نجوم محترقة، سماء ساقطة الفصل 11 — معلق بين الملائكة

اقرأ نجوم محترقة، سماء ساقطة الفصل 11 — معلق بين الملائكة باللغة العربية على مانجا تايم.

وقفت ثريداك في مكتبها، وشبكت أطرافها القابضة، ورمقت من النافذة الممتدة حتى الأرض خيط الحديد والخيوط الرقيقة الواصلة بين الصحراء الكبرى والسماء في الأعلى. وتحت مكتبها المكيف بلطف، برزت ناطحات السحاب المتلألئة من الفولاذ والزجاج من أرض كانت فيما مضى مستنقعاً. وفي هذه الأيام، أشبهت ليمينت مدينة بشرية أكثر من أي شيء آخر. وما بقي من ماضيها المتواضع سوى مقر إقامتها، المندمج بين خرسانة مئتي ألف داجتيل يعيشون هناك وصخبهم. قالت دورما طبيبتها الخاصة مقاطعة أفكارها، وفي صوتها طنين مزعج: "أيتها الملكة. لا أستطيع السكوت. نعلم نحن الاثنين أن حالتك غير مستقرة. المصعد لا يزال في مراحله الأولى ولم تُجرَ أي دراسات حول مدى كفاءة درع الإشعاع. وكل ما ندريه-" قاطعتها ثريداك قائلة دون أن تحول نظراتها عن شريط المعدن الممتد إلى ما بعد الأفق: "يكفيك هذا. لقد عملت لسنوات مقيدة بهذا الكوكب، وأنا أعلم أن حقي الشرعي بعيد عن متناول أطرافي بقليل". واستدارت مبتعدة عن النافذة، لتتأمل رأس دورما المائل بامتعاض بينما تقف داجتيل الضخمة منحنية فوق مكتب ثريداك، تكاد أطرافها القابضة تغوص في خشبه الفاخر. وربما فضلت بناتها طبيبة تكتفي بنصحها، لكن ثريداك تعلمت منذ زمن طويل أن الداجتيل الموافق على كل شيء لا يفيد كثيراً. وبصفتها ملكة مطلقة، امتلكت القدرة على فعل كل ما تريده، لكن من غير المسؤول أبداً أن تحيط نفسها بالمتملقين فحسب. ومع ما في الأمر من إزعاج في أوقات كاليوم، احتاجت إلى مستشارين لا يجدون غضاضة في محاولة تغيير رأيها بقوة. وتابعت ثريداك، وهي تمد لسانها لتتذوق هواء مكتبها المعقم: "أنا روّضت أول هارتدين ووضعت أول لبنة في هذه المدينة. لقد قرأت تقاريرك عن صحتي بعناية حرصي على قراءة تقارير بيكاي عن المصعد الفضائي. أنا أدرك المخاطر، لكن الوقت قد حان لأطالب بحقي الشرعي. وحتى لو لم أكن أحكم من مدار الفضاء، فإن السفر إلى هناك يعد رمزاً مهماً لجنسنا بأسره. إنه علامة قاطعة على أن الداجتيل قد خطا خطواته المتعثرة الأولى نحو مجرة أوسع". استندت دورما إلى الوراء مبتعدة عن مكتب ثريداك وراحت تلوح بأطرافها القابضة باحباط متسائلة: "ولكن تعرضك للإشعاع-" قبل أن يقاطعها رنين من الاتصال الداخلي للمكتب. وانطلق صوت باهويل بهدوء واحترافية من شبكة المعدن في مكتب ثريداك قائلاً: "كاهتاش هنا لرؤيتك أيتها الملكة. وستكون في مكتبك بعد لحظات". قاطعت ثريداك دورما قائلة: "حسبك". وانطبقت غشاوتا عينيها بحسم. "لقد أبديت اعتراضك. وقد قررت المضي قدماً على أي حال. لقد انتهى وقت النقاش. وأنت تعرفين أوامري الصارمة بشأن إخفاء حالتي عن بناتي. وأثق أنني لا أحتاج إلى تكرار أنه لا يجوز تسريب حرف واحد لهن أو لأي شخص آخر". تنهدت دورما باستسلام وقالت: "حسناً. ما تكلمت إلا لأنني أهتم لأمرك. وما رغبت يوماً في بث الذعر، لكني أقلق من رفضك إدراك خطورة الوضع. وعموماً، إن كنت ذاهبة فهذا يعني أنني سأذهب معك. وحين تعرضين نفسك للخطر، فمن واجبري أن أفعل ما بوسع لتخفيف حماقة هذا الخطر". فتح باب المكتب ودلفت