يهبّ نسيم عليل ليعبث بشعره ويحرك سترته المفتوحة، فيقرر ليّ أن خريف هوين ممتع حقّاً. الإقليم الاستوائي يشبه ساونا في ذروة الصيف، إذ تبلغ درجات الحرارة تسعين فهرنهايت أو أكثر بلا مبالاة. إن كان هناك ما استغرق وقتاً كي يعتاد عليه، فهي الحرارة. الآن، مع أسبوع نوفمبر الأول، يستقر الحدّ الأقصى اليومي عند ستين درجة لطيفة ولا درجة واحدة أعلى. من المؤسف أن معظم الأشجار في هوين لا تكتسي بألوان الخريف، لكنه سبب إضافي للانتقال إلى سينوه أو جوتو بمجرد الانتهاء من جميع أمورهما في هوين.
يأخذ ليّ نفساً عميقاً، ويبتسم ليطأطئ بصرياً نحو قدميه، حيث تكاد شينكس تهتز محاولةً إخفاء حماسها دون جدوى. بعد أيام قلة قضاها في اختبار ذاكرة صغيرته العجيبة وتدوين كل النتائج المذهلة، عزم ليّ على الإيفاء بوعده وإيجاد نزال حقيقي وحيّ لشينكس. كانت الصغيرة تقفز حرفياً في كل اتجاه (لتسقط لوحة فنية في الفندق أثناء ذلك)، ودفعت ليّ والفريق للنهوض والتعجل مع إشراقة الصباح.
التهمت فطورها بسرعة دفعت ليّ للإمساك بقفاها حتى وعدت بالإبطاء، ثم طفقت تقفز على مخالبها قرب باب الجناح بينما كان ليّ يرتدي ملابسه لليوم. الآن، يمضيان وقتاً على جانبي إحدى ساحات النزال العديدة في بيتالبرغ، يشاهدان المباريات وينتظران تحدياً. يخفض ليّ نظره ويدفع شينكس بخفة بحذائه.
"خذي نفساً عميقاً واهدئي، شينكس"، يقول: "سنؤمن لك نزالاً. كوني صبورة فقط".
تبطئ الصغيرة من وثباتها المتواصلة، أو تحاول على الأقل، وتأخذ شهيقاً يجعل فرو صدرها ينتفخ، قبل أن تطلقه زفيراً قوياً.
"ليس هذا ما قصدته يا صغيرتي".
يبتسم ليّ بحيرة.
"استرخي، أماه؟ لا ترغبين في أن تكوني متوترة أكثر من اللازم لقتالك".
تجلس شينكس أخيرًا وتأخذ تنفساً يهدئها إلى حد ما، لكن ذيلها ما زال يرتجف جيئة وذهاباً بطاقة عصبية. داخل كرتها، تبتسم نينيتيلز، ويمكن ليّ أن يشعر بذلك.
"متحمسة جداً للإبهار. لقد كرت شينكس الصغيرة كثيراً".
"نعم..."
يوافق ليّ، بينما يطعن الحزن قلبه. يشبه الأمر رؤية صغاره في حديقة الحيوان تتحول إلى أسود من جديد.
"لقد كبرت بسرعة أكبر مما ينبغي، في رألي. أهكذا هي الأبوة؟"
"لا أستطيع سوى تخيل ذلك. استمتع بها الآن، فإن كان نمو البوكمون يشبه نمو البشر، فقد تلوح مرحلة تمردها في الأفق".
"شينكس الصغية؟ متمردة؟ مستحيل، لا وألف لا. شمس عينيّ ذات البريق لا تبتعد عن الصواب أبداً".
تضحك نينيتيلز بصوت خافت لا يسمعه سواه.
"آه، حماقة الأب ومدللة أبيها".
بابتسامة، يقلب ليّ عينيه ويدحرجة كرة شينكس بين أصابعه. يلقي بصره حوله محصياً المدربين الآخرين بانتظار تحدٍ ليرى أعدادهم تتناقص. شأنهم شأن الكثير من المجموعات الاجتماعية، يملك المدربون عدداً من القواعد والإشارات غير المكتوبة ضمن صفوفهم، تلك التي فاتته خلال شهوره الأولى كمدرب. إحدى أبسط القواعد وأكثرها شيوعاً هي مجرد الانتظار حول ساحات النزال وكرة بوكمون في اليد، إشارة إلى البحث عن قتال.
إخراج البوكمون الذي تنوي القتال به يعد مجاملة يقدمها المدربون الواثقون (أو المتغطرسون) للآخرين، رغم أن بعض عديمي الضمير يستغلون ذلك كخدعة وتضليل. وغالباً ما يُفضح أمرهم على الإنترنت. حتى الآن، نظر بضعة مدربين في جهتهم، لكن أحداً لم يقترب. لو كانت نينيتيلز خارج كرتها، لتمكن ليّ من استعارة أذنيها وسماع همسات القلة الذين يراقبونهما، لكن هيهات. بعض العيون المسددة نحوهما تتألق بالتعرف، بينما تبدو أخرى حذرة بطريقة عامة.
حتى في هذا الوقت المتأخر من عام الدوري بعد تصفية المدربين العاديين من حلبة الصالات، يبدو أن ليّ ما زال منظراً مهيباً لمعظمهم. بتنهيدة داخلية، يمد ليّ يده ليدعك آثار الحروق الثلاثة الطويلة والملتئمة على وجهه. اللحم الأملس المرتفع دافئ ومخدر قليلاً، كعادته دائماً، ومرة أخرى يتساءل الرجل إن كان عليه زيارة أخصائي تجميل للتخلص منها.
"لا".
يتتبع الأثر الذي اقتطع عدة مليمترات من جفنه السفلي ويدع يده تسقط.
"لقد احتفظت بها طويلاً، وأريد للتذكار أن يبقى".
