الفصل السادس والستين "قدّم تقريراً."
أمر قائد سفينة "ريزولوت"
وهو يخطو إلى غرفة القيادة. تُعدّ ريزولوت حاملة هجومية تابعة للحرس الإمبراطوري ومكلّفة بحماية تيرا. وبطاقم يضمّ مئات الأفراد، وترسانة مؤلفة من عشرين آلية حربية متوسطة الفئة، كانت قوة يُحسب لها حساب. لخلوّها من محرك، راحت ريزولوت تجوب نظام تيرا، كواحدة من أكثر من دزينة سفينة تحرس مهبط البشرية.
"لا شيء يا سيّدي. مرّ بعض التجّار بعمليات تسليم، ففُحصوا وأُرسلوا إلى منصة إل 4 المدارية."
نقل النائب تقريره بالتزامن مع موعد تبديل المناوبات. ومع أن حراسة تيرا كانت مهمة مرموقة، إلا أنها بدت مملة نوعاً ما. لم يكن أي شخص في وعيه ليجرؤ على مهاجمة الكوكب أو ارتكاب نشاط غير قانوني في هذا النظام. وبين الإمبراطور والنبلاء في تيرا، ومقر الحرس الإمبراطوري في المريخ، شكّل هذا المكان أحد أكثر أنظمة الإمبراطورية تحصيناً.
"حسناً جِداً. أنت معفى من نوبتك."
أجاب القائد الصارم مؤدياً تحية رسمية. لقد عرفا بعضهما لسنين، لكن الانضباط متأصل في دماء الحرس.
"أنا معف—"
قاطع تبديلَ المهام صراخُ أحد أفراد الطاقم من وحدة التحكم المركزية. كانت المستشعرات تطلق إنذاراً مدوياً، والإشعارات مريّة من حيث وقف القائد.
"اتصال، قفزة غير مبرمجة! تواقيع متعددة، والبوابة غير مستقرة بالمرة!"
صاح عنصر الحرس مستعرضاً الشاشة المجسمة لتظهر شذوذ قفز زائل الاستقرار. وتبيّن الطاقم تكوّنها على شاشات العرض، فيما التوت التموجات بالفضَاء من حولها.
"استعدّوا للقتال! أطلقوا كل الآليات الحربية فوراً وتواصلوا مع القيادة لطلب التعزيزات!"
أمر القائد. وبحسب حجم البوابة، قد يكون هناك العشرات من السفن الفضائية تقفز في آن واحد. 'من يكون مجنوناً بالقدر الكافي لمهاجمة تيرا؟' هكذا فکر القائد بينما انطلقت خيوط الضوء من ريزولوت، وتهافتت الآليات الحربية المتوسطة لتصطفّ حول السفن المجهولة الوافدة. وفي الأفق، راحت سفن أخرى تشعل محفزاتها بأقصى طاقة في مسار اعتراضي. بعد ثوانٍ معدودات، برز أول جسم من البوابة. سفينة فضائية وحيدة، أُطفئت أنظمتها وهي تنجرف مدفوعةً بقصورها الذاتي فحسب.
وبدت فجوات في هيكلها، وصدوع وتشققات ضخمة في بنائها. ظنّ الطاقم في البداية أن الضرر قد نجم عن القفزة غير المستقرة، لكن الآليات التي أعقبتها خارجةً من البوابة تبدّد هذا الظن.
مئات الآليات، خفيفة ومتوسطة، وبعضها طرازات أحدث مثل "نيكس"
و"إيريباس"، بينما حملت أخرى طرازات "نيورن"
و"بالدور"
من إيسير المعدّلة. واختلطت بها آليات فنرير الثقيلة، وأخيراً، آلية هجومية ضخمة. وفي حالة تأهب، رفع الحرس أسلحتهم، بانتظار أي بورة عدائية من الآلات، لكن كل واحدة منها كانت معطّلة. لم يمسَّ السوء الكثير منها، غير أن طيّاريها غابوا عن الوعي ومفاعلاتهم استقرت في وضع الاستعداد، بينما تعرض المئات غيرها لتلفيات بالغة. وانجرفت آليات إضافية من الصدع مع حطام فاق ما شاهده القائد خارج أرض المعركة.
وانضمت إليها سفن فضائية أخرى، تظهر على كل منها علامات الدمار. وارتسمت على بعضها آثار احتراق من نيران بنادق الليزر، وهو أمر شاذّ لتحمله سفن فضائية هشة.
"افتحوا قناة اتصال، قناة عامّة."
أمر القائد، منتظراً تأكيد ضابط الاتصالات قبل أن يتكلم.
"هذه سفينة الحرس الإمبراطوري، ريزولوت. لقد انتهكتم فضاء تيرا. عرّفوا عن أنفسكم فوراً."
أمر القائد. وعادةً ما كانوا يعتقلون أي زائر غير مصرح له إلى تيرا قبل استجوابهم. ومع ذلك، ونظراً لعدم قدرة أي من الآليات أو السفن الفضائية على المقاومة على ما يبدو، أراد التحقق ممّن تكون الجحيم قبل أن يتحرك.
"أكرر، عرّفوا عن أنفسكم."
"سيّدي، انظر."
أشارت نائبة القائد، فوجهت بإصبعها الشاحب انتباهه نحو إحدى السفن الفضائية الطافية. وعلى الجانب، برز أيّل كاليسون الأحمر بوضوح. وارتدى ذلك الرمز المكروه سابقاً معنى جديداً لدى الحرس إثر زيارة البارون للإمبراطور. بل سرت شائعات بأن المنادي الإمبراطوري أبدى اهتماماً به.
