الفصل ستّون. استمدّ كال شعوراً بالأمان من كلمات صموئيل، فغادر غرفة القيادة، واندفع في الممرّ نحو مستودع التخزين دافعاً نفسه بالاستناد إلى الجدار. تراكض أفراد الطاقم من حوله؛ حاول بعضهم إجراء الإصلاحات، وعمل آخرون على تنسيق الدفاع، بينما غرق آخرون في هلع شديد خوفاً من الموت، وكان كال متأكّداً من ذلك. اقتحم كال الممرّ، وجال بصره في مستودع التخزين الفارغ الخاصّ بسفينة الفضاء.
بدا غريباً بهذا الفراغ، وهو الذي يتّسع لمئتي آلِيّ، ومؤونتهم، ومعدّات الإصلاح والصيانة. لم يكن يستطيع عادةً رؤية الجدران البعيدة بسبب تكدّس الناس والمعدّات والموادّ، لكنّ شيئاً لم يفلت من نظره وقد زال ذلك العائق. توقّف كال عند رفّ تخزين جداريّ، وارتدى بزة طيار حمراء وسوداء على طراز حرسه. أحكم إغلاق الخوذة بسرعة، وهو يعلم أنّه ضيق الوقت. لن يمنحه جاك سوى دقائق معدودة، وهي مدّة كافية ليستنتج أنّه بلا خيارات.
بعد أن ارتدى البزة، ابتعد كال عن رفّ التخزين، سابحاً في الهواء نحو أبواب المستودع المفتوحة لا تزال، وحولها الدرع الواقية في مكانها. اخترق كال الحاجز ليجد نفسه في فراغ الفضاء، ودفعه زخمه بعيداً عن سفينته. أخذ لحظة ليتأمّل المشهد الصافي للنجوم حوله. لم يعق شيء رؤيته للسماء البعيدة، بخلاف ما إذا كان يقود بزة آلية. كان يراها بعينيه لا بمجسّات نِكس. أخذ نفساً عميقاً بينما تدفق الهواء عبر مرشّحات البزة، فهدّأ روعه واستعدّ لما هو آتٍ.
بدا وكأنّه تحرّر للمرة الأولى منذ مغادرته حجرة السبات، والفراغ حوله خالٍ. لم يضغط عليه شيء. وانزاح الثقل عن كاهله. رفع ذراعه ونقر على الشاشة المدمجة، فظهرت صورة مجسّمة داخل خوذة بزته. اتّصل بشبكة الاتّصالات العامة عبر سفينة الفضاء، باثاً كلماته إلى كلّ من في الجوار. آلاف البشر، من قطّاع الطرق وحرس البيت على السواء، سمعوا ما يودّ قوله.
قال مهمساً بينما كان يراقب ومضات النور المنعكسة على الأسطح المعدنية للآليات المصطفة ضدّ قواته: "أنا البارون كالدون".
والتصقت سفينة ضخمة بأخرى قريبة، فبرزت يد إحداهما واخترقت جذع الأخرى. كانت أودين سليمة لم يمسسها سوء من المعركة، بينما كادت رايز تفقد قدرتها على العمل وتتعطل أنظمتها.
ردّ جاك: "حسناً أيّها البارون. أخرجتَ لتتنزّه قليلاً، أم ماذا؟".
عجزت بزة كال عن عرض صورته، لكنّه تخيّل الرجل يبتسم باستهزاء.
أجпов كال: "جئت لأعرض عليك صفقة".
سخر جاك: "بالتأكيد، آذاننا صاغية. يراودني فضول لأعرف ما يمكنك تقديمه لي بينما أستطيع انتزاع كلّ ما تملك بالقوة".
أوضح كال: "أعرف ما تريده حقّاً، ولن تنال شركة أسير منه شيئاً أبداً. أنا مستعدّ لأكون أسيرك وأمنحك كلّ ما في قبو جدّتي، على أن تدع كلّ من هنا يرحلون مقابل ذلك. وسيوصل الهيرالد الإمبراطوري محتويات القبو إلى المكان الذي تختاره".
انتظر كال ردّاً بينما كان ينجرف عبر فراغ الفضاء المظلم، وعيناه مسمرتان على أودين.
عارض جاك: "مقترح ممتع أيّها البارون. لكن لديّ عرض بديل. سأسجنك وكل من هنا. ثم نسافر إلى كالدون، حيث يشهد قومك تقييدك بالقيود وتعرضك للضرب. وتعطيني محتويات القبو والآليّ الذي تُرك في رعايتك".
وختم جاك قوله: "سأترككم جميعا أحراراً لتواصلوا حياتكم متى حصلت على ما أريد. لك مني عهد".
تنهد كال قائلاً: "لقد حُذّرت من أن عهدك لا يساوي شيئاً، يا جاك".
وفي أعماق عقله، جذبه حضور ما ليهزه ويحثه على التحرك. كان وحشاً حبيساً ينتظر الانطلاق، ولا سيما أنه لا يملك السيطرة عليه. مخلوق سيودي بحياته، وبحياة كل من هنا على الأرجح، إذا اختار إطلاق سراحه.
