نجوم محترقة، سماء ساقطة الفصل 5 — السنة الأولى

اقرأ نجوم محترقة، سماء ساقطة الفصل 5 — السنة الأولى باللغة العربية على مانجا تايم.

أطلقت ثريداك زقزقة دافئة نحو صغارها وهم يزحفون خارجين من طين المستنقع الرطب. كان أول ما وقعت عليه أعينهم المرتجفة أمام ضوء الصباح الساطع هو طيفها المرتفع فوقهم وهي تعرض عليهم قطعاً من لحم الهارتدين. كان كل فرخ بحجم إحدى مقابضها بالكاد وفي نفس درجة الذكاء أيضاً. انطلقوا فرداً فرداً وأخذوا اللحم من يدها ثم تواروا هرولاً داخل المستنقع. صرخ الجزء منها المشكل من ذكريات البشر وخبراتهم بأن عليها رعاية صغارها وتربيتهم، لكن تلك لم تكن طريقة الداجتيل. لم يكونوا حتى نهاية عامهم الأول سوى حيوانات بحتة، عديمة الذكاء وتحكمها الغريزة وحدها. كانت حمايتهم وتنشئتهم عملاً شاقاً ومحض حماقة. لن تستطيع حظائرها البسيطة احتواء الفراخ المرنة والمتوحشة، لا سيما إن حاولوا الفرار منها باعتبارها مفترساً محتملاً. نفت بغضب، ولم تكن تلك الاستجابة غير منطقية تماماً. لم يكن غريباً في أوقات المجاعة أن تأكل الداجتيل ذكورها وصغارها. ابتسمت مكشرة عن أسنانها لصغارها وهم يتوارون في المستنقع. ستستيقظ ذكريات أسلاف ابنتها بعد عام واحد ويدركن غايتهن. لم تكن لثريداك أي سيطرة عليهن بعد ولادتهن، لكنها كانت على ثقة بأن ثقل ذكرياتهن البشرية سيجذبهن للعودة. بمجرد أن يفرزن ميراثهن من الانعكاسات، سترى بناتها أنهن لا يملكن خياراً سوى الانضمام إلى ثريداك في حملتها لتحضير عرقهن البدائي. استدارت مبتعدة عن موقع التفقيس وعادت إلى لامنت. وهو اسم طنان لما يمكن تسميته مجازاً بمجمع سكني. حتى تاريخه، كان معسكرها يتألف من مزرعة حبوب بسيطة، وحظيرتين للهارتدين، ومنزلها، وكوخ تدخين لحفظ اللحم، ومستودع تخزين، ومبنى تخطط لتحويله إلى مشغل حدادة. تنهدت ثريداك، فعلى الرغم من كل المهارات التي انتقلت إليها من محسنيها البشر، ظللت عاجزة عن جعل المشغل ساخناً بالقدر الكافي لصهر الحديد. وسواء أكان السبب رداءة الفحم الذي استخرجته من الجبال أم عجزها عن نفخ كمية كافية من الأكسجين فوق اللهب، فلم تكن النتيجة سوى بضع قطع متفحمة قسماً من خام الحديد. كانت صعوبتها في قهر الحديد منطقية. فكل ذكرياتها الموروثة أتت من مجتمع تؤدي فيه روبوتات الأعمال اليومية. ورغم إتاحة الوصول لها لمهارات وتقنيات أفضل ما قدمته الإنسانية، كانت معرفتهم بعصر البرونز والحديد نظرية بحتة أو مستمدة من مشاريع هواة فاترة. عرفت ثريداك ما يجب عليها فعله بفضلهم، غير أن كيفية التنفيذ هي ما دفعها إلى الإحباط. مع ذلك، تحقق الكثير من التقدم. استطاعت بعد محاولات عديدة صنع قوالب وسبك حفنة من رؤوس الرماح، ورأس فأش، وكسين من البرونز لدعم أدواتها الحجرية، إلا أن عجزها عن تشكيل الحديد كان يعيق استقرارها. فقد كان السكين والفأش يكلان بسرعة فائقة، مما اضطرها طرقهما مجدداً لاستعادة شكلها وإعادة سنّها بتواتر شديد أبطأ عملها بصورة ملحوظة. لحسن الحظ، لم تأتي أي من القبائل الأخرى للإغارة على المستنقع خلال تلك الفترة الفاصلة. كان مسدس الإبر يكاد يخلو من الذخيرة، ومجرد نفاده، ستعلق برمحين رمي، ورمح طويل، وفأش يدوي. لم تكن أي من الداجتيل الأخريات تعلم حقاً كيف تستخدم أسلحة غير الحجار أو الزجاج الطبيعي، بيد أن ذلك لم يبعث