"عذراً، هل تبحثان عن نزال؟"
يعود انتباه ليّ إلى الخارج حين يوجه صوت كلامه إليه. بخفض بصره، يجد فتاة أقصر منه برأس وابتسامة على وجهها. الشابة اليافعة التي لا يمكن أن تزيد عمرها عن سبعة عشر عاماً تبدو عادية المظهر، بشعر بني محمر، وعيون عسلية، وملابس سفر عملية. وفي يدها كرة عظيمة، مما يجعل نيتها واضحة.
"هذا صحيح. اسمي ليّ، الآنسة..."
يبدأ ليّ كلامه ماداً يده.
"أبريل!"
تغرد الفتاة مصافحة اليد الممدودة.
"هل ستستخدم هذه الظريفة هنا؟"
تسأل ناظرة إلى شينكس التي عادت للاهتزاز.
"سيكون نزالها الحقيقي الأول خارج الفريق".
يدفع ليّ شينكس بقدمه مجدداً، مذكراً إياها بالهدوء.
"لكن لا تسهلي الأمر عليها. إنها صلبة المراس".
تكتسب ابتسامة أبريل حدة تنافسية، تبدو عامة لدى كل المدربين.
"ما كان ليخطر ببالي!"
مع انتهاء المجاملات، ينتقل ليّ وأبريل وشينكس إلى ساحة نزال غير مستخدمة مصنوعة من التراب المضغوط المعتاد. على الطريق، يتناقشان حول رهان للنزال، وهو أمر طالما تجنبه ليّ خشية الظهور بمظهر المتنمر الذي يفترس المدربين الصغار المفلسين. ضحكت أبريل على هذا الاعتراف ولوحت بشاراتها الخمس، بما فيها ششارة التوازن الخاصة ببيتالبرغ. وبناءً عليه، وضع كلاهما خمسمائة رصيد على النزال.
مع تخذ كل مدرب جانبًا، ينضم حشد صغير من المتفرجين الفضوليين إلى الأطراف، بما لا يقل عن ضعفي أي ساحة نزال أخرى. يحمل الكثير منهم أحزمة كرات بوكمون أو يرافقهم بوكمون ذوو مظهر متمرس، وكل منهم يولي اهتماماً وثيقاً. وبين الحشد، ترتفع هواتف محمولة وكاميرات لاقتناص اللقطات.
"كلهم متعطشون لاستكشاف ألفا يتجول بصمت وسط صفوفهم، أليس كذلك؟"
تعلق نينيتيلز في مؤخرة رأس ليّ، مع تلميح من الكبرياء المتجبر في كلماتها.
"تبدو الفتاة الصغيرة أبريل بمثابة أولوّ ضحية في هذه الحالة".
"ألفا؟ كأن يحدث. ووصف هذه الفتاة بأولوّ ضحية هو تفكير مريض يا حبيبتي".
"أأنا مخططة؟"
قبل أن يتمكن ليّ من الرد على الثعلبة داخل كرتها، يتقدم رجل مسن ذو لحية ملحية ومفلفلة إلى جانب الحلبة ليكون حكماً، ويخاطبهما معاً.
"أيها الشاب، أيتها الفتاة، من أنتما وما القواعد التي ستستخدمانها؟"
يسأل ناظراً بين الاثنين.
"أنا ليّ، ولدي في الواقع بوكمونان أود اكتساب بعض الخبرة العملية بهما اليوم، فما رأيكما باثنين ضد اثنين، مع تبديل واحد لكل منهما، وقواعد وشروط فوز قياسية؟"
يسأل ليّ عبر الميدان.
"اسمي أبريل، ويبدو ذلك ممتازاً بالنسبة لي!"
تنادي أبريل مستعدة بلهفة بكرتها العظيمة. يومئ حكم اليوم.
"اثنان ضد اثنين، تبديل واحد. ايها المدربان، جهزا بوكمونكما الأول!"
يركع ليّ ويضع يداً على ظهر شينكس، كاتماً انكماشة حين تفرقع بعض الشحنات الساكنة على كفه.
"مستعدة يا صغيرتي؟"
ترفع شينكس رأسها إليه بابتسامة، ابتسامة متوحشة تذكر بزينا بشكل مبالغ فيه.
"حطميهما!"
عندها، تنطلق شينكس إلى الميدان بينما تتقوس الكهرباء صعوداً وهبوطاً عبر جسدها. في جانب أبريل، ترمي الفتاة كرتها العظيمة في الهواء.
"كيكليون! لننطلق!"
تنفتح كرة البوكمون الزرقاء والبيضاء بوميض أبيض، ومقابل شينكس، يتخذ بوكمون ثنائي القدمين شبيه بالحرباء شكلاً مجسداً.
"كيكليون!"
تتسع عينا ليّ من المفاجأة. يشبه البوكمون في الطرف الآخر من الميدان حرباء ذات أبعاد غريبة. برأس كبير على شكل لوزة تزينه ثنيتا زعانف شوكية، وذراعين قصيرتين تنتهيان بمخالب صفراء، وساقين قصيرتين، وذيل رفيع ملتف، لا يمكن الخطأ في تحديد هذا الزاحف.
رغم أنه ليس نادراً بندرة زوروآرك، إلا أن كيكليون هو بالتأكيد من نوعية البوكمون التي "إن لم تجدهم، وجدوك"، بفضل قدرات التخل العليا التي تمنحها إياه بشرته متغيرة الألوان.
والأكثر إثارة للاهتمام، مع ذلك، هو تغير الألوان، قدرته الخاصة. بعد التعرض لهجوم، يتغير نوع كيكليون مؤقتاً من العادي إلى نوع الهجوم الذي أصابه أخيراً. حيلة في لعبة فيديو، لكنها مغير حقيقي لقواعد اللعبة في الواقع.
"حان وقت التحدي، وقد أجاب العالم"، يفكر ليّ في نفسه بعبوس مائل.
تبدأ الاستراتيجيات في التشكل برأسه.
"مستعدون؟"
يرفع الحكم يده ويهوي بها قاطعاً الهواء.
