نجوم محترقة، سماء ساقطة الفصل 9 — الأمة

اقرأ نجوم محترقة، سماء ساقطة الفصل 9 — الأمة باللغة العربية على مانجا تايم.

قفلت ثريداك فوق منصة خشبية تحيط بها جموع الداجتيل. أمسكت بمخلبها زجاجة منفوخة يدوياً وما زالت داكنة بلون رمال الصحراء التي صُنعت منها. ضمّت الزجاجة شراباً كريه الرائحة تخمّر من حبوب قطيع الهارتدن الذي يشغل الآن معظم المروج الواقعة بين المستنقع والصحراء. كانت تكره هذا الشراب واتفقت معها معظم بناتها، لكن موجة الداجتيل الجدد القادمين من فتوحاتهن أحببنه بشدة. هتف صوتها ليصدح في أرجاء الجمع الهادئ: "نوحة. نسلي يدرك جيداً أهمية اجتماعنا هنا اليوم. أما البقية منكن، فلتطمئن قلوبهن لعلمهن بأننا نخطو اليوم نحو عالم أوسع. لن تنحني ظجوركن بعد اليوم وأنتم تسافرون من مناجم ساسك وإليها محملات بالخامات وثمار الصناعة. لن تستغرق الرحلة إلى مراعي فايل أيّاماً بعد الآن. سيصبح السفر قريباً آمناً وميسوراً. لن يعدو لقاء أخواتكن وبناتكن سوى مسألة ساعات. وستتسم الاتصالات بين المدن بالسرعة والكفاءة. لم نعد منذ هذه اللحظة خمس قبائل متحالفة، بل أمة واحدة موحّدة". لوّحت بالزجاجة وهشمتها بجانب القطار البدائي. طقس بشري لا معنى له، لكنه بدا مناسباً لهذه اللحظة. توسعت نوحة على مدى السنوات الثلاث الماضية حتى بات وجود مدينة واحدة أمراً غير منطقي. فقد منحها موقعها وصولاً يسيراً إلى كل شيء، غير أن نوحة عجزت يوماً عن التخصص الحقيقي. بدلاً من ذلك، أنشأت الداجتيل قرى في المناطق المجاورة للاستفادة من الموارد المتوافرة بغزارة. كانت ساسك أولى القرى المشيدة بجوار زوج من مناجم الحديد والفحم لتشكل مصدرهن الرئيسي للصناعة والمواد الخام. تلتها مجتمعة فايل المبنية في آخر وادٍ جبلي جرى غكحه، حيث غذّت حقولها الخصبة قطعان الهارتدن والكيثرا الضخمة. بلغت مساحة كلتا المدنتين الأخريين ما يقارب ثلث مساحة نوحة، إذ بلغ عدد سكانهما مئة وعشرين ومئة واثني عشر فرداً على التوالي في آخر تعداد سكاني. كانت القرريتان الأخريان، كريست وأويسيس، أشبه بمحطتي توقف لا أكثر. تمثلت كريست في سلسلة من الكهوف المنحوتة في سفح الجبل الوعر في منتصف الطريق تقريباً بين ساسك وفايل. وتألف البلدة من خمس عشرة داجتيل تُدير فندقين ومستودعاً وصناعة ناشئة لصيد الأخشاب والفراء. بينما لم تضم أويسيس سوى اثنتي عشرة داجتيل، وهو ما تناسب تماماً مع دورها الحالي كمحطة في منتصف الطريق إلى لا شيء. أكدت لها كاهتيش أن أويسيس تقع في منتصف الطريق عبر الصحراء الكبرى تقريباً، على بعد أربعة أيام سيراً على الأقدام لصائد مخضرم. وكان الأمل أن تكون محطة لتزويد القوافل بالمؤن فور تأسيس مدينة في السهل والغابات الكثيفة على الطرف الآخر من الصحراء الكبرى. لوّحت ثريداك بمخلبها نحو الحشد، وأخرجت لسانها برهة لتذوق الهواء ثم ندِمت. طعم كل شيء بذاك الشراب الثقيل الرطب. أطبقت غشاءها الشفاف على عينيها ألماً بينما حاولت التظاهر بالهدوء والتماسك من الخارج. تجمع أكثر من نصف داجتيل