الأمل في نفسها بشأن حظوظها أمام قبيلة بأكملها. لم تستطع سوى الأمل بأن الخوف من قبيلة المستنقع سيردع البريات الأخريات لفترة كافية لتكبر بناتها. أو لتكتشف أمر الحديد. حتى دروع الأكفان والساعدين المصنوعة من الحديد وحدها سقطع شوطاً طويلاً نحو الحفاظ على سلامتها. همهمت ثريداك لنفسها وهي تتجه نحو كوخ التدخين، وهو مبنى منخفض بُني من طابور خام. كان خارج الكوخ موقد محمي حيث كانت تغلي جلود الهارتدين لصلابتها متحولة إلى دروع ووعاءات. رلقت حطبة أخرى على النار قبل أن تستخدم عصا لدفع كومة من الجمر الأحمر الكرزي. التقطتها واحدة تواحدة بصخرة مسطحة وأدخلتها إلى كوخ التدخين حيث انضمت إلى جمر آخر وسط قطع خشبية رطبة من المستنقع. لوحت بمروحة مصنوعة من الأوراق بضع مرات عند اللهب المحترق ليشتعل قليلاً ثم سعقت حين داهمت موجة الدخان الأغشية الحساسة لحلقها. امتلأت جدران الكوخ بأعمدة مثبتة في الجدران، وتتدلى منها لحوم الهارتدين الثقيلة. خلافا للبشر، لم تستطع الداجتيل العيش على الحبوب وحدها، لذا كان تخزين الطعام للشتاء مشكلة قائمة. وهي مشكلة حلتها العديد من قبائل الداجتيل عبر آكل لحوم البشر الطقوسي. وحتى تتمكن من تدبير أمر التبريد أو إيجاد الملح، ستكون هذه طريقتها الأساسية لحفظ الطعام. لم يكن طعمها قريباً من طعم اللحم الطازج، لكنها فضلتها على الموت جوعاً. خرجت من كوخها وأطالت النظر إلى السماء. كانت الشمس تقضي وقتاً أقل في السماء كل يوم وسيقبل الشتاء قريباً. امتلأ مستودع تخزينها بالحبوب لقطعان الهارتدين، وبين لحمهم المدخن والقطعان نفسها، كانت ثريداك مفعمة بالأمل إزاء الشتاء القادم. مرت الشهور التالية بسلاسة أكبر مما توقعت. أقبل الشتاء وكان معتدلاً. لم تتحرك أي من القبائل المنافسة خلال الشتاء، بل انكفأت في أماكنها وضحّت بضعفائها ومرضاها لاسترضاء الملائكة ووضع حد للبرد الملعون. نظمت ثريداك خطواتها، معتمدة على الصيد وصيد الرماح قدر استطاعتها في الأيام الدافئة، ونجا قطيعا الهارتدين من الشتاء أنحف قليلاً ولكن دون أضرار تذكر. أقبل الربيع، وتحول المستنقع من الرمادي والبني إلى أخضر وبني بدرجة طفيفة. اصطادت ثريداك ما يكفي لوضع مجموعتين أخريين من البيض مع زيادة قطعان الهارتدين. سمحت وفرة الحبوب لمعظم الهارتدين بالولادة خلال موسم التزاوج، وحرصت ثريداك على ألا يتزاوج مع الإناث سوى أكبر الذكور حجماً. كانت خطة طويلة الأمد لكن التربية الانتقائية ستزيد تدريجياً من حجم قطيعها وصلابته. أثناء الشتاء، لم تتمكن ثريداك من الابتعاد بما يكفي للبحث عن فحم أفضل، لذا لم تحل مشكلتها مع الحديد بعد. وبدلاً من ذلك، كانت متى ما توقفت عن الصيد تكرس نفسها لصناعة الجلود. استغرقها الأمر بعض الوقت لتحديد الحرارة الصحيحة ووقت نقع جلود الهارتدين لطبقتها وتصلبها، ولكن بحلول الربيع كانت قد أدركت سر ذلك. كان الدرع الذي صنعته من الهارتدين المذبوحة خاماً وصعب الارتداء، لكنه كان سيصد على الأرجح أي سلاح تستخدمه داجتيل منافسة. لسوء الحظ، كان كل هارتدين أصغر حجماً بكثير من ثريداك، لذا تضمن صنع الدرع غلي كل جلد على حدة وتشكيله باهتزاز بالهيئة المطلوبة قبل خياطتها معاً بالعصب وإبرة عظمية. تلفت عدة جلود قبل أن تتعلم سر خياطتها معاً وهي لا تزال لينة فور الغليان. لو خاطت ببطء شديد، لتصلب