"ابدأ!"
تستنفر شينكس تخويفها بلا حاجة لأي أمر. تكشف عن أنيابها بينما تلمع عيناها بضوء أصفر شرير، وتطلق زئيراً يليق بقطة تفوقها حجماً بخمسة أضعاف. تدفق النية العدائية مركز لدرجة أن ليّ يمكنه رؤيتها تنتقل عبر الغبار المثار على الأرض. حين تصيب كيكليون، يتعثر كأنه تلقى لكمة في صدره، ووجه السزاحف يبيض حرفياً.
"كيكليون، ركز!"
تسارع أبريل لمحاولة إعادة بوكمونها إلى المسار.
"جي بي!"
يهز كيكليون رأسه لتبديد ضباب التخويف ويتحرك لتنفيذ الأمر المستتر، غامراً يديه المرتجفتين قليلاً في الأرض.
"سنشاكسه من بعيد قبل التقدم".
تضيق عينا ليّ.
"صعقة رق! يضيء جسد شينكس الصغيرة بإكليل أصفر. مع مواء، يقف فروها شوكياً وينطلق صاعقة برق من جسدها مسرعة نحو كيكليون. قبل صعقه بثانية، يلتقط كيكليون كتل التراب بمخالبه ويضرب بها صدره. تحول حراشيفه الخضراء الباهتة إلى لون بني محمر. كر-زاب! تضيء صعقة البرق بوكمون أبريل بمئات آلاف الفولوت، لكن الزاحف لا يرمش حتى. بمجرد مرور دفقة الكهرباء، يترك كيكليون بحراشيف صفراء ساطعة. لكن اللون الأصفر لا يدوم طويلاً، إذ يشع البني مجدداً من التراب المدخن قليلاً الملطخ على صدره، حتى يعود بلون ترابي. يتابع ليّ العملية برمتها باهتمام، ملاحظاً كيف تغير لون حراشيف كيكليون. "كنت أعلم، أي مدرب يملك كيكليون سيحاول التلاعب بقدرة تغير الألوان.
لقد جعل كيكليون نفسه من النوع الأرضي بأي "جي بي"
كان لإلغاء صعقة البرق". تثبت عيناه على التراب العالق بكيكليون. "لكن صعقة البرق حولته إلى النوع الكهربائي للحظة رغم ذلك.
دفاع جيد، لكنه ليس مثالياً.
يمكننا العمل مع هذا". "إس بي!"
تأمر أبريل، قافزة فوق فترة التوقف الثانية التي استخدمها ليّ للتفكير.
"ثم در باختصار مع دي جي!"
ينفتح فم كيكليون عريضاً، ويطلق كرة أرجوانية داكنة متلوية يتعرف عليها ليّ فوراً ككرة ظل، لكنه ليس لديه أدنى فكرة عما قد تكون "دي جي"، لذا وعند الشك...
"حماية!"
ما إن تطير كرة الظل، حتى يغوص كيكليون بوجهه أولاً في الأرض، حافراً حفرة داكنة تحته ومختفياً عن الأنظار. في الوقت ذاته، تتأهب شينكس، ويبدو وجهها في تركيز رائع بينما يتشكل درع أخضر متألق ليغطيها في نصف كرة شفاف وواقي. تقطع كرة الظل الميدان بوتيرة سريعة وتحطم حماية شينكس، محدثة تشققات شعيرية في الدرع. وفي جزء من الثانية، ينفجر كيكليون من الأرض خلف شينكس وسط وابل من التراب، لترتد مخالبه التي كانت تلوح أصلاً عن الدرع.
تهز الصدمة ذراعيه وتجعل شينكس تكرمش وجهها داخل درعها.
"إذن الحفر هو "دي جي"، معلومة جيدة".
يسجل ليّ ذلك لوقت لاحق.
"هجوم سريع!"
تقوم شينكس باستدارة تامة بمئة وثمانين درجة لتواجه كيكليون وتلغي الحماية في حركة واحدة. لا يحصل كيكليون وأبريل إلا على نصف ثانية قبل أن تنطلق شينكس نحو عدوها كصاروخ صوتي صغير الحجم. تبتسم أبريل على نطاق واسع، رغم ما كان يفترض أن يكون تراجعاً.
"جي إتش بي! إس بي!"
يحدث فرقعة تشبه المفرقعات، وتصدر خيوط من الأرجوان الشبحي أصوات فحيص من فم كيكليون. تحولت حراشيفه إلى لافندر شاحب، ولمفاجأة ليّ وشينكس معاً، تمر شينكس عبر كيكليون تماماً كأنه مجسم مجسم....أو شبح. ثم يلتف الزاحف على قدميه، ومخالبه مضمومة في قبضات مغطاة بطاقة دخانية سوداء. وتندفع القبضة مباشرة في جنب شينكس، مرسلة الهريرة طائرة إلى وسط الميدان بمواء ألم. تسقط شينكس كومة، لكنها تبتث على مخالبها فوراً لأنفاس لاهثة.
وجهها السعيد عادة مشوه في تركيز، وتحدق في كيكليون بثبات، دون أن تنظر إلى ليّ ودون أن تحول انتباهها عن عدوها مثل بوكمون المبتدئين الآخرين.
"كان يجب أن أتوقع ذلك".
يعبس ليّ، منزعجاً من فشل خطته في دمج الهجوم السريع مع الشرر، ومن اضطرار صغيرته لتلقي الضربة الأولى من القتال. تتشكل فكرة أخرى بسرعة، وهو يأمل أن تتمكن موهبة شينكس من جعلها تنجح.
"عيون دمية الطفل! بكامل القوة! استمري ولا تكسري خط الرؤية!"
