الكوارث المتسلسلة الفصل 12

اقرأ الكوارث المتسلسلة الفصل 12 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الثاني عشر: الصندوق الفضي والعملة الغامضة

توقف أوزيريس وبدأ يبحث خلف الأشجار الكثيفة، آملاً العثور على صندوق آخر يسد به رمقه. وفي غمرة بحثه، التمعت في عقله خاطرة ذكية جعلته يدرك أمراً في غاية الأهمية؛ إن الوحوش لا تظهر سوى في الليل! فمع بزوغ أول خيط للشمس، اختفت كل تلك المسوخ دون أن تترك خلفها أي أثر يذكر، وكأن الأرض انشقت وابتلعتها في جوفها.

سار أوزيريس إلى الأمام وهو يقلب هذا الأمر في عقله طويلاً، لكنه لم يجد أي تفسير منطقي يربط اختفاءها المفاجئ بضوء النهار. نفض تلك الأفكار المشوشة عن ذهنه، وركز كل طاقته على هدفه الأساسي: البحث عن صندوق بقاء. قطع مسافة طويلة ومضنية، لكن دون جدوى؛ فالأشجار بدت متطابقة والغابة كأنها متاهة لا نهاية لها.

رفع نظره نحو الأعلى، فرأى ثماراً وفواكه طازجة معلقة على بعض الأغصان، بيد أن غريزته الحذرة ألجمته عن قطفها؛ فما كان يخشاه حقاً هو أن تكون تلك الفواكه الغريبة سامة. هذه الثمار لا وجود لها في العالم الحقيقي، وإن خاطر وأكلها وكانت مسمومة، فستذهب كل جهوده المستميتة للعيش سدى. آثر عدم المخاطرة بمعدته الفارغة وأكمل طريقه، متلفتاً يمنة ويسرة؛ تارة بحثاً عن صندوق، وتارة أخرى تحسباً لأي وحش قد يكون كاسراً لقاعدة الليل ومختبئاً في الظلال الصباحية.

ورغم أنه لم يكن متيقناً من طبيعة وحوش النهار، إلا أن طول السير دون نتيجة جعله يفقد الأمل تدريجياً. أغمض عينيه بتعب، ودس يده في جيب سترته، مواصلاً خطاه كأنه يائس من العثور على مبتغاه.

فتح عينيه ببطء ليتفقد طريقه، لكنه قفز إلى الوراء فوراً بفزع جلي اعتلى ملامح وجهه، وتجمد في مكانه بينما أخذ العرق البارد يتصبب من جبينه. كانت أمامه أفعى رمادية، متوسطة الحجم، تشبه تماماً الأفاعي التي تطأ العالم الحقيقي. كانت ترفع رأسها وتنفث لسانها المتشعب باستمرار، محدقة في أوزيريس ببرود، لكنها سرعان ما انثنت وانسلت مبتعدة بين الأعشاب الكثيفة.

قبل ثوانٍ معدودة، كان أوزيريس على وشك أن يدعسها بقدمه دون انتباه، وهذا ما أثار روعه وصدمته.

جثا على ركبتيه، ووضع كفه فوق صدره من الجهة اليسرى يتحسس قلبه الذي كان يخفق بقوة وسرعة جنونية. تمالك نفسه ونهض مجدداً، ليوجه نظراته نحو الأرض أمام خطاه بتركيز مطبق؛ خوفاً من أن يطأ أي كائن مؤذٍ دون دراية. لولا أنه فتح عينيه في الأجزاء الأخيرة من الثانية، لكان الآن يحتضر أثراً لدغتها السامة.

رفع رأسه ليأخذ نفساً عميقاً يهدئ به روعه، لكن جسده تجمد هذه المرة؛ لم يكن السبب وحشاً ولا حيواناً، بل كان صندوقاً! كان صندوقاً معلقاً بخيوط نباتية متينة بين أغصان الأشجار المرتفعة. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي أوزيريس، وزفر نفساً طويلاً محملًا بالراحة، ثم تمتم في خوالج نفسه: «حسناً، لقد عثرت على الصندوق، ولكن كيف سأنزله؟ إنه معلق في مكان شاهق الارتفاع، ولا يمكنني بلوغه بسهولة».

