عاد انتباه ثريداك إلى خريطة الموقف حين اندفع تشكعلان من الصواريخ ضمن مدى عناصر الستر التابعة للأسراب المعادية. ومض العرض المجسّم بينما بذلت سفن الستر قصارى جهدها لاختراق الإجراءات الإلكترونية المضادة الخاصة بسراب الصواريخ القادم بالسرعة الكافية لكي تتمكن أشعة الليزر من وسمها. تراجع عداد الصواريخ سريعاً بينما أعمى الليزر أبصارها أو دمرها تماماً. وبعد هنيهة عبرت إلى مدى المقذوفات وتجمعت طائرات الأسطول المسيّرة في مواقعها نافثة سحباً فائقة التسرع من الغبار بوجه الصواريخ. ثم تجاوزت الدفعة الأولى كلا السترين مطلقة صرخات التحدي الإلكتروني في وجه حواسيب التوجيه بينما كانت تتبدل ذهاباً وإياباً محاولة منح ليزر المدافعين أصعب هدف ممكن. صكت كاهتاش على أسنانها أمام الكاميرا بينما اهتزت السفينة الأم ثريداك ذهاباً وإياباً مسببة لمحركات الجر القوية أن تقذف الدهاجتل داخل مقاعدهم مع تطبيق المناورات المراوغة المبرمجة سلفاً بأقصى جهد لتفادي سراب الصواريخ. أخذت أيقونات الأسطول تومض تزامناً مع تفعيل دفاعات النقاط. انبلج الليزر حيّا وبدا غير مرئي إلا حين يضرب صاروخاً مسخناً درعه بفرط الحرارة في محاولة لصهره وتفجير السلاح قبل أن يتمكن من الالتفاف أو الاندفاع مبتعداً. انطلقت صواريخ مضادة عبر الأسطول وبذلت محركاتها الثقيلة وغير الكفؤة لتعدو عبر الفراغ مفجرة نفسها بوميض من الغيظ النووي ومقتفية أثراً لصاروخ معاد أحياناً. رمشت ثريداك عاجزة بالكاد عن إدراك كوى الصواريخ المنسوجة والمحتضرة التي تغذيها حساسات السفينة الأم ثريداك إلى مركز القيادة. انتهى العرض المبدد للوعي فور بدئه تقريباً إذ اخترق السرعة النسبية المذهلة للصواريخ المعادية غلاف دفاعات النقاط التابعة للأسطول لتبلغ مدى أنظمة الأسلحة الحركية الملاذ الأخير في لمح البصر. انفجرت الصواريخ مكللة السفينة ويليام دريسكو — وهي سفينة جر اختيرت عشوائياً فيما يبدو — بوميض من الضوء الأبيض المرئي حتى من جسر السفينة الأم ثريداك. نجح الدريسكو في التخلص من نحو نصف الصواريخ الأربعين المتبقية ومن رؤوس الانصهار كافة. ورغم ذلك انفجرت عشرون رأساً حربية بقرب كاف من السفينة الملتوية والمتموجة لتخترقها بأشعة إكس الليزرية. صهرت الدروع والأسلحة الخارجية عن الدريسكو وهو يتأرجح وتوارت أجزاء من المركبة ضمن كرات بلازما متسعة بسرعة. ومع أن أشعة الليزر بحد ذاتها لم تمتلك أي قوة حركية ملحوظة إلا أن الانفجارات الناجمة عن تفاعلها مع درع السفينة فاقت الحاجة لدفعها خارج التشكيل جزئياً على الأقل. حبست ثريداك أنفاسها مراقبة أيقونات السفينة وهي تومض تحت وطأة ضربات الغزاة الساحقة. وأخيراً خفت العاصفة وتسارع الدريسكو عائدئاً إلى التشكيل مخلفاً وراءه مجرى رقيقاً من المعدن والغاز. تنفست بيكاي الصعداء بجانبها. همست ابنتها وتكاد تناجي نفسها فيما ظلتا عيناها مسمرتين على الخريطة: "كلا المدافع والمدفع الرئيسي لا زالا سليمين. يبدو أن تلك الجولة كانت ذات أضرار سطحية في الغالب". سألت داهلاس عاصرة قابضاتها ببعضها: "إذن هما بخير؟". التفتت بيكاي نحو داهلاس مندهشة من إدراكها أن أخريات قد سمعنها فقالت بعبوس: "ليس تماماً. لقد