تطيع شينكس الصغيرة دون تردد. تكتسب عيناها الصفراوان مسحة وردية، وتركز نفسها على كيكليون مثل قطة تراقب طائراً سميناً. يتعثر بوكمون الحرباء بينما يغمره شعاع الجنية، مضعفاً جسده. إن كان ليّ يتذكر جيداً، فيجب ألا تُفعل قدرة تغير الألوان إلا بالضرر الوارد، لكن مراراً وتكراراً، تثبت ميكانيكية الألعاب خطأها هنا. مع كفاية الزخم خلفها، يمكن لحركات الحالة أن تلحق الضرر بالتأكيد، ومع وضع ذلك في الاعتبار...
يبتسم ليّ بينما تبدأ حراشيف كيكليون بالتحول من اللافندر إلى الوردي الساطع....يجب أن تفعل عيون دمية الطفل قدرة تغير الألوان.
"صعقة برق! حافظي على عيون دمية الطفل!"
وبينما لا يزال نظزها الشبيه بالجنيه مثبتاً على كيكليون، تكشّر شينكس وتطلق صاعقة متفرقعة أخرى. يلتقط كيكليون حفنة أخرى من التراب من الأرض ويضرب عظم صدره، لكن حراشيفه تظل وردية بعناد. ثم ينظر الزاحف إلى جلده زاهي الألوان بعيون متسعة ومرعوبة. ثم يُصعق بوحشية. تطلق صرخة مخنوقة من كيكليون وهو يتشنج على قدميه. في الجانب الآخر من الميدان، تدرك أبريل أن خطتها تخاطر بالتفكك وتتخذ إجراءً سريعاً.
"تحرك! دي جي لإعادة التموضع!"
عبر ألمه، يكشر كيكليون ويحشد ما يكفي من التركيز لغرس مخالبه في أرضية الساحة، مثبتًا نفسه طويلاً بما يكفي لحفر حفرة متسرعة والهروب. تقطع شينكس صعقة البرق وتسمح لنفسها برمشة واحدة لترطيب عينيها المتوهجتين. تبقي الصغيرة رأسها متلفتة، مستعدة لللاشتباك مجدداً في جزء من الثانية ودون التخلي عن عيون دمية الطفل لثانية واحدة.
"كوني مستعدة لأي شيء، شينكس"، يتمتم ليّ، واثقاً من أن أذني صغيرته الحادتين ستلتقطان الأمر رغم المسافة.
"ليس لدينا أدنى فكرة عما قد يكون ردهم المضاد".
على بعد عدة أمتار إلى يمين شينكس، وحالما تدير رأسها يساراً، تتشقق الأرض.
"شينكس، اليمين!"
ينبح ليّ. تلتفت الصغيرة الزرقاء والسوداء في الوقت المناسب لرؤية كيكليون ينفجر خارج الأرض إلى الهواء، وقد عادت حراشيفه إلى اللون البني المحمر الذي كانت عليه سابقاً.
"تعطيل!"
تصيح أبريل. كان عليها مواجهة السيناريو نفسه تماماً من نينيتيلز خلال التدريب، رغم أنه بدلاً من التعطيل، كانت تواجه مفاجأة دمج الحفر مع شعاع الارتباك. إن شعاع الارتباك المربك لناي يترك درساً لا ينسى. يطير زئير عميق ومتمدد من فم شينكس ويصطدم بذقن كيكليون قبل أن تلمع عينا الزاحف بالتعطيل. لا يحدث موجة الصدمة الارتجاجية ضرراً حقيقياً، لكنها ترفع رأسه عالياً، مرسلة شعاع التعطيل غير المرى نحو الغيوم.
تتحول حراشيفه البنية إلى خضراء.
"أيتها الفتاة الرائعة! حان وقت إنهاء هذا!"
"شرر!"
ينقفز ليّ على الفتحة، وقد عادت ابتسامته. تقفز شينكس إلى كيكليون الذي لا يزال في منتصف الهواء. تغرس مخالبها في أطرافه وتجد أسنانها حلقه، ثم ينفجر كلا البوكمون في أقواس جامحة من الكهرباء ساطعة لدرجة تجبر ليّ على حماية عينيه. يهبط البوكمون معاً ككومة من الأطراف المتخبطة مع انتهاء مفعول الشرر، لكن بفضل رافعة مخالبها، تناور شينكس الحرباء المقلية تحتها، ويتكلق المسكين كيكليون النصيب الأكبر من السقوط بينما تهبط شينكس فوقه، مثيرة سحابة صغيرة من الغبار.
عندما يظل عدوها ساكناً تحت أنيابها لبضع ثوانٍ، تطلقه شينكس وتتباعد، عائدة إلى وضع منخفض وبانتظار أمر جديد. على الجانب، يمكن ليّ رؤية الرجل الذي يعمل كحكم يعد بصوت خخفض. وحين يصل إلى خمسة، يلوح بيده.
"كيكليون غير قادر على المتابعة! الجولة الأولى تذهب لشينكس وليّ!"
يطلق المتفرجون جولة من الهتافات، ويركع ليّ ليفتح ذراعيه، مسحاً لشينكس بالقفز إلى صدره حيث يعانقها.
"أنا فخور جداً يا صغيرتي!"
ابتسامة ليّ واسعة لدرجة تجعل ندوبه تؤلمه بعدم ارتياح، لكنه لا يكترث البتة. يقف مجدداً وشينكس محتضنة بين ذراعيه.
"لقد فزت بنزالك الحقيقي الأول! لقد عملت بجد وها هو يظهر! ماذا فعلت لأستحقك؟"
تتألق شينكس إيجاباً من المديح. تضغط برأسها على صدر ليّ، تارّة بحدة جعلته بالكاد يسمع لهاثها. وحينها يلاحظ أن عينيها حمراوان ومتورمتان أيضاً.
"آه، مسكينة صغيرتي، أهيجت عيناك من إطلاق عيون دمية الطفل هكذا؟"
يسأل ليّ،فادكاً بإبهامه تحت جفنها الدامع ليجده مبتلاً.
"هنا، ما رأيك لو تستريحين للنزال القادم، حسناً؟ ثم سنؤمن لك أوران، وبعض قطرات العين، ونجهزك لنزال آخر".