الجلد لدرجة تعجز مقابضها عن إجبار الإبرة على اختراقه. في النهاية، ركبت تلك الفوضى القبيحة على جسدها. لم تستطع الالتفاف بما يكفي للوصول إلى زوج أرجلها الأخير وذيلها، لكنه استقر برخاوة فوق جذعها، ومقابضها، وأرجلها الوسطى، وجوانبها. ومقترناً بترسها، وهو دائرة من البرونز يمتد فوقها جلد مغلي وعرى جلدية لينة لمقابضها مخيطة في الخلف، شعرت أخيرًا بأمان معتدل ضد مخاطر البرية. ستقع ثريداك في مأزق لو تمت مباغتتها من الجانب، لكن طالما تمت مهاجمتها من الأمام، فقد كانت واثقة تماماً من قدرتها على النجاة في مواجهة مع ستارفوك، فضلاً عن الداجتيل. تلاشى الربيع إلى الصيف وبدأت ثريداك تواجه بعض المشاكل مع جيرانها. لم يكن الأمر في البداية سوى لا شيء يذكر، رؤية داجتيل استطلاع على الأفق كانت تخيفها بصراخ تحدّ مملوء الحويصلات، لكنهم لم يلبثوا أن بدؤوا بالوصول في أزواج والمكوث تماماً خارج مدى الرمح الملقى، يراقبون ها ولامنت. وبنوع من الامتعاض، حولت ثريداك جهودها من المساعي الأكثر إنتاجية إلى بناء برج من طابقين وعصا ذات مقلاع جلدي. لم يقترب أي من الكشافة بما يكفي لمهاجمتها، لكن إن هاجمت قبيلة بقوة، أرادت القدرة على الدفاع عن نفسها عن بعد ومع ميزة الارتفاع. قد تكون أكثر دقة بالرمح مقارنة بالمقلاع، لكن الحجارة كانت وفيرة ورخيصة بطريقة لم تكن عليها رؤوس الرماح البرونزية. بالطبع، ساعدها في قرارها استخدام المقلاع حقيقة أن أيا من خشب المستنقع لم يكن مرناً بما يكفي لصنع قوس مناسب. مهما حاولت، كان الخشب ينشطر ويتصدع عندما تحاول ثنيه. تقدم البناء بسرعة في البرج، الذي لم يكن سوى مربع من الطابور الخام والملاط مع منحدر ترابي يؤدي إلى السقف. كانت خطتها بناء حاجز منخفض في الأعلى تستطيع إطلاق حجارة المقلاع من فوقه وتخزين السقف بما يكفي من الحجارة واللحم المدخن للصمود طوال الحصار. أخيراً، بعد نحو أسبوع من انتهاء ثريداك من بناء البرج وتخزينه، وقع الهجوم. طوال الأيام القليلة الماضية، ظل كشاف يحوم حول لامنت باستمرار تقريباً لذا اعتادت ثريداك النوم بكيان درعها. وأثناء عملها في كوخ التدخين، سمعت أصوات التحدي العميقة من الخارج. خرجت متنهدة لتراقب رباعياً من الداجتيل تقف على حافة معسكرها. أمسك اثنان بالرماح بينما رفع اثنان آخران هراوات خشبية ثقيلة. تحققت ثريداك من ربط فأشها اليدوي بإحكام بدرعها قبل أن تلتقط رمحها وترسها. وتجاهلت المتحدين متجهة نحو برجها. تهامست الداجتيل الأخرى فيما بينها قبل أن تتقدم أضخمهن ملوحة بهراوة. صاحت في وجه ثريداك: "لماذا لا تهربين أو تقاتلين؟ نحن نتحداك ولا تقاتلين. لا تهربين. فسري؟" أجابت ثريداك بهدوء وهي تهوي بفأشها اليدوي على حبل العصب الذي ثبت الباب الخشبي للبرج في مكانه: "أنا قاصدة قتالكم." تحطم الباب ساقطاً ليسد المدخل الوحيد للبرج. وكان مزوداً بمقبض من الداخل يتيح لها الخروج، لكنه سيمنع أي من المهاجمين من بلوغها بسهولة. "أردت فقط اختيار مكان المعركة. هل ستنفذن هذا أم أن أمهاتكم فقسنكن بقواقع ضعيفة." صاحت المحاربة غضباً في وجهها، فعجز عقلها البسيط عن استيعاب فكرة أن ثريداك ربما تستدرجها إلى فخ. انطلقت مقتحمة المكان مباشرة نحو حجر من المقلاع. فخريت ثريداك بتلك التسديدة إلى حد ما. لم يحظَ وقتها بالكثير من التدريب على السلاح