"اتصل بالمقر، واطلب مساعدة طبية فورية وفرق انتشال."
أمر القائد. لم يكن متأكداً لمَ قاد البارون كاليسون قوة من الآليات والسفن الفضائية المتضررة إلى تيرا، لكنه لن يدعهم يموتون. كانت أكثر من دزينة سفينة فضائية وآلاف الآليات تنجرف الآن بلا ضرر فوق تيرا، وأظهرت البوابة خلفها دلائل أكبر على عدم الاستقرار. راحت تومض وتتذبذب، وقراءات الطاقة ترتفع بحدة على مستشعراتهم. وفي وميض من الضوء الأحمر، انطلقت آلية أخرى من البوابة، أكبر حجماً من البقية.
آلية "أودين"
تابعة لإيسير، تعرف إليها القائد فوراً. وخلت الآلية من أي زينة أو مؤشرات تدل على أصلها، وفقدت نصف جسدها ورأسها. وكانت القطعة السليمة الوحيدة هي مقصورة القيادة، وحتى تلك أبدت ضرراً بالغاً، كأن شيئاً ما سحقها.
"إرسال وارد من إحدى السفن الفضائية."
نقل ضابط الاتصالات. سحب الضابط رابط الاتصال إلى الشاشة الرئيسية، فظهر وجه مألوف. بدا المنادي الإمبراطوري بارداً كعادته، وتجاعيد وجهه أكثر من المعتاد جراء الإرهاق. وحمل كدمة على وجنته وشفة دامية لكنه بدا سالماً في الغالب.
"أيّها القائد. يطلب البارون كاليسون مساعدتكم. نحتاج إلى رعاية طبية ونقليات."
قال صامويل، وبصوته مسحة من الارتياح لرؤية الحرس، رغم قلقه من قيام كال بجلْبهم إلى تيرا.
"في الطريق إليكم. ماذا حدث يا صاحبي الجلالة؟"
سأل القائد، متفاجأً برؤية المنادي على سطح القيادة لسفينة كاليسونية.
"واجهنا قطّاع طرق، يُرجح أنهم مزوّدون ومدعومون من شركة إيسير. أي آليات أو سفن فضائية غير مدموغة بعلامات ستُحتجز."
ردّ صامويل.
"سيّدي، البوابة تغلق."
صرّحت نائبة القائد، ناظرة إلى تقلبات طاقة بوابة القفزة المعروضة.
"مستشعراتنا متضررة أيّها القائد. هل من أثر لفئة تايتان؟"
سأل صامويل، هذه المرة بقلق لا لبس فيه في نبرته.
"فئة تايتان؟ هنا؟ لا، لم نكتشف شيئاً من هذا القبيل."
أجاب القائد. قطب صامويل جبينه رداً على الكلام فيما اختفت البوابة من الوجود. ووصلت الفرق الطبية، عاكفة على إنقاذ أكبر عدد ممكن من الطيارين فاقدي الوعي. وبأعجوبة، نجا معظمهم بلا أذى. غير أن الهجوم متزايد العبء العِصبي الصادر عن التايتان أفقدهم الوعي لكنه أحدث أضراراً طفيفة أخرى. وأحدثت موجات الجاذبية المتزايدة خراباً في آلياتهم وبُنى السفن الفضائية لكنها لم تستمر طويلاً بالقدر الكافي لقتل من بداخلها.
ومراقباً الحرس وهم يعتقلون جاك وقراصنته، تجهم صامويل من على سطح ريزولوت، رحلته العودة إلى تيرا حيث سيتوجب عليه تقديم تقرير للإمبراطور. طوال الوقت، سكنه قلق مزعج في أعماق جوفه. لقد أرسل إحدى سفن الحرس إلى الكوكب الجليدي المجهول، حيث تقاتلوا، لكن الطاقم أفاد بأنه لم يجد شيئاً سوى بعض الحطام العالق. ولم يكن هناك أي أثر للتايتان أو طيارها.
وجعلت الطاقات الفوضوية لهجومه "الدمار السماوي"
تتبع مكانه أمراً مستحيلاً. أين كان كال؟ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ داخل البوابة، صرخ كال بينما مزّق أطلس عقده. كان جسده أقرب للتلف تام، لكنه عجز عن الشعور به بعد الآن. وعبر آلام هجوم التايتان، راودت كال فكرة طاغية واحدة. أراد العودة إلى موطنه. لقد أرسل الجميع إلى تيرا ليتعامل معهم الحرس، لكنه رغب في رؤية كاليسون مرة أخرى قبل أن يموت.
وفي الفضاء فوق كاليسون، تجسّدت الآلية من فئة تايتان، ولم يلحظ وصولها أغلب الناس إذ تبددت طاقات القفزة الفوضوية في معظمها فوق تيرا. وحمله زخمه إلى الأمام، فيما تلاشت البوابة من الوجود خلفه. ودفعته سرعة التايتان نحو السطح، غير أن صورة الرخام الأزرق أسرت كال وهو معلق في الظلام. 'أنا في بيتي.' فكّر كال قبل أن يقطع الطاقة عن أطلس، قاطعاً صلتهما. ومحققةً أدنى مستويات التشغيل، تركت التايتان خطاً من النار يخترق السماء بينما احترق الغلاف الجوي من حولهما.
كانت آخر فكرة واعية لِكال هي هبوط أطلس برفق في حقل عشبي، ومقصورته لا تزال تحيط به. 'مثل تابوت.' فكّر كال بينما جرفهُ النعاس، واقعاً فاقداً للوعي. لقد زال الألم أخيراً. صار حراً.