مكوناً من خمسة أو عشرة أشخاص، بل كان حشداً ضخماً يثير الذهول! كان هناك طلاب يرتدون زياً مدرسياً أبيض، لكن عددهم كان أقل بكثير من أولئك الذين يرتدون الزي الأحمر. وفي تلك اللحظة، انتبه إليه أحد الطلاب الذي كان يحمل حزمة من القطع الخشبية، فصرخ بنبرة حادة:

ـ هيه أنت! من تكون يا هذا؟!

التفتت معظم الأنظار نحو أوزيريس المتسمر بمكانه جراء تلك المفاجأة. وفجأة، نهض أحد الطلاب الذين كانوا يجلسون في المنتصف حول نار مستعرة؛ كانوا يستندون إلى جذع شجرة عملاقة مقطوعة، تقف خلفها شجرة أخرى سليمة لم تُمَس، وكانت الوحيدة القائمة في تلك البقعة. كان ذلك الفتى يرتدي الزي الأبيض، وتقدم بخطى واثقة نحو أوزيريس حتى وقف أمامه مباشرة، في حين التزم أوزيريس الصمت يترقب.

تفحص الفتى ملابس أوزيريس بعينين ناقدتين وطرح سؤاله ببرود:

ـ في أي مدرسة تدرس أنت؟

أجابه أوزيريس بنبرة متلعثمة مصطنعة ليجاري الموقف ويخفي قوته:

ـ أ.. أنا.. من مدرسة «كرونوس».

ارتفع حاجب الفتى بتعجب وأردف مستفسراً:

ـ كرونوس؟ حسناً.. وفي أي قسم تكون؟

رد أوزيريس بثبات أسرع:

ـ القسم الثاني.

أومأ الفتى برأسه وقال:

ـ حسناً، القسم الثاني إذن. بالمناسبة.. هل تنوي البقاء هنا معنا، أم أنك ستغادر المكان؟

دارت الأفكار كالإعصار في عقل أوزيريس: «هل سأبقى؟ ولماذا عليّ البقاء؟ أو بالأحرى.. لماذا قد أغادر؟ إن رحلت الآن في هذه القفار سأكون كمن يبيع حياته للموت بالمجان! لقد نجوت بأعجوبة طوال المدة الماضية بفضل الحظ البحت، والمعلومات هنا قد تكون مفتاح نجاتي». اتخذ قراره الحاسم فوراً، وأجاب:

ـ حسناً، سوف أبقى هنا.

عقّب الفتى بنبرة جافة وخالية من المشاعر:

ـ حسناً، يمكنك البقاء لثلاثة أيام سنؤمن لك فيها الطعام والماء.. ولكن بعد انقضاء هذه المدة، عليك الاعتماد على نفسك تماماً؛ فنحن لا ندير جمعية خيرية هنا، هل فهمت ما أقوله؟

أشار الفتى بإصبعه نحو الجهة اليمنى، حيث كان يقبع بعض الأشخاص. لم يكن في ذلك المكان سوى جذع شجرة مقطوعة وتلتصق به حدود الغابة المظلمة مباشرة؛ مما يعني أن من يجلس هناك سيكون خط الدفاع الأول والهدف الأسهل للوحوش إن شنت هجوماً مباغتاً. التفت أوزيريس نحو الفتى وسأله بنبرة مستنكرة:

ـ هل سأجلس هناك.. عند حافة الغابة تماماً؟

رد الفتى ببرود قاسٍ وهو يستدير مغادراً:

ـ أجل.. وإن لم يعجبك الأمر، فالمجال مفتوح أمامك لتغادر؛ وكما أخبرتك سلفاً.. نحن لسنا جمعية خيرية!

عاد الفتى إلى مكانه ليتخذ مجلسه بجانب النار. صمت أوزيريس ووقف في مكانه لبرهة يستوعب المعطيات، قبل أن يتوجه نحو البقعة المحددة له. ألقى نظرة سريعة على المخيم المكتظ، وقدر عدد الطلاب المتواجدين هناك بنحو مئتين وخمسين شخصاً.

جلس فوق الجذع المقطوع وجعل عتمة الغابة خلف ظهره تماماً. بعد دقائق، تقدم بضعة طلاب، وألقوا ببعض الأخشاب والأعشاب الجافة أمامه، ثم أشعلوها باستخدام ولاعة قاذفة للهب قبل أن يغادروا دون نبس ببنت شفة. مدّ أوزيريس يديه نحو النيران المتراقصة يستمد منها الدفء، وشعر بحرارتها تضرب جسده الذي اعتاد البرودة القارسة لفترة طويلة، وعقله مشغول بالبحث عن وسيلة لقراءة الظرف الأحمر دون أن يلمحه أحد.