كاهتاش. ووقفت منتصبة في المدخل، مرتدية زياً أنيقاً من ألياف دقيقة مقاومة للحركة ومزينة بالأوسمة والأسلحة. وارتسمت على خطم ثريداك ابتسامة. وبدت ابنتها في كل بوصة منها أميرة وقائدة محاربة مهيبة لقوات الداجتيل المسلحة. أنزلت كاهتاش رأسها قائلة: "أمي". ورمشت عيناها سريعاً لتلاحظ وجود دورما. "جئت لأحاول ثنيك عن هذه الحماقة". نادت دورما من فوق كتفها وهي تشق طريقها إلى إحدى أرائك المكتب المكسوة والوثيرة: "شكراً لك. فهي لا تستمع إلي. وربما يكون حظك أفضل". أجابت ثريداك وهي ترمق دورما بنظرة صارمة: "لن يفيد أي إقناع. سأتبع تعليماتك بخصوص سلامتي، لكن هذه نقطة واحدة سأثبت فيها قدمي. أنا ذاهبة إلى الفضاء". سألت كاهتاش بحرارة وذيلها يرتجف لفترة قصيرة: "ولكن ماذا لو حاولت مجموعة من المنشقين استهدافك؟ لا يزال طائفة كارل ماكس تطالب بالمساواة المطلقة، أياً ما كان ما يعنونه بذلك. لقد كنت أتتبع خلاياهم واحدة تلو الأخرى، لكنهم أصبحوا أكثر دهاءً منذ محاولتهم الأولى لاغتيالك. وقد بدأت قيادتهم تستخدم أسماء مستعارة ميلودرامية ولا يعرف أي داجتيل أكثر من أربعة ثوار آخرين. ولم ينجحوا سوى في أعمال تخريب تافهة لسنوات، لكني أعتقد أنهم يتربصون فحسب". ضحكت ثريداك ضحكة قصيرة وقالت: "إذن اختاري فرداً فرداً كل داجتيل يشغل المصعد ويعمل في طاقم حمايتي. ولا داعي لأن أتفاعل بشكل مباشر مع العامة. يمكننا ببساطة بث رحلتي ونقلها مباشرة في أنحاء العالم. أغلقي المدينة بأسرها ليوم واحد إن احتجت إلى ذلك". تململت كاهتاش وضرب ذيلها من جديد أرضية المكتب الخشبية الصلبة قائلة: "الأمر لا يقتصر على الماكسيين وحدهم. مجموعات حقوق الذكور تصبح أكثر نشاطاً يوماً بعد يوم. ويبدو أنهم يريدون منك إصدار أمر برعاية الذكور في الحضانات إلى جانب بناتنا". أصدرت ثريداك زفيراً محتقراً وقالت: "أظن هذا جزاء الاستماع إليهم. أمرت بوقف أكل الذكور بعد التكاثر وفجأة صاروا يطلبون القمرين معاً. إن أرادوا إنفاق الداك لبناء محميات للذكور وتمويلها فلن أمنعهم، لكني لن أنفق أموال الضرائب على هذا بينما الغزاة قد يكونون على عتبات أبوابنا". تدخلت دورما رافعة رأسها من موضع راحتها على الأريكة قائلة: "مهلاً. أيريدون تنشئة الذكور في الحضانات؟ إن الذكور متوحشون تماماً! إن لم تكوني في موسم التزاوج فهم يرجح أن يعضوك بقدر ما يتفاعلون معك. ولا يزال الكثيرون في مجتمع علم الأحياء يحاولون إدراك مدى ثنائية الشكل لدى الداجتيل. وبخلاف أعضائهم التكاثرية، بالكاد يعد الذكور من نفس النوع مثل باقينا". وافقتها كاهتاش وهي تهز رأسها: "ليس لديهم سوى أربعة أرجل. بلا أطراف قابضة وبالكاد ينمون ليبلغ طولهم قدمين. وحين لا تكون عقولي مغشاة بفيرومونات التزاوج، يبدون بمثابة داجتيل يشبه الهارتدين. وبهذا القدر من الذكاء أيضاً". أجابت ثريداك بحسم: "لا مزيد من التنازلات لمجموعات حقوق الذكور. يمكنهم فعل ما يريدون، لكن كل ذكر رأيته يريد التجول بحرية والبحث عن الطعام بين مواسم التزاوج. وحبسهم في حضانة سيكون يأتي بنتيجة عكسية، وبصراحة أعتقد أنه سيكون قسوة بحقهم. وحتى لو مات بضع رجال برياح الحيوانات المفترسة الطبيعية أو الجوع فهو أفضل من تحويلهم إلى حيوانات أليفة منزلية". وبعد قليل