تبدو الصغيرة للوهلة الأولى وكأنها تريد الاحتجاج إذ تبهت ابتسامتها، لكن فكرة ما توقفها على ما يبدو. تسقط كتفبرها وتموء بحزن.
ما قاله بالضبط، لست متأكداً منه، لكنه التقط صوت "أريد"
و"سيء"
هناك.
"ناي؟ هل التقطت ذلك؟"
في كرتها، تعبس نينيتيلز.
"لا تزال تتمنى القتال، وهي "آسفة لأنها طفلة سيئة"."
يضع ذلك ليّ في حيرة.
"طفلة سيئة؟ من أين جاءت هذه؟ لن أكون منزعجاً من رغبتها في القتال".
تعترف نينيتيلز قائلة: "لست متأكدة مما دفع بتلك التعليقة المحددة"، بينما يتدفق استشاؤها غير المباشر للواقع نحو ليّ.
"ربما هي مستاءة لامتلاكها رأياً مخالفاً لرأيك؟"
"لست سيئة! لا تفكري في ذلك!"
يشدّد ليّ احتضانه لأصغر بوكمونات ويملّس رأسها بينما ترفع عينيها الصفراوين الكيرتين إليه.
"الاختلاف معي لا يجعلك سيئة! يمكنك الاختلاف قدر ما تشائين، فقط تذكري أنني أتخذ القرارات التي أتخذها لسبب، حسناً؟ حتى نينيتيلز أخذت قسطاً من الراحة بعد قتالها الأول".
تجعل هذه الحقيقة الصغيرة شينكس ترمش بذهول، ويمكن ليّ تخيل السبب.
بالنسبة لشينكس، كانت "أمها"
دوماً قوة جبارة. وسماع غير ذلك يقترب من الكفر. يركع ليّ ويضعها على الأرض.
"أعدك بأننا سنسمح لك باستعراض مهاراتك طالما أمكنك اليوم، لكني أريدك أن تلتقطي أنفاسك وتحصلي على بعض العلاج بعد معركتك الأولى خارج الفريق. أيمكنك التراجع لأجلي يا شينكس؟"
كالفتاة الطيبة التي هي عليها، تتراجع شينكس بطاعة خطوات قليلة حتى تصبح في ركن الطباشير الخاص بصندوق مدرب ليّ، ثم تجلس وتلف ذيلها حول مخالبها.
"شينكس متمردة".
يهز ليّ رأسه، متذكراً حديثه السابق مع نينيتيلز.
"صغيرتي أفضل من هذه الأمور".
في الميدان، استعادت أبريل منذ فترة كيكليون المقلي وتنظر إلى ليّ بابتسامة رياضية. وما إن انتهى ليّ بوضوح من شينكس، ترفع كرة عظيمة أخرى.
"نزال جيد. هل ستبدل شينكس؟"
تسأل بصوت مرتفع ليحمله الهواء عبر الميدان. يهز ليّ رأسه.
"سأستبعدها لبقية المعركة، لذا نكتفي بواحدة بواحدة".
ممدداً يده إلى حزامه، يأخذ ليّ كرة الفخامة الوحيدة بين المجموعة. تومئ المراهقة في الجانب الآخر، وتتسع ابتسامتها.
"فخر الفريق وخمسمائة سمارك على المحك، لذا يجب أن أخوض الجولة الثانية! أتمنى أن تكون مستعداً لورقتي الرابحة!"
تقول رامية كرة البوكمون عالية. تطير الكرة العظيمة وتنفتح. وميض أبيض تالٍ، ليتخذ ليبارد شكلاً على الميدان. بوكمون أبريل الثاني وورقة فريقها الرابحة يشبه الفهد أكثر من الفهد المرقط، بجسد قططي رشيق، وفرو أرجواني يحمل علامات ماسية صفراء، وبطن صفراء مع مخالب بنفس اللون. حول رقبة القطة طوق فضفاض، ومعلق بذلك الطوق تميمة كبيرة تشبه زوجاً من النظارات الشمسية السوداء.
"نظارات سوداء"، يمدها ذاكرة ليّ.
"تعزز حركات الظلام مثل بذرة معجزة سكريل تماماً كتعزيز العشب. هممم. يجب أن أفكر في بيع البذرة بما أن سكريل لم يعد يستخدمها. أو ربما أمنحها لناي. شعاع شمسي مدعوم بخصائص الجفاف وبذرة المعجزة يبدو مضحكاً".
بينما يغرق ليّ في أفكاره، تسحب ليبارد التابعة لأبريل عينيها بكسل فوق ليّ، ثم إلى شينكس، قبل أن ترفع أنفها بازدراء تام رافضة إياهما. بل إنها تنظر من فوق كتفها إلى أبريل وتموء بشكوى لا لبس فيها.
"ليبارد، أرجو أن تأخذي هذا بجدية!"
تتنهد أبريل.
"هذا نزال رهان وتلك الشينكس أسقطت كيكليون!"
تكتفي ليبارد بالشم باستعلاء، كأنها تقول: "وهذا؟"
يعتبر ليّ ذلك إشارته لرمي كرة سيلفيون في الحلبة. تنفتح كرة البوكمون الذهبية والسوداء في ذروة الرمية قبل أن تعود طائرة إلى يد ليّ، وما إن ينجلي الوميض الأبيض، تقف سيلفيون بهدوء في جانب ليّ من الميدان. يثير الظهور المفاجئ لأندر تطور إيفي محادثات متحمسة بين المتفرجين، ويجد المزيد من الناس طريقهم نحو الميدان حتى تُرفع الهواتف الذكية فوق الرؤوس لالتقاط نظرة. تنظر الجنية من فوق كتفها، رافعة حاجبها بينما تمد شريطاً نحوه.
"أترغبين بنزال يا سيلفي؟"
يسأل ليّ، باذلاً وسعه لتجاهل المتفرجين وهو يمسك الشريط الممدود في يده. بغفلة، يقرص طرف الشريط الأزرق بيده بين إبهامه وسبّابته.
