الكوارث المتسلسلة الفصل 11

اقرأ الكوارث المتسلسلة الفصل 11 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الحادي عشر: شطرنج الموت ولعنة الليل

قبل أن يبتلع الأفق آخر خيوط الشفق الأحمر، كان رينزو يجرّ خطاه الثقيلة والمؤلمة وسط أحراش الغابة المظلمة، مستنداً بكل ثقله على كتف صديقه الناجي التائه. زفر الفتى بإنهاك وهو يشعر بارتعاش جسد رينزو، وقال بنبرة قلقة تفيض بالتعب:

ـ رينزو، هل أنت بخير؟ لماذا لا نأخذ استراحة قصيرة؟ فأنت لم تعد قادراً على السير بتلك الساق المتهالكة.

رد رينزو بملامح جامدة وعينين يسكنهما ظلام كاحل:

ـ لا.. لنواصل السير، ما زلت أستطيع الحراك ولم تخر قواي بعد. يمكنني المواصلة.

بدأ صديقه غير راضٍ عن هذا العناد الانتحاري، لكن غياب الخيارات جعله يستسلم مكبلاً بالعجز المطلق. كان رينزو يثبت نظراته نحو الأرض وعقله يغلي بالأفكار الخبيثة، وفجأة، توقف صديقه عن السير متجمداً في مكانه! رفع رينزو رأسه ببطء ليستفسر عن سبب التوقف، لكن ملامحه التوت بصدمة مباغتة.

على بعد خطوات قليلة، ظهرت خمسة ذئاب برية عملاقة، شبيهة تماماً بتلك المسوخ المرعبة التي واجهها أوزيريس سابقاً. كانت تتحرك بوأد وتتحسس العشب، شاحذة مناخيرها في الأرض بحثاً عن جيفة أو طريدة. لم يجرؤ رينزو ولا صديقه على النطق بحرف واحد، وبقيا متسمرين والأنفاس محبوسة في صدورهما. التفت أحد الذئاب نحو مصدر حركتهم، لكنه سرعان ما أدار رأسه في الاتجاه الآخر؛ عندها التمعت فكرة ذكية في ذهن رينزو وأدرك أن هذه الوحوش تعاني من عمى بصري كامل. ولكن، في الأجزاء من الثانية التالية، بدأت الذئاب ترفع رؤوسها في الهواء، وكأنها استنشقت رائحة بشرية غريبة، وبدأت تتقدم نحوهم بخطوات مهددة.

كانت الشفرة الجليدية الحادة، التي كاد رينزو أن يغرسها في عنق أوزيريس، لا تزال قابعة في كفه اليمنى. قام رينزو بضخ ما تبقى من قوته ليمتد النصل ويصبح أكثر طولاً وحِدة؛ ظنّ صديقه أنه يجهز السلاح لخوض معركة حياة أو موت ضد قطيع الذئاب البشعة.. ولكن، على عكس كل التوقعات، التفت رينزو بحركة خاطفة وغرس الشفرة الجليدية بكل وحشية في عمق عنق صديقه المستسلم!

اتسعت عينا الفتى بصدمة هستيرية تفيض بالذهول والخيانة الفادحة، وحاول الصراخ أو الاستغاثة، لكن حباله الصوتية كانت قد قطعت بنفاذ النصل النظيف. جثا المسكين على ركبتيه، واضعاً يديه فوق عنقه النازف محاولاً التقاط أنفاسه، لكن ما كان يتدفق من بين أصابعه لم يكن سوى شلال قاتل من الدماء القانية. جثا رينزو بجانبه ببرود تام، وأمال رأسه هامساً مباشرة في أذنه اليمنى بنبرة أفعوانية تقطر سماً:

ـ أنتم لم تكونوا يوماً سوى قطع شطرنج لا تتحرك إلا إذا حركتها أصابعي.. كل ذلك الغضب والجنون الذي رأيته عندما صرخت لأجل أصدقائي.. أوه لا، دعنا نكون دقيقين؛ أولئك الأغبياء لم يكونوا أصدقائي يوماً! كان كل شيء مجرد تمثيل متقن. هل كنت مقنعاً حقاً؟ منذ اللحظة الأولى التي التقينا بها، لم تكونوا سوى أدوات نكرة يمكنني التخلص منها في أي وقت أريد. بل في الواقع، يبدو أن تمثيلي قد أثمر بشكل ممتاز، بما أن هناك أحمق ضحى بحياته ليحميني من الموت قبل قليل.