عبر الدريسكو تلك الدفعة بأقل قدر من الأضرار لكن ذلك حدث على حساب معظم دروعه. أطلق الطرفان ست موجات من الصواريخ. وإن استهدفه صاروخ آخر فسيكون في ورطة. وإن استهدفته اثنتان —". هزت بيكاي كتفيها بينما داعب ذيلها الأرض. "لا يتطلب الامر سوى ضربة محظوظة لمبرّد مبردات على مفاعل أو محرك لتتلاشى السفينة بأسرها. وإن لم تصب شيئاً حيوياً بالليزر يمكن لسفن الجر تحمل الكثير من الضربات ولكن مع عدد الرؤوس الحربية المتناثرة فهي مسألة وقت لا غير حتى تصيب شيئاً حيوياً بالفعل. حسناً، أو أن ينتقي الليزر ما يكفي من أنظمة الأسلحة القريبة ومحركات المناورة ليسقط عليه بضعة رؤوس انصهارية. سينهي ذلك الأمور بسرعة بالغ". على الخريطة ارتعشت إحدى سفن جر الغزاة متباطئة بشكل ملحوظ بينما ومضت أيقونات صواريخ الدهاجتل حولها. ظهرت أيقونة وامضة بجوار المثلث الأحمر للسفينة دلالة على تراجع بصمتها الحرارية ونفثها للأكسجين. أطلقت ثريداك فحيحاً. يعني هذا اختراق دروعهما وتعطل مفاعل واحد على الأقل. لقد كان حساباً قاسياً ولكن بالقدر الذي تضرر به الدريسكو فقد ألحقوا إصابات بالغة بالعدو في المقابل. واصلت المعركة ضراوتها. راكمت الشاشات مستويات حرارة خطيرة وهي تبذل قصارى جهدها لاعتراض موجات الصواريخ الوافدة مطلقة نيران ليزر بلا رادع في محاولة لتجنيب بقية الأسطول طوفان النيران النووية المتلاطمة نحوه. ومع ذلك تصاعدت الخسائر. سقط الدريسكو خارج التشكيل مسارعاً بصورة متعامدة مع متجهات الأسطولين المتقاتلين بينما أشارت الإشعارات المجاورة لأيقونته إلى موت أكثر من مائة من الدهاجتل حين سخن نبض الليزر بشدة محطة القيادة في سطح مدفعية ومساكن كتيبة مشاة كاملة. عانت سفينة جر أخرى وهي وانغ شينيو مصيراً مشابهاً. فعقب دفعتين صاروخية بما فيها ضربة من رأس انصهار غدا درعها بعديم النفع كرقاقة ورق مبتلة مما أجبرها على التعثر والانسحاب أيضاً إذ تحجم تسارعها بضربة ليزر أطاحت بمبرّد على أحد مفاعليها الانصهاريين مما جعل تشغيلها غير آمن. على جانب الغزاة بدا الضرر أسوأ بكثير. مزقت الدفعة الثانية سفينة الجر المعادية الأولى بعمق مخترقة جوانبها ومهبطة ناتج محركها دون عشرة بالمئة. وتباطأ باقي أسطول الغزاة تماشياً مع ذلك متخلياً عن بعض مناوراته بغية إبقاء السفينة الجريحة ضمن مدى ليزر دفاعات نقاطه. أما السفينة الثانية فلقد لاقت مصيراً أسوأ. اجتاحت الدفعة الأولى دفاعات نقاط الغزاة بسهولة قبل أن تمزق سفينة الجر مصهرة معظم دروعها ومعطلة مدفعها الرئيسي على الأرجح. وأتمت الصواريخ اللاحقة القضاء عليها. جالت أشعة إكس الصادرة عن الرؤوس الحربية الليزرية عبر درع شبه منعدم معطلة الأنظمة وممزقة الدعامات الهيكلية الداخلية. ثم انفجر رأسا انصهار أحدهما تلو الآخر على بعد مئات الأمتار فقط من سفينة الجر. غمرت الطاقة والإشعاع المركبة وحين خفت الوميض لم يتبق سوى حطام معدني ملتوي ومتوهج. اتسمت الدفعتان الأخيرتان بقسوة بالغة إذ كافحت الشاشات لبلوغ مواقعها وطلقت عديد منها بضعة طلقات ليزر فاترة لم تفعل سوى تسخين بضع لوحات درع على مدى شديد البعد. ستحتاج السفن الأصغر إلى وقت لتشغيل مشعاتها قبل تمكنها