هدّد كال: "إذن لا تترك لي خياراً. هذا تحذيري الأخير. ارحل الآن وكل قومك، ويمكننا مواصلة هذا النزاع في يوم آخر. إن لم تفعلوا، فلن ينجو أحد منكم. أنا مستعد للموت من أجل كالدون وقومه. فهل أنت مستعد للموت من أجل ما تسعى إليه يا جاك؟".
وصاح الوحش بداخله طرباً لفكرة المذبحة القادمة.
زمجر جاك: "لا أستمتع بتلقي التهديدات، أيها الجرو".
وتحركت أودين مع كلماته، وبدت وضعيتها الهجومية مستعدة للانقضاض في أي لحظة.
تحول كال إلى قناة خاصة للحظة وأمر: "طلحة، اجعلي كل قواتنا تتراجع حالما تستطيعون. عليكم بالقفز فور استعادة أنظمة السفينة".
سألت وهي قلقة على جدتها: "مفهوم. وماذا عن رايز؟".
أجاب كال بصوت حازم: "سأزيل أودين، لكني لا أضمن إنقاذها بما أنا على وشك فعله. سيتعين عليك ترتيب أمر آليات لجلبها بعيداً. ممنوع التردد. اقفزوا راحلين مع الجميع واتركوني".
لم ينتظر رداً وعاد إلى القناة العامة.
تساءل كال وعواطفه هادئة ولم يتبق له ما يفعله: "ما هو ردك يا جاك؟".
والمستقبل يتوقف على رد جاك.
صاح جاك: "كفى ألعاباً!".
وبينما كان على وشك القفز مغادراً سفينة الفضاء والتوجه نحو كال العزل، سمع رد البارون.
صاح كال في الفراغ ماداً يده نحو الرابط في عقله، الاتصال بال«وحش»
البعيد بداخله: "ليكن ما يكون... أطلس! أحتاجك!".
مرت لحظة لم يحدث فيها شيء، وخافت نداء كال.
صرخ جاك بغضب قبل أن يقاطعه صوت ميكانيكي ينطق في مقصورته: "تحذير: رُصد شذوذ مكاني. المصدر: مجهول".
¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ ¤ راقبت إريكا بيرسون الشاشة وهي تعرض شكل بارون كالدون الصغير الوحيد. بدا هشاً للغاية في نظرها وهو ينجرف في فراغ الفضاء. لقد حاربت قواته بشجاعة، ولكن أمام كامل بأس قراصنة جاك الكاذب، وبأفضل عتاد شركة أسير، كانت النتيجة محسومة سلفاً. سمعت كل كلمة توددت بين جاك والبارون.
كان الرجل يبثها للنظام بأكمله. عرض العفو الذي قدمه كان مثيراً للسخرية، ومثله رحمتها لجاك. كانت تعلم أن الرجل يكذب. سيسلب كل ما يملكه البارون ويحرق كالدون، ومعهم حرس بيت كالين، عن آخره. لا يجب أن يكون هناك شهود على أفعالهم اليوم.
"ليكن ما يكون... أطلس! أحتاجك!".
استمعت إريكا لنداء البارون الذي بدا ميؤوساً منه، لكنها لم تستطع إدراك ما يفعله. كان رابط اتصاله محدود المدى. بالكاد يبلغ سطح الكوكب أدناهم، فما بالك بنجم النظام أو العوالم الأبعد منه. أيمكن أن تكون له قوات مخفية في النظام لا علم لهم بها؟ الفكرة أبعد ما تكون عن العقل. ما من سفن فضاء أو آليات مخفية. لقد أمدّهم جاسوس جاك بكافة تفاصيل قواته. استمر الصمت لثوانٍ طويلة، وتنامى الاضطراب في صدرها مع حيرتها.
وحين همّت بإصدار الأوامر لقوات جاك بوقف البارون فوراً، دوّى تحذير في غرفة القيادة.
"تحذير: رُصد شذوذ مكاني. المصدر: مجهول".
تموج الفضاء وبدت الأمواج كأنها تجزر وتمد بينما عطلت رؤية النجوم خلفه. توسطت كرة سوداء مركز التشوه، بوابة نحو المجهول اتسعت ببطء. بدأت سفينة الفضاء تهتز بعنف من حولها جراء الظاهرة المجهولة.
صرخت إريكا فوق أطين السفينة إذ بدأ هيكلها يلتوي ويتلوى من تأثير أمواج الطاقة: "ما هذا!؟".
صاح أحد أفراد الطاقم بينما عرض الشاش المجسّم أمامه قراءات مجسات الشذوذ: "نعتقد أنه شذوذ قفز، لكني لم أر شيئاً كهذا من قبل!".
حدقت إريكا في الثقب الأسود الفاغر فاهه، والجانب الآخر فراغ لا شيء فيه. تصاعدت التموجات، ومعها تعثرت سفينة الفضاء الخاصة بها بعنف.
أنذرها فرد الطاقم: "شيء ما قادم!".
من البوابة، بدأ شكل في الظهور. ضخماً وشبيهاً بالبشر، انحدر شكل وحشي ببطء خارج القفز. لبى وحش نداء كال.