الفصل 78 كانت مار تطوف غرفتها في القصر الإمبراطوري ذهاباً وإياباً وهي تعصر ذهنها بحثاً عن ذريعة تقنع بها البقية بدعوتهم إلى تيرا للاحتفال بيوم ميلادها، من دون أن تفصح عن حقيقة كونها أميرة. لم تجد سوى أن تخبرهم بأنها تنتمي إلى إحدى العائلات النبيلة وتملك دعوات إضافية للأصدقاء. وقد أثار هذا تساؤلات حول خلفيتها ومن تكون والعائلة التي تنتمي إليها، لكنها قطعت الطريق عليهم بادعائها الانشغال وعدم الرد على رسائلهم.
أطلقت زفرة محبطة وراحت تلعن جدتها في سرها مرة أخرى. فقد وضعتها دعوات أمليا الطائشة لأصدقائها في موقف حرج لا مفر فيه من كشف تفاصيل صغيرة عن حياتها الشخصية أمام رفاق فريقها الذين تفضل إبقاءهم في الظلام. ولا شك أن هذا كان جزءاً من خطة الإمبراطورة. فأمليا أذكى من أن تقدم على خطوة كهذه من دون أن تعي عواقبها. ولعلها أرادت لمار أن تكف عن اللهو وتتخذ قراراً بشأن ما تريد فعله بحياتها، ويفضل أن يكون شيئاً أقل عنفاً من أن تصبح طيارة.
لكن هذا ما كانت تستمتع به. لقد عشقت القوة التي يمنحها إياها الآلي وبهجة القتال. وقبل أن تتمادى في أفكارها، أومض رابط الاتصالات على معصمها معلناً وصول رسالة. وما إن رأت التدرج الوردي وصورة القط الكرتونية اللطيفة تحومان فوق الجهاز، حتى أدركت أن سد هي من ترسل. مررت يدها فوق الشاشة المجسمة وفتحته فوراً متوقعة استفساراً عن موعد وصولها إلى البطولة.
"هيه يا مار! هل أنت في طريقك؟ لقد ظهر أحدهم في التصفيات التمهيدية وأظن أنك ترغبين في لقائه!"
وختمت سد رسالتها برمز تعبيري لوجه مبتسم يحيطه قلب. توقفت مار عن المشي وحدقت في الرسالة متسائلة عن الشخص الذي تقصده. ولم تجد بدّاً من فتح شاشة الاتصال والشروع في الكتابة على لوحة المفاتيح المجسمة.
"من؟"
أرسلت مار، وظلت تنتظر الرد بضأن. وبدل إرسال رسالة نصية، بعثت إليها سد بصورة التقطت من الساحة. كان الثلاثة يجلسون في مدرجات الساحة الحجرية، يحيط بهم ملايين البشر في حلقة واسعة تحيط بالمركز. وكان المشهد لوحة ملونة من المشجعين والرايات التي تعلن دعمهم لعشائر أو طيارين معينين. بصرت مار بمعركة تحتدم في مدينة كبرى داخل الصورة الثابتة. ورأت الحطام المتصاعد منه الدخان للآليين يفرش الأرض بينما شقت ومطات طاقة بنادق الليزر العاصمة.
كانت نصف المباني أطلالاً والنيران تشتعل بلا رادع. وفي يمين الصورة ظهر إسقاط للوحة الصدارة يعتليها اسم مألوف. احتل ميريت أوف كاليدون المركز الأول بعشرين نقطة، واستناداً إلى الإطار الأخضر المحيط باسمه، فقد ضمن مقعده في البطولة. وظهرت قائمة بطيارين آخرين يحملون الإطار الأخضر ذاته على نقاطهم متخلفين عن ميريت. وإن شابه أي شك، فقد تبدد بعد لحظات حين رأت مار صورته على الجانب الأيسر من الساحة، إلى جانب كافة المعلومات التي جمعها المنظمون عنه.
فقد انضم كالين كاليدون، أو ميريت، إلى اللعبة قبل أكثر من عامين لكنه لم يسجل سوى أشهر قليلة من اللعب. وأشارت بضع ملاحظات إلى أسباب غيابه من دون تقديم تفاصيل قطعية. ووعدت بإجراء مقابلة مع المتنافس الأول قبل انطلاق البطولة. حدقت مار في وجه كالين الوسيم وتصاعد غضبها وهي تراه يتبختر بصورته علناً. فبدلاً من أن يسلك مسلك الاحتمال ويتوارى في كاليدون كي لا يعرض الناس لخطايا عائلته، شارك في بطولة أمام ملايين البشر!
والأنكى من ذلك أنه، ورغم لحية خفيفة تخفي ملامحه، لن يمر وقته طويل قبل أن يربط الناس خيوط هويته. لقد غاب عن الوعي العام لقرون، لكن الناس أذكياء. وسيقدم أحدهم على جمع الخيوط وفضحه. وكأنه لا يأبه بالعواقب على الإطلاق. صرّت مار على أسنانها وكتبت رسالة إلى سد تعدها فيها بالحضور بعد قليل. أغلقت لوحة الاتصال على جهازها ومضت بخطى حاسمة صوب محطة الواقع الافتراضي.
— عاد كال إلى مخزن الآليين مهدود الحجى.