تسلّق إحدى الأشجار المجاورة بمرونة وخفة حتى استقر فوق أعلى غصن يمكنه تحمله، ومع ذلك، كان الصندوق لا يزال يبعد عنه نحو عشرة أمتار كاملة. أخرج أوزيريس الخنجر الأسود من جيب سترته، وتهيأ لإلقائه نحو الخيوط النباتية؛ لم يكن واثقاً من دقة رميته من هذه المسافة، لكن بريق الأمل داخله كان يدفعه للمحاولة؛ فإن فشل، فسيحاول مرة أخرى، ومرة أخرى، حتى يسقطه.

قذف الخنجر بكل ما أوتي من قوة، ليمر النصل بدقة ويقطع أحد الخيوط، قبل أن يسقط الخنجر هاوياً نحو الأرض. خاب أمله قليلاً لأنه لم يقطع كافة الخيوط، فتهيأ للنزول إلى الأسفل لاستعادة سلاحه والمحاولة مجدداً.

لكن، في تلك اللحظة، تناهى إلى مسامعه صوت حاد يشبه تمزق حبل مشدود! رفع نظره بسرعة خاطفة، ليرى الصندوق الفضي وهو يهوي نحو الأرض مباشرة حيث سيسقط هو. أدرك الخطر، وبمجرد أن نزل من الشجرة واستقر على الأرض، اندفع بجسده إلى الخلف مستنداً بذراعيه، متفادياً الصندوق الضخم الذي هوى كالصاعقة، وكاد أن يحطم رأسه تماماً!

حدق أوزيريس في الصندوق بصدمة حابسة للأنفاس، مدركاً أنه نجا للتو من موت محقق؛ فالصندوق كان ثقيلاً للغاية لدرجة أنه صنع شقوقاً واضحة في التربة الصلبة أسفله، وكان يبدو عتيقاً تحيط به أعشاب غريبة نمت فوق سطحه المعدني.

طمأن أوزيريس روعه قائلاً بصوت خافت:

ـ لا بأس أوزيريس.. لقد نجوت، اهدأ، اهدأ..

أخذ شهيقاً عميقاً ثم أتبعه بزفير بطيء حتى انتظمت أنفاسه المتهدجة. وقف على قدميه، وتقدم بضع خطوات بثبات حتى وقف أمام الصندوق مباشرة. نظر إليه لبرهة، ثم انحنى وبدأ يزيل العشب المتشابك والنباتات الطفيلية العالقة به. وحين اتضح شكل الصندوق، تبين له أنه يختلف عن السابق؛ إذ كان مصنوعاً من معدن فضي مصقول، وإن كان مطابقاً له في الحجم. وبتوجس حذر، فتح غطاء الصندوق أخيراً..

من الداخل، كان الصندوق يبدو جديداً تماماً وكأنه صُنع لتوّه، مما أثار دهشته، لكنه سرعان ما استعاد بروده المعتاد ليتفقد المحتويات: قارورة ماء بلاستيكية، وسبعة أرغفة من الخبز بحجم كف اليد، بلون أحمر داكن وتبدو وكأنها خرجت من الفرن للتو، غير أن المفارقة الوحيدة كانت في ملمسها البارد كالثلج. كما وجد ثلاث تفاحات ناضجة، وسترة سوداء جديدة وطويلة. ولكن، كان ثمة شيئان غريبان يقبعان في الزاوية: ظرف أحمر مستطيل مغلق بإحكام، وبجانبه عملة ذهبية براقة بنقوش مبهمة.

التقط أوزيريس قارورة الماء بنهم، وفتح سدادتها ثم ارتشف منها القليل؛ لم يتهور ويشرب نصفها كما فعل في المرة الأولى بالكهف، بل اكتفى بجرعات صغيرة بلت حلقه الجاف، ورغم أنها لم تروِ عطشه تماماً، إلا أنه لم يكترث، ليقينه بقدرته على تحمل بقية اليوم بهذا القدر الضئيل.

بعد فترة وجيزة، كان أوزيريس يستند بظهره إلى جذع شجرة ضخمة، وقد التهم رغيفين من الخبز بينما بقيت الأرغفة الخمسة الأخرى بأمان داخل الصندوق الفضي مع التفاح والماء؛ إذ قرر الحفاظ على هذه المؤن قدر المستطاع لضمان البقاء. غير أن التساؤل الذي كان يطحن عقله بصدق في تلك اللحظة: ما سر هذا الظرف الأحمر؟ وما الذي تعنيه هذه العملة الذهبية؟