من النقاش والتخطيط افترقوا لليلة. وفي الصباح التالي، انضم داجتيل يحمل كاميرا إلى ثريداك وطوقها الأمني أثناء توجههم إلى المصعد الفضائي. وخُلّيت شوارع ليمينت مع لمحات عرضية لقوات الشرطة وهي تكبح جماح حشود المهنئين الساعين لإلقاء نظرة خاطفة على ثريداك. وكان لمؤسف أنها لم تستطيع تحيتهم مباشرة لكن بعد الحادثة الأولى مع الماكسيين، أصبحت ثريداك وبناتها أكثر حرصاً بكثير على سلامتها. وبعد ساعة تقريباً، بلغ موكب السيارات أطراف المدينة حيث انضمت إليه ثلاث آلات مشي. وكثمرة تعاون حديث بين بيكاي وكاهتاش، تكونت آلات المشي من هيكل مدرع مع مجموعة من أربع أرجل تنثنى تحته لتكشف عن عجلات شديدة التحمل. وعلى الأرض المستوية، تعمل كسيارة مدرعة أو دبابة ذات ثماني عجلات، ولكن على الأرض الوعرة تستطيع رفع نفسها والمشي لعدة أقدام فوق الأرض على الأرجل. ولم تكن هيئة الأرجل سريعة بأي حال، لكنها سمحت لآلة المشي باكتساب مستوى من المناورة عجزت المركبات التقليدية ذات العجلات والسيور عن مجاراته. وكانت ثريداك قد شاهدت مقاطع مصورة لآلات المشي وهي تسير بسرعة فائقة على عجلاتها، ثم تقفز في الهواء وتهبط على أرجلها الممتدة الآن قبل أن تتحول إلى ركض خفيف بلا انقطاع. وقد سمحت هذه الحركة الإضافية لآلات المشي بالعمل في الصحارى والمدن والتضاريس التلالية التي كانت ستجبر مركبة تقليدية على التوقف بخلاف ذلك. وبلغ فخر كاهتاش ذروته بقدرتها على الانحناء إلى الأمام أو الجانب، مما سمح لها بالاستفادة من الغطاء عند إطلاق النار من مدفعها الرئيسي. وسواء أكان السبب هو الجهاز الأمني المهيب أم حملات كاهتاش الصارمة، لم تعترض رحلتهم إلى المصعد أي هجمات للإرهابيين أو المحتجّين. وكانت رحلة المصعد نفسها خالية من الأحداث المثيرة إلى حد بعيد. فقد تسارعوا صعوداً بثبات بنحو نصف جاذبية الكوكب القياسية. وشعرت ثريداك بثقل طفيف وارتباك، ولكن عدا ذلك لم تظهر أي آثار سيئة حقيقية بينما تجمع حاشيتها في ركن من أركان المصعد الواسع. وقريباً سيعمل عدد متعدد من المصاعد في كل الأوقات، مدعومة بمفاعلات اندماجية مدمجة وبتكلفة زهيدة مقارنة بالصواريخ الكيميائية، لتقوم بشحن البضائع والداجتيل إلى المدار حيث بدأت أحواض بناء السفن في الوطن الأم تتخذ شكلها. تطلعت ثريداك من النافذة بينما بدأ العالم ينكمش تحتها. وبدأت المدن الهائلة والمناجم والمصانع المحيطة بليمينت تتلاشى. وصعب تصديق أن هناك بالفعل أكثر من خمسة وعشرين مليون داجتيل يعيشون ويعملون في سبيل مصير جنسهم في هذه اللحظة بالذات. يا له من فرق تصنعه عشرون إلى ثلاثون عاماً من التطور. ووفقاً لمؤرخيهم، فقبل أن تتولى ثريداك مقاليد الأمور كان عدد جنسهم يتراوح بين ثلاثمائة ألف وأربعمائة ألف منتشرين على سطح الكوكب بأسره. وبدا الأمر منطقياً من الناحية المنطقية. فالحفاظ على حيوانات آكلة لحوم ضخمة ونهمة كالداجتيل مشبعة كان مهمة شاقة، مهمة لا تسمح لأي داجتيل معروف بالموت غهراً للشيخوخة. وكانت المنافسة على اللحم قاسية للغاية بحيث تمنع أي قبيلة من التوسع أو أي داجتيل فرد من التقدم في السن حقاً. وفي السنوات العشر الأخيرة، حلّ داهلاس هذه المشكلة. فلم يكن اللحم المُستزرع مخبرياً يقترب طعمه من طعم الهارتدين أو