كان القتال الضاري مستنفِراً لقواه، لكنه سيحظى على الأقل ببضع ساعات للاسترخاء قبل استئناف المباريات. فتح قمرة القيادة وأرخى جسمه على وسائد الجل في المقعد مغمضاً عينيه لحظة ليستريح. كان أمراً غريباً أن يشعر بالتعب داخل اللعبة، عقله مجهد بينما جسده لا يزال نضراً مستعداً. وقاطعه وميض قناة الاتصال الخاصة بالاستطلاع مخبراً إياه بوجود مكالمة واردة. كان رد فعله الأول هو التجاهل.
فمنذ فوزه في التصفيات، سعى الكثيرون للتواصل معه. راح المنظمون يبحثون عن معلومات عنه، وسعت الشركات لترخيص شبيهه لصناعة بضائع، بل وحتى العشائر والفرق أرادت ضمه. وأُجبر على حظر جميع الرسائل الواردة، لكن الغريب أن هذه الرسالة قد اخترقت الحظر. وحين فتحها، تبين أنها جاءت من قائمة أصدقائه، وهي قناة لم تُحظر.
"هيه! لمَ لمْ تخبرنا بانضمامك إلى البطولة؟! كلنا نشجعك!"
جاءت الرسالة من أحدهم يدعى سد. وكانت صورة ملفه الشخصي تخص حيواناً كرتونياً وردياً. حدق كال فيها برهة محاولاً تذكر هذه الشخصية. كانت ذاكرته تتحسن لكنها لم تكن مثالية بعد. فلم يكن له عهد بهذا الاسم، ولم تساعده صورتها في شيء. وكان على وشك الرد حين وردت رسالة أخرى.
"تهانينا على المركز الأول في التصفيات! ذهبنا للبحث عن بضائع تحمل اسمك لكنك لا تملك شيئاً! دعنا نلتقي إن كنت متفرغاً. نحن في منطقة التسوق في الأسفل. لا ضغط!"
جاءت هذه من تاي، وتعرف كال على الوجه المرفق بالملف الشخصي. كان الشاب الأشقر حاضراً في الحدث العالمي على بيلوث، مما يعني أن سد كانت هناك أيضاً نظراً لكونهما رفيقي الفريق الوحيدين اللذين أضافهما كأصدقاء في اللعبة. وعندما نظر كال إلى الوقت، وجد أن أمامه ثلاث ساعات أخرى قبل المباراة الأولى، وحتى إن حل موعدها، فقد لا يخوض القتال أولاً. ومع وجود خمسمائة متنافس، فلا بد من وجود بعض وقت فراغ.
واتخذ قراره، فغادر الاستطلاع متوجهاً نحو المحطة التي ستنقله بتعن إلى المدينة في الأسفل.
— "كنت رائعاً يا جون! بلوغ قائمة الخمسمائة الأوائل أمر مذهل. أظن أنني ما كنت لأؤدي بشكل أفضل بنفسي."
هنأ تاي صديقه الضخم وهما يجوبان شوارع المدينة الافتراضية المستضيفة للبطولة. وحولهم، احتشد المشجعون يتناقشون حول المباراة أو يشترون أغراضاً تخص طياريهم المفضلين أو علاماتهم التجارية. وما زاد الأمر بهاءً هو تقديم المطاعم والحانات لأطعمة ومشروبات غريبة، حيث تمر المعلومات الحسية عبر المحطة لتصل إلى براعم ذوق اللاعب. ورغم أنها كانت مخففة للغاية مقارنة بالحقيقة، إلا أنها ظلت كافية لتناول ما تشاء دون قلق بشأن الوزن أو الإصابة بالمرض.
"همم، شكراً لك. كان الأمر أصعب مما ظننت. وأشك في أن أصل إلى متقدم الترتيب."
قال جون بصوته العميق المتردد.
"لا تقل هذا. لا تدري أبداً بمن ستواجه. ومع قليل من الحظ، قد تفوز بالبطولة كلها!"
أضاف ميكا. ابتسم له جون قبل أن يطأطئ بصره ناظراً إلى قميص الشاب. كانت سيم وعفريتها الفاقع يحدقان فيه معلنين ولاء ميكا الحقيقي. وتلاشت ابتسامته قليلاً عند رؤية ذلك.
"قالت مار إنها ستلتقينا هنا."
أقبلت سد وهي تجري نحوهما. كانت تقبض على مخروط مثلجات بينما تناولت آخر وأعطته لتاي. شكرها الشاب وأخذ قضمة، وبدت نكهة الشوكولاتة خفيفة في عالم الواقع الافتراضي، لكن ذلك لم يمنعه من التهامها بشراهة.
"حقاً؟ قد يكون هذا محرجاً."
رد تاي وهو يمسح المثلجات عن شفتيه.
"ولمَ ذلك؟"
سالت سد وهي تولي طعامها اهتماماً أكبر مما تقوله. تبادل تاي النظرات مع ميكا قبل أن يتابع.
"ميريت في طريقه إلى هنا. لقد رد على رسالتي أخيره."
شرح تاي، فتوقفت سد عن الأكل لتنظر إليه. وأشرق وجهها طرباً.
"سنحتاج إلى الفشار من أجل العرض!"
هتفت سد وهي تهرع بالفعل نحو الباعة.