من الإسهام حقاً في المعركة. وقد نفدت احتياطات مبرّداتها بالفعل إثر استنزاف كل ما توافر لديها لمواكبة الوتيرة المحمومة للصراعات. ودون عون الستر تعرض فرانكلين ميتشل لقصف صاروخي تلو الآخر. وبدا الفضاء ببعض الأماكن مرئياً عبر الثقوب التي حفرتها أشعة إكس الليزرية للغزاة. وبطريقة ما رغم ما يقارب ستين إصابة ونفث هواء ورسو أموات بالفضاء ظلت السفينة حية. وعاشت على طاقة الطوارئ مبلغة عن تعطل مدفعها الرئيسي ومفاعليها كليهما. وذكرت القبطان بالوكالة من على جسر مكشوف للفراغ وثقب هائل بالمقطع المفترض جلوس القبطان فيه بصوت أجش أنها تأمل القدرة على تشغيل مفاعلات واحد والعرج عائدة للديار. على جانب الغزاة مُحيت السفينة الثالثة من الوجود ببساطة. انفجر أكثر من مائة صاروخ حولها في الموجة الأولى مثقبة إياها ومسمحة لرأس انصهار بالتسلل بقرب كاف لصهر الثلث الأمامي للسفينة. تعذر إعادة برمجة الدفعة الثانية عن بعد وهو مقترح طرحه أميركال بشري ظن نفسه ذكياً إلى أن أطفأ الغزاة صواريخهم كافة وقتلوه فوراً. وبدلاً من ذلك اقتحمت كومة السفينة الجريحة الممزقة دون معارضة. ولم يكلف الغزاة أنفسهم حتى عناء إهدار الموارد والمبرّدات لحماية الحطام. انفجر خمسة عشر رأساً انصهارياً بمدى صفر مبطلة جدوى مائة وخمسين نبضة ليزر أو نحوه. تفككت السفينة وتوهجت أجزاؤها عملياً بفعل الحرارة والإشعاع. التفتت ثريداك برأسها بينما طنطنت بيكاي بسخط.تمتمت بيكاي بضيق وأكياس عنقها تمتلئ وتفرغ محاولة كبح غضبها: "يجب أن نؤدي بشكل أفضل يا أمي. لقد أطلقنا ضعف عدد الصواريخ تقريباً وحظينا بنقريباً ضعفي وزن النيران الدفاعية ولم نحقق سوى نحو أربعين بالمئة إضافية من الإصابات. كان جديراً بنا إصابتهم مرتين أو ثلاث مرات مقارنة بإصاباتهم لنا. لا أدرى أهو أمر عتاد أم براعة تقنية به ولكن تلك ليست أرقام من يخطط لكسب حرب". هزت بيكاي كتفيها ومخطمها مستقر بتكشيرة متأملة: "على الأقل من يخطط لكسب حرب بلا أفضلية عددية هائلة". تخللت داهلاس بهدوء بصوتها الهامس الذي تردد عبر مركز القيادة الصامت تماماً تقريباً: "نظراً لعجز الغزاة عن إعادة التموين فهم غالباً لا يتكاثرون بمعدل مثيلنا. وإن فشل كل شيء فطالما مُنحنا الوقت فسنمتلك التفوق العددي المطلوب. قد لا يكون غمرهم بالأجساد أمراً براقاً للانتصارات لكن إن كان سيحفظ بناتنا آمنات فسنفعل ما يلزم". أومأت ثريداك لداهلاس محتدية بالدفء: "قول سليم. النجوم إرثنا وحين يتوجب علينا المشي عبر بحر من النيران لانتزاعها فليكن. وددت لو قاد الدهاجتل حياة مسالمة كالبشر لكن الأمور لا تسير هكذا قط". أشارت بيكاي برأسها نحو الخريطة بينما تسارع الستران المتقابلان متوجهين أحدهما نحو الآخر. بعد ثوان انطلقت المدافع الثقيلة لكلا الأسطولين. انشق مخطم ثريداك عن ابتسامة مفترسة بينما عززت المدافع الأربعة على سفينتها المسماة باسمها السلاح الوحيد على سفن الجر الثلاث النشطة. لهذا السبب تقيدت كاهتاش في مواجهة المحطة المعادية. لمنع الغزاة من رؤية القوة النارية الهائلة قريبة المدى المنصوبة على السفينة الأم ثريداك أملاً في تجنب نيران العدو لفترة كافية لاجتياز المدى. لم