نهض رينزو واقفاً بنبذ وازدراء، وسحب خنجره الجليدي بعنف ليترك جثة صديقه تتهاوى على التراب، ومشى بخطى عرجاء متفادياً محيط الذئاب بكل هدوء. أكمل طريقه نحو الغرب دون أن يلتفت ولو لمرة واحدة إلى صديقه الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة في نزاعه مع الموت.

في تلك الأثناء، انتشرت رائحة الدماء الزكية في الأرجاء؛ استنشقتها الذئاب العملاقة برغبة عارمة، وانطلقت تلك المسوخ كالسهام نحو الفتى المستلقي، وبدأت تلتهم جسده بوحشية مروعة! غرس أحد المسوخ أنيابه في عنقه، وأخذ يرج رأسه يميناً ويساراً بقوة هائلة حتى انفصل الرأس تماماً عن الجسد. لم تهتز شعرة واحدة في وجه رينزو البارد وهو يبتعد، بينما كانت الدماء تصبغ محيط العشب، والمسوخ الخمسة مجتمعة حول وليمتها البشرية لسد جوعها كطعم ألقي لها لتهدئة روعها.

على الجانب الآخر من الغابة، وتحديداً فوق الأغصان العريضة للشجرة العملاقة، كان أوزيريس يمسك برأسه قليلاً محاولاً طرد الأفكار المشوشة قبل أن ينزل يديه مستسلماً للنوم. ودون أن يشعر، استيقظ فجأة ظاناً أنه غفا لبضع لحظات فقط، لكنه سرعان ما غير رأيه عندما رأى أن الظلام الحالك قد اجتاح المكان بالكامل، فارضاً سيطرته المطلقة على الغابة.

لسبب ما، تلاشت الرغبة في النوم من عينيه ولم يعد يشعر بالنعاس مجدداً، فبقي مستلقياً يراقب عتمة الليل بجمود مريب. كانت أصوات الوحوش المفترسة البعيدة والصرخات الدموية تصل إلى مسامعه، لكنه لم يبدِ أي اهتمام، بل صب كل تركيزه على عدم إصدار أي صوت قد يكشف موقعه؛ كانت نظراته الصفراء خالية تماماً من المشاعر كعادته. عاود إغلاق عينيه محاولاً النوم مرة أخرى، لكن جسده رفض الاستجابة.

فجأة، تحركت بعض الوحوش الضخمة من تحت شجرته مباشرة؛ لم تكن هيئتها واضحة بسبب غياب الضوء، لكن صوت خطواتها الثقيلة واحتكاك أجسادها بالجذع كانا واضحين للغاية. وضع أوزيريس كفه فوق فمه، كاتماً أنفاسه بالكامل؛ فالغابة غارقة في صمت مطبق، وأي خطأ أو نفسٍ مسموع قد يثير انتباه هذه الكائنات ويؤدي إلى حتفه حتماً.

ابتعدت تلك الوحوش أخيراً متوغلة في العتمة، ليأخذ أوزيريس نفساً طويلاً وعميقاً، ثم زفره ببطء. عادت الغابة إلى سكونها المرعب، وصار صوت أنفاسه المتهالكة هو الشيء الوحيد المسموع في محيطه. وطوال تلك الليلة، كان مع كل صوت غريب يكتم أنفاسه بيقظة حذرة؛ فخطأ واحد هنا يعني الهلاك.

انقشعت عتمة الليل وحلّ الصباح أخيراً بعد معاناة طويلة ومضنية؛ امتلأ المكان بأصوات الطيور وحفيف الحشرات النابضة بالحياة، واختفى أي أثر للوحوش الليلية المرعبة.

قفز أوزيريس من فوق غصن الشجرة مستقراً على الأرض بمرونة فائقة، والتفت يميناً ويساراً؛ لقد تسببت عتمة الليل في تشتيت حواسه ليفقد إحساسه بالاتجاهات تماماً. لكن بمجرد أن رصد خيوط الشمس الأولى وهي تشرق في الأفق، حدد وجهته واتجه نحو الشرق مكملاً طريقه بثبات.

كان يسير ببطء، وتتحرك عيناه بدقة بين الأحراش، متأملاً العثور على أي صندوق أصفر مشابه للذي وجده داخل الكهف. لقد نفد ما لديه من ماء وطعام، ولم يكن هناك أي شيء قابل للأكل في هذه البيئة القاحلة؛ حتى الحيوانات العادية كالأرانب أو غيرها من الكائنات التي تتواجد في العالم الحقيقي... اختفت تماماً هنا، ليحل محلها المجهول فقط.