"أود بشدة رؤية تقدم عملك الشاق في نزال حي".
تجعل كلمة "أحب"
سيلفيون تنتعش، وترتفع ابتسامة ضئيلة على وجهها الغامض عادة. تومئ بحزم وتجذب الشريط من قبضته، محولة انتباهها إلى ليبارد. على الجانب الآخر، يتصدع وجه القطة غير المبالي تحت نظرة سيلفيون الحادة، وخلفها، تبدو أبريل أكثر اضطراباً.
"أوه، تبّاً..."
تتمتم الفتاة.
"مستعدون؟!"
يرفع الحكم يده ويهوي به في الخفض المعتاد.
"ابدأ!"
"التفاف!"
"خداع!"
ينطلق اثنان من أشرطة سيلفيون نحو ليبارد، قريبان من الأرض وبسرعة الأفعى المهاجمة. في الوقت ذاته، تندفع ليبارد للأمام ومضة أرجوانية، آملة في التقدم بسرعة للتمويه لإتاحة المجال أمام سيلفيون لدمج. أشرطة سيلفيون، المعتادة على مطاردة زملائها السريعين بشكل مزعج، تعيد توجيه نفسها وتعقد مخالب ليبارد، مرسلة السنور ذي اللون الأرجواني يتدحرج في التراب. ثم تلتف شرائط الفرو الممتدة بإحكام حول مخالبها، شريط للمخالب الأمامية، وشريط للمخالب الخلفية.
وقبل أن تستطيع ليبارد الرد، أو حتى المقاومة، تومض أشرطة سيلفيون الأشرطة الأخرى حول حلق ليبارد وتعصره، مما يجعل عيني نوع الظلام تنفرجان بقلق.
"ليبارد، ذيل حديدي! قطعي نفسك بحرية!"
تصيح أبريل، وعيناها واسعتان هلعاً. يكتسب ذيل ليبارد الطويل لمعاناً معدنياً، وتحاول القطة بيأس تدبير تأرجح لقطع الأشرطة التي تأسرها، لكن بين اضطراب ليبارد الأعمى والزاوية التي تُمسك بها، يكون الأوان قد فات بعد فوات الأوان. بنفس السهولة التي قد ترفع بها قطة إيفي شقية، ترفع سيلفيون ليبارد عالياً بأشرطتها الممدودة، وبنقرة باردة من لسانها، تهوي بكل أشرطتها إلى أسفل بتوافق تام.
تحطم ليبارد الأرض بقوة تجعل الأرض ترتجف تحت قدمي ليّ، وقدمي أي شخص آخر أيضاً، كما يفتخ. تثير رمية الزلازل المحرفة سحابة غبار، لكن من مدى رقة سحب سيلفيون لأشرطتها نحو جسدها، يعرف ليّ مسبقاً ما يمكن توقعه. بمجرد أن يستقر الغبار في الهواء، يُعامل الجميع برؤية ليبارد التابعة لأبريل ملقاة في فوهة ضحلة، تنزف من جرح في رأسها وتتنفس بصعوبة. عيناها مغلقتان وجسدها رخو.
"أغمي عليها بضربة واحدة".
يمشّط ليّ يده عبر شعره، مدركاً تماماً لجموع العيون المذهولة عليه وعلى سيلفيون. يرمش الرجل الذي يعمل كحكم النزال، ثم يتذكر العد إلى خمسة بصوت خخفض.
"ليبارد غير قادرة على المتابعة. ليّ وسيلفيون يفوزان بالنزال!"
هذه المرة، الهتافات أكثر حماسة بكثير، مع اقتراب المدربين والبوكمون المتجمهرين قدر الإمكان دون عبور خط الطباشير المحيط بالساحة. بينما لا يزال مشوشاً قليلاً، يركع ليّ ويفتح ذراعيه لعناق كما فعل مع شينكس، لتدخل سيلفيون بلا مبالاة وتسمح له باحتضانها بين ذراعيه. تمر في رأسه بعض الأمور التي يمكنه قولها.
"سيلفي، أنتِ بالغة جداً".
تسحب الجنية رأسها إلى الخلف، رافعة بصرها لتمنح ليّ نظرة فاحصة بعينيها الزرقاواتين البراقتين. ظاهرياً، تبدو سيلفيون غير مبالية، لكن تحت ذلك... في هاتين العينين الزرقاواتين الكيرتين توجد رغبة شبه خفية وخجولة في الموافقة. يترك ليّ ابتسامة تعلو وجهه ويحيط وجه سيلفيون بيديه، دافكاً وجنتيه بإبهاميه.
"عمل رائع، يا سيلفي. أعتقد... لا، لقد كان بالتأكيد أسرع وأصفى فوز حققه أي شخص في الفريق على الإطلاق. ما كنت لأطلب أفضل من هذا".
يسمح فرو سيلفيون الرقيق والمخملي بتوهج الخجل على وجهها بالظهور، وتكسر تواصل الأعين، لكن للمرة الأولى منذ عرفها ليّ، تصل ابتسامة سيلفيون أخيراً إلى عينيها بالكامل. بغض النظر عن أي اهتمام يأتي من هذا النزال، فهو فوز في كتاب ليّ. محررأ بوكمونه وواقفاً، يشير بكل من شينكس وسيلفيون لمرافقته بينما يمشي نحو وسط الساحة. أبريل، التي لا تزال عاجزة عن الكلام، تستعيد ليبارد المصابة وتلتقي ليّ في منتصف ساحة النزال، مسيرة بخطوات غير ثابتة.
"معذرة إن كانت سيلفي قاسية قليلاً".
يمد ليّ يده للمصافحة بابتسامة خجولة بعض الشيء.
"الأمر ليس شخصياً، لم ترغب فقط في فعل أي شيء بأنصاف الطرق".
إلى جانبه، ينتفخ صدر سيلفيون قليلاً.