الكيثرا أو حتى لحم الداجتيل الآخر، لكن صنعه كان أسرع وأرخص بكثير. وضمت كل مدينة أحواضاً ضخمة لتلك المادة عديمة الطعم، وهي تمتص بشغف كل العناصر الغذائية والنشويات التي يمكن لمزارعيهم توفيرها. وبالمقابل، توفر لحم كافٍ لإطعام تعدادهم السكاني المتنامي بارتياح. وما زال الأثرياء يأكلون الهارتدين أو الكيثرا، ومع مدى تواضعها الذي حاولت الحفاظ عليه، فضلت ثريداك اللحم الحقيقي. فالنسخة المُستزرعة مخبرياً اتسمت بقوام فظ وطعم باهت لم تستطع أي كمية من البهارات إصلاحه. ويا للمفارقة، فقد شكل ذلك أحد مطالب الماكسيين الرئيسية. وهو وضع حد للحم المُستزرع مخبرياً. وبدوا عاجزين عن فهم أنه لولا اللحم المُستزرع لاننهار مجتمع الداجتيل. فعدد أفرادهم ببساطة أكبر من أن يُطعم بالهارتدين المربى في المراعي التقليدية. أغمضت عينها لتأخذ غفوة. وبدت لها الماكسيون نكتة أكثر من كونهم تهديداً. ولم يكن لديها أي ضغينة تجاه كارل ماكس نفسه. وبدا تركيزه على مسار التاريخ غريباً وشعرياً بعض الشيء لكي تستساغه ثريداك، لكن العديد من نظرياته الاقتصادية وتحليلاته السوسيولوجية للبنية الطبقية كانت متقدمة جداً على عصرها. أما الماكسيون من جهة أخرى، فشوهوا أكثر من مجرد اسمه. ولم يرث أي منهم ذكريات إيغوي أو ريفز. ولم يعرفوا حتى ما كتبه ماكس. وبدل ذلك ألقوا خطبافضفاضة وطبعوا كتيبات سيئة التحرير حول أهمية المساواة. وحتى تصورهم للمساواة كان محيراً. فكل داجتيل مُنح الرعاية الصحية والتعليم وما يكفي من الطعام للبقاء على قيد الحياة. وكل من أراد أكثر من الأساسيات كان عليه العمل مقابل الداك. وبالنسبة للماكسيين، كان ذلك أمراً مرفوضاً. وعلى قدر ما استطاع جواسيس كاهتاش معرفته، أرادوا مجتمعاً يُمنح فيه كل داجتيل ببساطة كل ما يريده ويكون العمل اختيارياً. وباختصار، كانوا مجموعة من الحمقى العنيفين. تماماً ما احتججه الداجتيل وهم يستعدون للتهديد الوجودي الذي يمثله الغزاة. وانزلقت في النوم لتووقظها بعد فترة وجيزة صفارة تبديل المصعد. ومثله مثل بقية الداجتيل توجهت نحو جدار مجاور وتمسكت بدرجات السلم المثبتة فيه. وبعد حوالي دقيقة بدأ المصعد يبطئ. وشعرت ثريداك بجسمها يصبح أخف وزناً مع تباطؤ التسارع حتى توقف. وللحظة قصيرة انعدمت جاذبيتها ثم بدأ المصعد يتسارع عكسياً. وببطء، وبسشاقة تولدت من ذكريات أشلي كوينغ المؤلمة عن نفس الظاهرة، التوت ثريداك في الهواء وما زالت أطرافها القابضة على الجدار. ولامست قدماها ما كان يُعد السقف في السابق. وفي الطرف الآخر من المصعد، تحركت معداتهم المرصوصة بإحكام قليلاً مع بدء الجاذبية في عكس اتجاهها. توجهت ثريداك نحو النافذة. لقد اقتربوا الآن. وعلقت محطة أنجل في مدار متزامن مع الأرض فوق الصحراء الكبرى، متصلة برباط المصعد بالكوكب أدناه. ولقد استغرق تجميع المحطة سنوات وربطها بسطح الكوكب عبر أطوال مجنونة من الكابلات شديدة المقاومة، لكن الأمر قد أُنجز أخيراً. واستطاع الداجتيل الوصول إلى الفضاء بسهولة دون مخاطر الصواريخ أو تكلفتها. وما هي إلا سنوات قليلة حتى تصبح المحطات الاستوائية الثلاث الأخرى جاهزة للعمل وتبدأ صناعتهم المدارية بجد. ابتسمت ثريداك. لقد استغرق الأمر وقتاً ودماءً، لكن شعبهم بات على عتبة حقه الشرعي.