يبلغ رد نيران الغزاة سوى مدفعين معطلين لحد يقارب انعدام الفائدة. تقنياً وعلى المدى القريب استمرا باستخدام أضعف ليزراته وأنظمة أسلحة القرب للإضرار بسفينة أخرى لكن احتمالية اقتراب أي شيء لذلك المدى كانت ضئيلة. باختصار حملت السفينة الأم ثريداك ضعفي مدافع المدى البعيد لأسطول الغزاة بأسره. عبرت القذائف السترين المعنيين دافعة محركاتها لبلوغ مسافة السكين قصد استعمال مدافعها الكهرومغناطيسية غير الموجهة. وفي اللحظة الأخيرة تحطمت القذائف إلى سهام نارية مارقة ممطرة سفن الغزاة المراوغة بشظايا معدنية ثقيلة. ارتعش جسر السفينة الأم ثريداك قليلاً إذ تجاهلت السفينة حفنة من المخترقات ولم يكن الغزاة محظوظين إلى ذلك الحد. مهما بلغت نقاط ضعف الدهاجتل في قتال الصواريخ فلم تمتد للمدافع الكهرومغناطيسية. ثارت إحدى سفن الغزاة بوميض ضوئي حين حطمت السهام المطرّزة سطحها دروع ومحتوى احتواء جرها الانصهاري. ولفترة وجيزة انكشفت الشمس المحبوسة التي مثلت محرك السفينة لفراغ الفضاء ثم تبخرت الزجاجة المغناطيسية الواقية لها آخذة معها بقية السفينة. وتحملت السفينة الأخرى عاصفة المعدن معرجة خارج الجانب الآخر نافثة الأكسجين والحطام بينما تذبذبت مستويات طاقتها وحرارتها بوضوح. ضربت الدفعة الثانية منتهية بالمعركة فعلياً. وتجدد تلقي السفينة الأم ثريداك ضربات خاطفة بلا خسائر بيد أن الغزاة لم يستطيعوا قول المثل. وتخللت كاهتاش تيار قذائف السهام ببعض المخترقات لتصيب واحدة على الأقل سفينة جر غازية أثناء كفاحها لتفادي نيران الدهاجتل بمحركاتها الضعيفة. تلقت قاتلة السفن متعددة الكيلوغرامات الضربة بثلثها العلوي الأسطواني بقوة ودهاء قطار شحن. ودخلت القذيفة عبر ثقب بحجم سيارة صغيرة وخرجت باندفاع بلازما مزق جانب سفينة الجر ببساطة. أطاحت الطلقة بنظام السفينة الكهربائي المتعثر ودون محركات لمقاومة قوة الضربة دارت السفينة على محورها كبلبل. ثم ضربت السهام مارقة مثقبة حطام المعدن المعطل مسبقاً. وطفت بالفضاء بلا وجهة ومعطلة لخمس ثوان كاملة قبل أن تصيبها الدفعة الثالثة والمتمثلة بأربع مخترقات صلبة دقيقة التصويب من السفينة الأم ثريداك محطمة عارضة كمرتها ومختزلة إياها إلى ما يشبه الخردة المعدنية. اندلعت الهتافات بمركز القيادة مورثة ثريداك عبوساً. وبرغم حسم المعركة واصل الغزاة القتال بينما كافحت ستراتهم ومسيراتهم عن قرب ضد نظيراتها للدهاجتل. وحتى حين فتح محللو ومقاتلو محطة مريديان زجاجات المشروبات المخمرة الفوارة نزفت الدهاجتل وماتت عبثاً ضد أعدائها وقد تقاربت سفنها بما منع سفن الجر من التدخل وكانت سرعاتها فائقة بما تعذر معه تفادي العدو. همت داهلاس بالمغادرة في صمت. لم تكن تهوى الاحتفالات قط وبدا واضحاً عدم رغبتها في التورط بهذا الاحتفال. هزت ثريداك رأسها رافعة قابضاً لإيقاف ابنتها. أومأت نحو الخريطة حيث تومض المربعات الخضراء والحمراء وتتلاشى قائلة: "لم تنته المعركة بعد. إنهم لا زالوا يموتون من أجلنا. وأقل ما يمكننا فعله هو الوقوف ومشاهدة تضحيتهم".
نجوم محترقة، سماء ساقطة الفصل 20 — الثأر
اقرأ نجوم محترقة، سماء ساقطة الفصل 20 — الثأر باللغة العربية على مانجا تايم.