"نعم، لا ضغائن".
تصافح أبريل يد ليّ وتستعيد ابتسامتها، رغم أن تعابير الفتاة تبدو الآن حامضة بعض الشيء.
"أظن أن كل ضجة شبكة النزالات حول كونك مرشحاً مؤكداً للمؤتمر حقيقية".
"آه، لا أود إيلاء الكثير من الاهتمام لهذه الأمور"، يلوح بيده مبعداً إياها.
"ضجيج الإنترنت مبالغ فيه دوماً".
تضع أبريل يديها على خصريها وتهز رأسها.
"مهما قلتم. دعوني أحصل على نقودكم"، تتمتم بالجزء الأخير بتردد، مسحبة هاتفها من جيبها.
"لا، لا تقلقي بشأن الأرصدة"، يوقفها ليّ فجأة.
"لدي الكثير من الدخل. لن أخذ شيئاً من مدربين مستقلين هم بحاجة إليه أكثر".
ترمش الفتاة وتمنح ليّ نظرة تشكيك.
"أنا جاد!"
يصر ليّ.
"خمسمائة مبلغ كبير. ادخريها، استخدميها في شيء تحتاجينه، لكن لا تعطيني إياها. لدي الكثير".
حين لا يقول ليّ "مزحة!"
أو يغير رأيه بطريقة أخرى، تعود ابتسامة أبريل الصادقة، وتفاجئ الفتاة ليّ بالوقوف على أطراف أصابعها لتلف ذراعيها حول عنقه في عناق قصير.
"شكراً جزيلاً!"
تهتف، مبتعدة.
"لم أتوقع أن تكون الشخصية الكبيرة هكذا... حسناً، لست أدري، مثلك!"
"شكراً، على ما أظن؟ عبثاً يحاول ليّ إبعاد التدفق المحرج للاحمرار عن وجهه. بعد أن قالت ما في وستها، تلوح الفتاة ذات الشعر البني المحمر من فوق كتفها وتغادر الميدان، مختفية بين الناس المحيطين بخطوط الحدود. يشرع ليّ، بصحبة شينكس وسيلفيون، في إخلاء المنطقة أيضاً، لكنه يتوقف حين يخطو مدرب آخر إلى الميدان. "مهلاً!"
يلتف ليّ، ليجد فتى في الرابعة أو الخامسة عشرة يبتسم لهما.
"أيمكنني الحصول على نزال أيضاً؟"
يسأل رافعاً كرة بوكمون.
لم يرَ لي سبباً يدفعه لرفض الفتى الذي اقترب منه، فوافق على مواجهة فردية تجمع شينكس بسيفايبر الخاص بالفتى. يتمتع سيفايبر بسرعة ودهاء هائلين، لكنه عجز عن مجاراة قدرات شينكس بعيدة المدى. انتهت المعركة بفوز حاسم لصالشينكس. أوقفت فتاة أخرى لي بعد أن ودعه الفتى المدرب، وأخذت سيفايبر الخاص به المصاب بالإجهاد نحو مركز البوكيمون. هذه المرة، كان خصم شينكس سوينوب. خصم مخادع بسبب نوعه الجليدي والأرضي، لكن شينكس انتزع الفوز بصعوبة بالغة وخرج بإصابات طفيفة من الصقيع قبل أن يُحال للراحة بقية اليوم.
بحلول ذلك الوقت، ذاب الجليد ولم يعد لي بذلك القدر من الجفاء. تدفق المدربون والبوكيمونات من كل اتجاه، بحثاً عن قطعتهم من ذلك المدرب الغامض الذي قرأوا عنه عبر الشبكة. فرضت سيلفيون سيطرتها تالياً، ومسحت الأرض بعدد من المتنافسين على التوالي، حتى أنها أطاحتبأغرون تطور حديثاً. ظن مدرب الأغغرون أنه في طريق حتمي للفوز بفضل تفوق النوع المعدني على الجنيه، وكيف ينبغي لسيلفيون أن تكون منهكة من القتال بلا توقف.
غير أن صرير درع الأغغرون المعذب حين لفت سيلفيون أشرطتها حوله قضى على تلك الفكرة سريعاً. أدرك لي أن أسابيع التدريب المنعزل صنعت العجائب لبوكيموناته، لكن رؤية سيلفيون وهي تلوي ذراع أغغرون حتى استسلم أثبتت له الأمر واقعاً لا ظناً. على الرغم من إرادة سيلفيون الصلبة وكفاءتها القاسية، فهي ليست بلا توعب، وأحالها لي إلى الراحة في نهاية المطاف. بعد أن منت شمس الظهيرة، رحل المدربون الجبناء، ولم يبقَ سوى عدد قليل ممن استعدوا للقتال.
هبط كورفيكنايت إلى الميدان مطلقا صرخة تمزق الآذان، ربما سمعها نصف الحي، ليهبط عدد المدربين المستعدين لمشاحنة لي وفريقه إلى الصفر. مرة أخرى، وجد لي وبوكيموناته أنفسهم على الهامش، بانتظار أحدهم ليقترب. تمتم كورفيكنايت بجانب لي معبراً عن امتعاضه من الجبناء والضعفاء، مسلطاً عينيه الحمراوين الحاقدتين على كل من حوله. مع انكماش جناحيه وريشه المنفوش، بدا الغراب العظيم ممتعضاً أشد الامتعاض لعدم حصوله على معركة.
ربّت لي على جناح الغراب المدرع.
"آسف لاستدعائك بلا معركة جاهزة، يا كورفي. لم أظن أنك ستخيف الجميع هكذا".
"ألم تظن أن بوكيمون بطول عشرة أقدام ونصف طن سيكون مرعباً؟"
سألناينتيلز بتسلل، بينما لا تزال في كرتها.
"هو ليس مرعباً بالنسبة لي".
"أوه، يا حبيبي. قلّ الرجال بشجاعتك".