نوحة البالغ عددهن ثلاثمائة وخمسين لحضور احتفال تدشين القطار. حضر البعض حماسة لرؤية ثريداك، وأخريات من أجل اللحظة التاريخية، بينما جاء الباقون لأجل لحم الهارتدن المشوي المجاني والمشروب الذي يوزعه موظفو الحكومة جزءاً من الاحتفال. مجاناً. شخرت ناخرة وهي تتحرك بعدم ارتياح تحت نقيق الولاء المستمر من الحشد. بعد المجاعة، أقنعها داهلاس بأن مجتمعهن نما لدرجة تعذر معها تبادل السلع والخدمات بالوعود والعملة الاجتماعية وحدها. وافقت ثريداك على مضض وبدأن سك العملة. ولقيت عملة الداك، كما أسماها داهلاس وبنراكت نقوش عاج الاستارفوك المعقدة، رواجاً سريعاً على الرغم من استياء ثريداك الشديد. مع ذلك، تطلب الأمر تحركاً ما عقب المجاعة. سعت عدد مفرط من بناتها لتجربة معرفة القبيلة وتوسيع آفاقها. ولم تتوافر أعداد كافية من الداجتيل للعمل الشاق وغير البراق في التعدين أو الزراعة أو الرعي. ثم حل شتاء طويل على العالم وغاب الطعام الكافي للجميع. وتضررت ساسك تحديداً بشدة بالغة. عجزت فايل ونوحة عن توفير فائض طعام للنقل، واعتمدت ساسك كلياً على الواردات والصيد للبقاء. لقي ربع المدينة حتفه خلال الشتاء، مضحين بحياتهن لتتغذى عليهن أخواتهن وينجون. وحتى في نوحة وفايل، عجزت عشرات الداجتيل عن اجتياز الشتاء. تطلب الأمر أياما من إلحاح داهلاس لكي توافق ثريداك على تقنين قطيع الهارتدن. وكانت داهلاس على حق، فلو شبع الجميع لما توفرت أمهات كافيات للحفاظ على القطعان بحلول الربيع. خلال سنوات حكمها المزدهر، عدت ثريداك ذلك الشتاء إخفاقها الحقيقي الوحيد. ماتت بناتها تباعاً، وكان إنقاذهن مقدوراً تماماً بثمن مستقبل أمتهن. بكت كل واحدة منهن بحرقة. وغالباً ما كانت الداجتيل الوحيدة الحاضرة وهن يلفظن أنفاسهن الأخيرة الضحلة والمتقطعة تحت وطأة المجاعة. أصرت ثريداك على تناول القمة الأولى من كل ابنة ماتت جوعاً في نوحة. فعلت ذلك عقاباً لنفسها. توفر لحم كافٍ لها، لكن كل موت أثقل كاهلها. احتاجت لتذوق ذكرياتهن وحزنهن ويأس اللحظات الأخيرة. وحتى بعد مرور عام، ظلت تذكر كل دقيقة من تلك الشهور الرهيبة. "أنتِ تغرقين في الكآبة مجدداً يا أمي"، اقتربت منها بيكاي من الخلف وضربت كتفها بمخلبها. "لم نصل إلى حيث كان البشر. لا نقدر على التحكم بالطقس ولا نبتعث الطعام من العدم. عليك الكف عن لوم نفسك على ما حدث". "أعلم"، أجابت رافعة رأسها نحو ابنتها. بدا غريباً كيف تفوقت معظم بناتها عليها حجماً بعد سنوات معدودة. التغذية السليمة تفعل الأفاعيل. أكدت لها بيكاي: "سيسرع القطار الأمور بلا قيود. وستتمكن المدن القادرة على الزراعة من تخصيص مساحات أوسع للزراعة بينما تركز ساسك وكريست على الصناعة. لن يؤدي التخصص والترابط سوى لتسارع نمو مجتمعنا. وقريباً سنستطيع إنتاج إلكترونيات بسيطة. وحينها يلفظ الجوع أنفاسه الأخيرة". "أنا قلقة عليك وحسب"، التقت نظرات ثريداك وبيكاي. "أشعر كأنك وداهلاس تبتعدان". رفعت يدها لقطع الاعتراض الحتمي. وتابعت قائلة: "أعلم يا بيكاي. تحتاج ساسك إلى