ورغم قدرتها على إصابة أهداف ثابتة بدقة ما، اعتمدت خطة حصارها الحالية على امتلاك الكثير من الحجارة أكثر من أي دقة حقيقية. أصاب الحجر كتف المحاربة، محطماً الحراشف ومصعقاً الداجتيل التي لم تر قادمه قط. توقفت مسدودة الأفق، مسمرة عينيها على الجرس. وغرس حجر آخر نفسه بطنين في الطين الرطب بجوارها مباشرة. عبست ثريداك. كان السلاح مخادعاً في إتقانه، لكنها ستعجز بالكاد عن الحفاظ على لقبها ذاتي الاكتساب كملكة للمستنقع إن سمحت لنفسها بالهزيمة في منعطف مبكر كهذا. استبردت نفسها، ولوحت بالعصا مرة أخرى، نافضة مقابضها لإطلاق الحجر في اللحظة المناسبة تماماً. أصاب الحجر جبهة الداجتيل المرتبكة هذه المرة بصوت تشقق مسموع. هوت منافستها على أرجلها الست جميعاً مسقطة هراوتها. استغلت ثريداك الارتجاج الظاهر لخصمتها لترطم حجراً آخر برجلها الوسطى اليمنى. تعثرت ساقطة على الأرض مطلقة نقيق ألم. فلتت واحدة من الغارتين الباقيتين بصوت مفاجئ: "ساحرة! هي تستخدم سحرها على لاسبيك! تؤذيها بلا لمس ولا رمح. علينا الرحيل قبل أن تؤذينا بلا لمس أيضاً!" أخرست مهاجمة ثانية الداجتيل المذعورة: "اصمتي. الكاهنة وضعت لاسبيك مسؤولة. ننتظر حتى تقول لاسبيك ما يجب فعله." نفضت ثريداك أغشيتها فوق عينيها بمقت وهي تطلق حجراً آخر على لاسبيك المصابة. سرت في تلك اللحظة لحصولها على شظايا البشر لتؤنس وحدتها على مدى العام الماضي عوضاً عن بقية أبناء جنسها. وعلى قدر ما شعرت به من وحدة، اشتبهت في أن التعامل مع نساء القبائل قليلات العقل كان سيدفعها إلى الجنون. التفت بقية اللصوص بتطلع إلى لاسبيك بينما كانت ثريداك تمطرها بالحجارة. كانت لاسبيك قد فقدت وعيها منذ زمن، غير أن ثريداك أرادت فحسب التأكد من أن الداجتيل المهيبة الضخمة قد ماتت تماماً قبل أن تحول صوب تصويبها. أخيراً، متأكدة من أن امرأة القبيلة الممددة خارج مخزنها لم تكن سوى كومة بروتين، حولت ثريداك تصويبها إلى رفقاء لاسبيك. كانت الداجتيل الباقيتان تتناقشان حول ما ينبغي فعله بينما أصرت الأولى على الفرار. استغرقت ثريداك أربع رميات أخرى قبل أن يصيب أحد أحجارها ناجية نظراً للمدى البعيد، لكن ذلك كان كل ما تطلبه الأمر. أست كضحيتها: "تانغوق تقول الحقيقة،" ووضعت مقبضها على الحراشف المتحطمة التي بدأت ترشح بالدم حيث أصابها الحجر. "إنها ساحرة. تؤذي بلا لمس. أترين؟" وأشارت إلى الجرح. مع ذلك، فرت الداجتيل المتبقية، ملقيات نظرات متقطعة من فوق أكتافهن إلى حيث تقف ثريداك منتصرة في برجها. ابتسمت مكشرة عن أسنانها لهما. يمكنهن الهرب اليوم، لكن بناتها يصلن قريباً. ستعمدن معاً إلى محو المحليات الضعيفات والمؤمنات بالخرافات، واستهلاك ذكرياتهن وأسر ذكورهم. أومأت ثريداك برضا وهي تهبط من البرج لجمع غنيمتها. كانت لاسبيك ضخمة. ومدخنة بشكل سليم قد توفر لثريداك ما يكفي من البروتينات لوضع مجموعة أخرى من البيض ومع أسابيع من الطعام. الرضا. كان ذلك شعوراً جديداً لها. كانت حياة الداجتيل مليئة بالأزمات على الدوام. لم يكن هناك ما يكفي من الطعام غالباً، وإن وجد، فقد حان وقت وضع البيض، مفرغة مخازن السعرات الحرارية لديك. صار هناك الآن تخطيط وغاية. كانت حفنة أبنيتها غير أنيقة وخامة، لكنها كانت خطوة واضحة تجاه خطوات بناتها اللاحقة نحو الفضاء. كان ذلك ما يستحق الرضا بحق.