قلّب لي عينيه، وأخرج هاتفه ليبحث عن الطريق إلى مركز البوكيمون. إن لم يرغب أحد بالقتال، فقد حان وقت الانصراف.
"السيد لي؟"
طمش لي برموشه، والتفت نحو الصوت المخاطب له ليجد جسداً قصيراً يعلو رأسه شعور أخضر أشعث.
"والي؟"
التفت رأس كورفيكنايت فجأة، وتركز جل انتباهه على الحوار. حقاً وصدقاً، وقف أمانه الفتى الذي التقاه لي في فيردانتورف. بدا والي كما عهده، بشعير أخضر، وعينين زراوين فاتحتين، ووقفة غير واثقة، لكنه بدا... أصحّ حالاً.
"أتذكر أن بشرته كانت أكثر شحوباً. أيكتسب بعض اللون؟"
حيّا لي: "يا والي، يسرني رؤيتك مجدداً. العالم ضيق، أليس كذلك؟ أتزال تعمل لصالح فيفان؟"
رسم الفتى ابتسامة خفيفة على شفتيه وأومأ.
"أظنه كذلك. عالماً ضيقاً أعني. مم، لقد ادخرت ما يكفي من عملي مع الآنسة فيفان لأبدأ رحلتي الخاصة قبل بضعة أسابيع. الوقت متأخر من العام، لكنني حزت بالفعل شارات الحجر والمفاصل!"
قال وهو يلتقط علبة من حقيبة الرساعيين التي على كتفه ليفتحها ويريه إياها. وحقاً، توهجت شارتان متلألئتان في الداخل. وفي انعكاس الشارتين، رأى لي الغراب خلفه يبتسم... فخراً؟ أطلق لي صفيرة معجباً حقاً.
"هذا سعي جاد حقاً. أحسنت صنعاً. ما الذي أتى بك إلى بيتالبرغ إذن؟ عادة ما تكون موفيل التالية في القائمة".
"أرخص قارب من ديوفورد إلى البر الرئيسي كان قادماً إلى بيتالبرغ، لذا استقللته"، تلاشت ابتسامة والي قليلاً.
"مم. بيتالبرغ هي مسقط رأسي أيضاً، وقد راودني بعض الحنين..."
هذا، استطاع لي تفهمه.
قال لي بنبرة حالمة: "نعم. أنا أشعر بك. لا مكان يعادل الوطن".
خلف لي، اقترب كورفي بخطوات متراصة حتى ضغط بزواره الصدري الزغبي مؤخرة رأس لي، ومن داخل كرتها، بعثت ناينتيلز حزناً مشبعاً بالحب.
"شكراً لكما. كلاكما".
ضغط لي بيده على الدرع المعدني الدافئ خلفه. ارتفع بصر والي نحو الغراب الشامخ فوق لي، وبعد لحظة، اتسعت عيناه لمعرفة.
"السيد كورفيسكواير؟ أأنت هو؟ أكنت بوكيمون السيد لي؟"
"ماذا؟"
ردّد لي الكلمات بذهول، ناظراً بدوره إلى كورفيكنايت متفكراً فيما يقصده والي.
"أتعرفان بعضكما؟"
تفوه الفتى المدرب بخشوع: "لقد أنقذ حياتي!"
التفت لي مجدداً إلى والي، وبلغت حيرته أقصاها.
"ماذا؟"
بدأ والي يقول، ناظراً بعيداً ومفركاً أصابعه: "أنـ ـأنا أعاني ربواً شديداً. أنا ورالتس سمعنا جلبة في الغابات حين سكنا في فيردانتورف، ووجدنا السيد كورفيسكواير هناك. كان غاضباً حقاً، و..."
أبطأ والي من سرعة اندفاع كلامه وأخذ نفساً عميقاً.
"رالتس لم يكن يعلم كيف يعمل دواءي وقتها، فسقطت مغشياً عليّ، وأنقذني السيد كورفيسكواير. وقد دربنا لفترة رغم كوننا ضعفاء، و-و..."
أخذ ثانية للتفكير، فربط لي الخيوط ببعضها.
"إذن هذا ما كنت تفعله أثناء غيابك، يا كورفي".
ربّت على الغراب مرة أخرى.
"علمت أنك تمتلك قلباً دوماً".
صمتت ناينتيلز في كرتها وهي تهضم تلك الاكتشافات المفاجئة على حدة. توقف والي مجددا، ثم رفع نظره بخجل إلى كورفيكنايت.
"شكراً لك، السيد كورفيكنايت. لا أظن أننا كنا سنجرؤ على بدء هذه الرحلة لولا كل ما فعلته، وأنا سعيد حقاً لأنك حظيت بمدرب مثل السيد لي لتعود إليه".
أدار البوكيمون النبيل رأسه، لكنه عجز تماماً عن إخفاء عينيه الدامعتين رغم خوذته المعدنية.
"السيد لي؟ السيد كورفيكنايت؟"
تطلع الاثنان نحو الفتى ذي الشعر الأخضر، الذي ارتدى الآن وجهاً حازماً.
تمتم والي، مستخرجاً كرة بوكيمون من حقيبته: "لا أريد أن أكون أنانياً وأطلب أشياء منكم".
ومع نقرة على الزر، تمددت الكرة لتصل حجمها الكامل.
"كان السيد كورفيكنايت -ويعد- أقوى بوكيمون نعرفه، وأعلم أن أمامنا طريقاً طويلاً، لكننا نريد أن نعلم مداه تحديداً، لذا..."
اهتزت الكرة في يد والي، ثم انفتحت فجأة. بجانب والي، تجسد شكل نحيل خارجاً من كرة البوكيمون، منتصباً على ساقين بطول كافٍ لمواجهة لي وجهاً لوجه. حين خفت ضوء الكرة، وقف غالايد على يمين والي، متخلفاً بخطوة واحدة تماماً، كفارس بجانب سيده. استنشق كورفيكنايت هواء مصحوباً بزيز حاد.
"أترidون خوض معركة معنا من فضلكما؟"