اهتمامك. فهي محور قطاعنا الصناعي النامي وتتطلب حضورك هناك لضمان سير الأمور بسلام. لقد طالعت تقارير كل تلك العجائب التي تصنعينها أنت وحدّادوكي. وينطبق الأمر ذاته على اختك. فالحزار المجاورة لفايل تحتاج رعايتها لكي نتفادى مجاعة أخرى. يبدو كل هذا منطقياً. لكن لا يفرض عليّ حبّه". وعدت ثريداك قائلة وهي تجذب رأس أمها إليها بمخلبها القابض: "سنعود للزيارة. لا متعة في اختراع الأشياء إن غاب من نعرضها عليه. فضلاً عن أنك الوحيدة التي تفهم حقيقة ما أفعله، سوى الحدّادين". "بالطبع"، ارتسمت على خطم ثريداك ابتسامة حزينة. "أعرف مدى اقترابك من تجميع مولد فحم وبطاريات بسيطة. وقريباً سنستطيع التحول إلى طاقة أنظف وبدء العمل على مصانع حقيقية. لكن غيابك وأختك سيترك وحشة هنا". "أمي"، وضعت بيكاي مخلبها برفق على جانبي خطم ثريداك لترد نظر أمها إليها. "لن تكوني وحدك. سيظل كاهتيش وبنراكت هنا. فضلاً عن امتلاكك أمة كاملة لتحكميها. ستشغلك المسؤوليات حتى تنسي غيابنا". تنهدت ثريداك قائلة: "أظنها مسألة وقت لا غير حتى تنتقل كاهتيش إلى أويسيس. لا تتوقف عن ترديد حديث الجنود الذين ستفسدهم حياة المدن. وكلما تحدثت إليها ألفيتها تعد خطة تدريبية جديدة لتصلبهم وتأهبهم. ويبدو أن هناك كبريتاً طبيعياً في بعض الينابيع قرب أويسيس. وهي تعكف بالفعل على وضع خطط لصناعة أسلحة البارود الأسود". أجابت بيكاي: "ستبقى بنراكت هنا. فهي ومتدرباتها منغمستان في الفسيفساء التي يثبتونها على جدران القصر الجديد. وستبقى لمؤانستك حتى لو غاب الباقون". ضحكت ثريداك: "أنت أدرى من ذلك. تفقد بنراكت إدراك الوقت حين تغوص في أي مشروع. سيكون التحدث إلى هارتدن أجدى من محاولة انتزاع إجابة منها وهي تنشغل بانتقاء الدرجة المثالية لشظايا الزجاج التي تعلقها على الجدار". تنهدت مانعة ابنتها من محاولة أخرى لتهدئتها: "لا أود تغيير شيء. هذا هو المفترض. لقد كبرت بناتي وتحمل كل منهن مسؤولياتها في أمتنا الفتية. سيؤلمني غيابكن هنا، لكن ذلك يعني الهروب من قدر الداجتيل الجماعي. لن نبلغ حقنا الموروث في الفضاء دون تقدم، وأقصر الطرق إلى هناك هو أن تفعل كل منكن ما تجيد فعله". استدارت ثريداك عن ابنتها لتحدق نحو الجبال المجاورة: "ستتابع داهلاس إدارة مؤننا الغذائية واقتصادنا. وستدفعين أنت بفهمنا وقدرتنا التقنية قدماً. وستضمن كاهتيش قدرتنا على احتمال أي محنة، داخلية كانت أو خارجية. وستبقى بنراكت هنا في العاصمة، موطن إدارتنا وثقافتنا، لرعاية الجيل القادم من الفنانين والحالمين". مع ذلك، لم تلتف ثريداك عن الجبال وبقي حضور بناتها ثقيلاً خلفها: "دعي الأم تحزن لرحيل بناتها عن العش". انفتح خطم بيكاي وانغلق. أخلت الحشود محطة القطار خلفهما متوجهة نحو حفلة الشواء الاحتفالية. التفتت ثريداك لتواجه ابنتها وبدا شبح ابتسامة يكشف عن أسنانها الحادة: "لي طلب وحيد. سارعي بتطوير التلغراف فور توفر الكهرباء لديكم. أرغب في سماع أخباركن وأنتن تواصلن ما تركت خلفي، لنشكل عرقنا بالشكل الذي يتطلبه المستقبل".